Maryam 19:30
Mary · Juz 16 · Page 307
قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠
[Jesus] said, "Indeed, I am the servant of Allāh. He has given me the Scripture and made me a prophet.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 19:30–33
صفحة ٩٨
﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ .
كَلامُ عِيسى هَذا مِمّا أهْمَلَتْهُ أناجِيلُ النَّصارى لِأنَّهم طَوَوْا خَبَرَ وُصُولِها إلى أهْلِها بَعْدَ وضْعِها، وهو طَيٌّ يُتَعَجَّبُ مِنهُ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها كُتِبَتْ في أحْوالٍ غَيْرِ مَضْبُوطَةٍ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ نَبِيئَهُ ﷺ .
والِابْتِداءُ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ ألْقاهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ عِيسى لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ بِأنَّ قَوْمًا سَيَقُولُونَ: أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.
والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ الكِتابِ بِفِعْلِ المُضِيِّ مُرادٌ بِهِ أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ إيتاءَهُ إيّاهُ، أيْ قَدَّرَ أنْ يُؤْتِيَنِي الكِتابَ.
والكِتابُ: الشَّرِيعَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكْتَبَ لِئَلّا يَقَعَ فِيها تَغْيِيرٌ. فَإطْلاقُ الكِتابِ عَلى شَرِيعَةِ عِيسى كَإطْلاقِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ.
والمُرادُ بِالكِتابِ الإنْجِيلُ وهو ما كُتِبَ مِنَ الوَحْيِ الَّذِي خاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِيسى.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ فَيَكُونَ الإيتاءُ إيتاءَ عِلْمِ ما في التَّوْراةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، فَيَكُونَ قَوْلُهُ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾) ارْتِقاءً في المَراتِبِ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ إيّاها.
والقَوْلُ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالماضِي كالقَوْلِ في قَوْلِهِ و﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ .
صفحة ٩٩
والمُبارَكُ: الَّذِي تُقارِنُ البَرَكَةُ أحْوالَهُ في أعْمالِهِ ومُحاوَرَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، لِأنَّ المُبارَكَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن بارَكَهُ، إذا جَعَلَهُ ذا بَرَكَةٍ. أوْ مِن بارَكَ فِيهِ، إذا جَعَلَ البَرَكَةَ مَعَهُ.
والبَرَكَةُ: الخَيْرُ واليُمْنُ.
ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ بِرَحْمَةٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيُحِلَّ لَهم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ولِيَدْعُوَهم إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ بَعْدَ أنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وغَيَّرُوا مِن دِينِهِمْ، فَهَذِهِ أعْظَمُ بَرَكَةٍ تُقارِنُهُ. ومِن بَرَكَتِهِ أنْ جَعَلَ اللَّهُ حُلُولَهُ في المَكانِ سَبَبًا لِخَيْرِ أهْلِ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن خِصْبِها واهْتِداءِ أهْلِها وتَوْفِيقِهِمْ إلى الخَيْرِ. ولِذَلِكَ كانَ إذا لَقِيَهُ الجَهَلَةُ والقُساةُ والمُفْسِدُونَ انْقَلَبُوا صالِحِينَ وانْفَتَحَتْ قُلُوبُهم لِلْإيمانِ والحِكْمَةِ. ولِذَلِكَ تَرى أكْثَرَ الحَوارِيِّينَ كانُوا مِن عامَّةِ الأُمِّيِّينَ مِن صَيّادِينَ وعَشّارِينَ فَصارُوا دُعاةَ هَدًى وفاضَتْ ألْسِنَتُهم بِالحِكْمَةِ.
وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ كَوْنَهُ مُبارَكًا أعَمُّ مِن كَوْنِهِ نَبِيئًا عُمُومًا وجْهِيًّا، فَلَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾) غُنْيَةٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ .
والتَّعْمِيمُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أيْنَ ما كُنْتُ﴾ تَعْمِيمٌ لِلْأمْكِنَةِ، أيْ لا تَقْتَصِرُ بَرَكَتُهُ عَلى كَوْنِهِ في الهَيْكَلِ بِالمَقْدِسِ أوْ في مَجْمَعِ أهْلِ بَلَدِهِ، بَلْ هو حَيْثُما حَلَّ تَحُلَّ مَعَهُ البَرَكَةُ.
والوِصايَةُ: الأمْرُ المُؤَكَّدُ بِعَمَلٍ مُسْتَقْبَلٍ، أيْ قَدَّرَ وصِيَّتَي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ، أيْ أنْ يَأْمُرَنِي بِهِما أمْرًا مُؤَكَّدًا مُسْتَمِرًّا، فاسْتِعْمالُ صِيغَةِ المُضِيِّ في أوْصانِي مِثْلَ اسْتِعْمالِها في قَوْلِهِ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ .
والزَّكاةُ: الصَّدَقَةُ. والمُرادُ: أنْ يُصَلِّيَ ويُزَكِّيَ. وهَذا أمْرٌ خاصٌّ بِهِ كَما أُمِرَ نَبِيئُنا ﷺ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وقَرِينَةُ
صفحة ١٠٠
الخُصُوصِ قَوْلُهُ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى اسْتِغْراقِ مُدَّةِ حَيّاتِهِ بِإيقاعِ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، أيْ أنْ يُصَلِّيَ ويَتَصَدَّقَ في أوْقاتِ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ، أيْ غَيْرِ أوْقاتِ الدَّعْوَةِ أوِ الضَّرُوراتِ.
فالِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ مُرادٌ بِهِ الكَثْرَةُ؛ ولَيْسَ المُرادُ الصَّلاةَ والصَّدَقَةَ المَفْرُوضَتَيْنِ عَلى أُمَّتِهِ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ في أوْصافٍ تَمَيَّزَ بِها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَرْعِ صَلاةٍ زائِدَةٍ عَلى ما شُرِعَ في التَّوْراةِ. والبَرُّ بِفَتْحِ الباءِ: اسْمٌ بِمَعْنى البارِّ. وتَقَدَّمَ آنِفًا. وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بَيْنَ قَوْمِهِ، لِأنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ كانَ ضَعِيفًا في بَنِي إسْرائِيلَ يَوْمَئِذٍ، وبِخاصَّةٍ الوالِدَةُ لِأنَّها تُسْتَضْعَفُ، لِأنَّ فَرْطَ حَنانِها ومَشَقَّتِها قَدْ يُجَرِّئانِ الوَلَدَ عَلى التَّساهُلِ في البِرِّ بِها.
والجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ الغَلِيظُ عَلى النّاسِ في مُعامَلَتِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهُ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] .
والشَّقِيُّ: الخاسِرُ والَّذِي تَكُونُ أحْوالُهُ كَدِرَةً لَهُ ومُؤْلِمَةً، وهو ضِدُّ السَّعِيدِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] في آخِرِ سُورَةِ هُودٍ.
ووُصِفَ الجَبّارُ بِالشَّقِيِّ بِاعْتِبارِ مَآلِهِ في الآخِرَةِ ورُبَّما في الدُّنْيا.
وقَوْلُهُ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ إلى آخِرِهِ تَنْوِيهٌ بِكَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، أجْراهُ عَلى لِسانِهِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِن رَبِّهِ، والقَوْلُ فِيهِ تَقَدَّمَ في آيَةِ ذِكْرِ يَحْيى.
وجِيءَ بِالسَّلامِ هُنا مُعَرَّفًا بِاللّامِ عَلى الجِنْسِ مُبالَغَةً في تَعَلُّقِ السَّلامِ بِهِ حَتّى كانَ جِنْسُ السَّلامِ بِأجْمَعِهِ عَلَيْهِ. وهَذا مُؤْذِنٌ
صفحة ١٠١
بِتَفْضِيلِهِ عَلى يَحْيى إذْ قِيلَ في شَأْنِهِ ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥]، وذَلِكَ هو الفَرْقُ بَيْنَ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ وبَيْنَ النَّكِرَةِ.
ويَجُوزُ جَعْلُ اللّامِ لِلْعَهْدِ، أيْ سَلامٌ إلَيْهِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَكْرِيمِ اللَّهِ عَبْدَهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ في المَلَأِ الأعْلى وبِالأمْرِ بِكَرامَتِهِ.
ومِن هَذا القَبِيلِ السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وما أمَرَنا بِهِ في التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ مِن قَوْلِ المُتَشَهِّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيءُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ.
ومُؤْذِنٌ أيْضًا بِتَمْهِيدِ التَّعْرِيضِ بِاليَهُودِ إذْ طَعَنُوا فِيهِ وشَتَمُوهُ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، فَقالُوا: وُلِدَ مِن زِنًى، وقالُوا: ماتَ مَصْلُوبًا، وقالُوا: يُحْشَرُ مَعَ المَلاحِدَةِ والكَفَرَةِ، لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ كَفَرَ بِأحْكامٍ مِنَ التَّوْراةِ.
Page 307
19:26
فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ٢٦
So eat and drink and be contented. And if you see from among humanity anyone, say, 'Indeed, I have vowed to the Most Merciful abstention, so I will not speak today to [any] man.'"
19:27
فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا ٢٧
Then she brought him to her people, carrying him. They said, "O Mary, you have certainly done a thing unprecedented.
19:28
يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا ٢٨
O sister [i.e., descendant] of Aaron, your father was not a man of evil, nor was your mother unchaste."
19:29
فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩
So she pointed to him. They said, "How can we speak to one who is in the cradle a child?"
19:30
قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠
[Jesus] said, "Indeed, I am the servant of Allāh. He has given me the Scripture and made me a prophet.
19:31
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١
And He has made me blessed wherever I am and has enjoined upon me prayer and zakāh as long as I remain alive
19:32
وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ٣٢
And [made me] dutiful to my mother, and He has not made me a wretched tyrant.
19:33
وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣
And peace is on me the day I was born and the day I will die and the day I am raised alive."
19:34
ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤
That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.
19:35
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥
It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.
1 translator’s note
- i.e., far removed is He from any such need. ↩
19:36
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦
[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."
19:37
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧
Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.
19:38
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨
How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.