Maryam 19:42
Mary · Juz 16 · Page 308
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢
[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Atiyya
Detailed
Change
Commentary on 19:41–46
قوله عزّ وجلّ:
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عنكَ شَيْئًا﴾ ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ إنَّ الشَيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عن آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ﴾ مَعْناهُ: واتْلُ وبَلِّغْ، لِأنَّ اللهَ تَعالى هو الذاكِرُ، و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ، وهَذا ما أشْبَهَهُ مِن لِسانِ الصِدْقِ الَّذِي أبْقاهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، و"الصِدِّيقُ"، فَعِيلٌ، بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ الصِدْقِ، وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "إنَّهُ كانَ صادِقًا"، والصِدْقُ عُرْفُهُ في (p-٣٦)اللِسانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الأفْعالِ والخَلْقِ إلّا أنَّهُ يُسْتَعارُ لِما لا يَعْقِلُ، فَيُقالُ: صَدَقَنِي الطَعامُ كَذا وكَذا قَفِيزًا، ويُقالُ: "عَوْدُ صِدْقٍ" لِلصُّلْبِ الجَيِّدِ.
فَكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ يُوصَفُ بِالصِدْقِ عَلى العُمُومِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وذَلِكَ يَغْتَرِقُ صِدْقَ اللِسانِ الَّذِي يُضادُّ الكَذِبَ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ وُصِفَ بِصِدِّيقٍ لِكَثْرَةِ ما صَدَّقَ في تَصْدِيقِهِ بِالحَقائِقِ، وصَدَقَ في مُبادَرَتِهِ إلى الإيمانِ وما يُقَرِّبُ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. ولِلصَّدِيقِ مَراتِبُ، ألا تَرى أنَّ المُؤْمِنِينَ صِدِّيقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩].
وقَوْلُهُ: ﴿يا أبَتِ﴾، اخْتَلَفَ النُحاةُ في التاءِ مَن "أبَتِ" -فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّها عِوَضٌ مِن ياءِ الإضافَةِ، والوُقُوفُ عِنْدَهُ عَلَيْها بِالهاءِ، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها بِالتاءِ لِأنَّ الياءَ الَّتِي لِلْإضافَةِ عِنْدَهُ مَنوِيَّةٌ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ التاءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وا أبَتِ" بِواوٍ لِلنِّداءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يا أبَتَ" بِفَتْحِ التاءِ، ووَجْهُها أنَّهُ أرادَ: "يا أبَتا" فَحَذَفَ الألِفَ وتَرَكَ الفَتْحَةَ دالَّةٌ عَلَيْها، ووَجْهٌ آخَرُ أنَّ تَكُونَ التاءُ المُقْحَمَةُ كالَّتِي في قَوْلِهِمْ "يا طَلْحَةُ أقْبِلْ"، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَدْ لَحَّنَ هارُونُ هَذِهِ القِراءَةَ. و"الَّذِي لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ" هو الصَنَمُ، ولَوْ سَمِعَ وأبْصَرَ كَما هي حالَةُ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ عُبِدَ لَمْ يَحْسُنْ عِبادَتُها، لَكِنْ بَيَّنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنَفْيِ السَمْعِ والبَصَرُ شُنْعَةَ الرَأْيِ في عِبادَتِها وفَسادَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المُقاوَلَةَ بَعْدَ أنْ نُبِّئَ، و"الصِراطُ السَوِيُّ" مَعْناهُ: الطَرِيقُ المُسْتَقِيمُ، وهو طَرِيقُ الإيمانِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ﴾ مُخاطَبَةُ بِرٍّ واسْتِعْطافٍ عَلى حالَةِ كُفْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أبُوهُ مِمَّنْ عَبَدَ الجِنَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ طاعَةَ الشَيْطانِ المَعْنَوِيِّ في عِبادَةِ الأوثانِ والكَفْرِ بِاللهِ عِبادَةً لَهُ. و"العَصِيُّ" فَعِيلٌ مِن عَصى يَعْصِي إذا خالَفَ الأمْرَ.
(p-٣٧)وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: "أخافُ" بِمَعْنى: أعْلَمُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ عِنْدِي أنَّهُ خَوْفٌ عَلى بابِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ أيِسًا مِن أبِيهِ، فَكانَ يَرْجُو ذَلِكَ، وكانَ يَخافُ ألّا يُؤْمِنَ ويَتَمادى عَلى كُفْرِهِ إلى المَوْتِ فَيَمَسُّهُ العَذابُ. و"الوَلِيُّ": الخالِصُ المُصاحِبُ القَرِيبُ بِنَسَبٍ أو مَوَدَّةٍ.
قالَ آزَرُ -وَهُوَ تارَخُ-: ﴿أراغِبٌ أنْتَ عن آلِهَتِي﴾، والرَغْبَةُ: مَيْلُ النَفْسِ، فَقَدْ تَكُونُ الرَغْبَةُ في الشَيْءِ، وقَدْ تَكُونُ عنهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أراغِبٌ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"أنْتَ" فاعِلٌ يَسُدُّ مَسَدَ الخَبَرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ وقَرَّبَهُ اعْتِمادُ "راغِبٌ" عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "راغِبٌ" خَبَرًا مُقَدَّمًا، و"أنْتَ" مُبْتَدَأٌ، والأوَّلُ أصْوَبُ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿عن آلِهَتِي﴾ يُرِيدُ الأصْنامَ، وكانَ - فِيما رُوِيَ - يَنْحِتُها ويُنْجِزُها بِيَدِهِ ويَبِيعُها ويَحُضُّ عَلَيْها، فَقَرَّرَ ابْنُهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى رَغْبَتِهِ عنها عَلى جِهَةِ الإنْكارِ عَلَيْهِ، ثُمْ أخَذَ يَتَوَعَّدُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿لأرْجُمَنَّكَ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: بِالقَوْلِ، أيْ: لَأشْتُمَنَّكَ واهْجُرْنِي أنْتَ إذا شِئْتَ مُدَّةً مِنَ الدَهْرِ، أو سالِمًا، حَسَبَ الخِلافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ: مَعْناهُ: لَأرْجُمَنَّكَ بِالحِجارَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأقْتُلَنَّكَ.
وهَذانِ القَوْلانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿واهْجُرْنِي﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - إنَّما يَتَرَتَّبُ بِأنَّهُ أمَرَ عَلى حَياتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ تَنْتَهِ قَتَلَتُكَ بِالرَجْمِ، ثُمْ قالَ لَهُ: واهْجُرْنِي، أيْ: مَعَ انْتِهائِكَ، كَأنَّهُ جَزَمَ لَهُ الأمْرَ بِالهِجْرَةِ، وإلّا فَمَعَ الرَجْمِ لا تَتَرَتَّبُ الهِجْرَةُ. و"مَلِيًّا" (p-٣٨)مَعْناهُ: دَهْرًا طَوِيلًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المَلَوَيْنِ، وهُما اللَيْلُ والنَهارُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، الحَسَنِ، ومُجاهِدِ، وغَيْرِهِما، فَهو ظَرْفٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَلِيًّا" مَعْناهُ: سَلِيمًا سَوِيًّا، فَهو حالٌ مِن [إبْراهِيمُ] عَلَيْهِ السَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَلْخِيصُ هَذا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: مُسْتَبِدًّا بِحالِكَ عَنِّي غَنِيًّا، مَلِيًّا بِالِاكْتِفاءِ.
Page 308
19:39
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩
And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.
1 translator’s note
- i.e., "judged" or "accomplished." ↩
19:40
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠
Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.
19:41
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١
And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
19:42
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢
[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?
19:43
يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣
O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.
19:44
يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤
O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.
19:45
يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥
O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."
19:46
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦
[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."
19:47
قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧
[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.
1 translator’s note
- Meaning "You are secure" or "I will not harm you." ↩
19:48
وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨
And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."
1 translator’s note
- i.e., worship. ↩
19:49
فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩
So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.
19:50
وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠
And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.
19:51
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١
And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1
1 translator’s note
- A messenger (rasūl) is one who was charged by Allāh to reform society. A prophet (nabī) is one who received revelation from Allāh, the latter being more numerous than the former. ↩