Maryam 19:70
Mary · Juz 16 · Page 310
ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠
Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 19:68–70
﴿فَوَرَبِّكَ لِنَحْشُرُنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينِ هم أوْلى بِها صُلِيًّا﴾ .
الفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ [مريم: ٦٧])، بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّهْدِيدِ. وواوُ القَسَمِ لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ. والقَسَمُ بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ وهو النَّبِيءُ ﷺ إدْماجٌ لِتَشْرِيفِ قَدْرِهِ. وضَمِيرُ لَنَحْشُرَنَّهم عائِدٌ إلى الإنْسانِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ كَما تَقَدَّمَ، أيْ لَنَحْشُرَنَّ المُشْرِكِينَ.
صفحة ١٤٧
وعَطْفُ الشَّياطِينَ عَلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ لِقَصْدِ تَحْقِيرِهِمْ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ مَعَ أحْقَرِ جِنْسٍ وأفْسَدِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ الشَّياطِينَ هم سَبَبُ ضَلالِهِمُ المُوجِبُ لَهم هَذِهِ الحالَةَ، فَحَشَرَهم مَعَ الشَّياطِينَ إنْذارًا لَهم بِأنَّ مَصِيرَهم هو مَصِيرُ الشَّياطِينَ وهو مُحَقَّقٌ عِنْدَ النّاسِ كُلِّهِمْ. فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ (﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا﴾)، والضَّمِيرُ لِلْجَمِيعِ. وهَذا إعْدادٌ آخَرُ لِلتَّقَرُّبِ مِنَ العَذابِ فَهو إنْذارٌ عَلى إنْذارٍ وتَدَرُّجٌ في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. فَحَرْفُ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لا لِلْمُهْلَةِ إذْ لَيْسَتِ المُهْلَةُ مَقْصُودَةٌ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهم يُنْقَلُونَ مِن حالَةِ عَذابٍ إلى أشَدَّ.
وجُثِيًّا حالٌ مِن ضَمِيرِ لَنُحْضِرَنَّهم، والجُثِيُّ: جَمْعُ جاثٍ. ووَزْنُهُ فُعُولٌ مِثْلُ: قاعِدٍ وقُعُودٍ وجالِسٍ وجُلُوسٍ، وهو وزْنٌ سَماعِيٌّ في جَمْعِ فاعِلٍ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ (﴿خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨])، فَأصْلُ جُثِيٍّ جُثُووٌ بِواوَيْنِ لِأنَّ فِعْلَهُ واوِيٌّ، يُقالُ: جَثا يَجْثُو إذا بَرَكَ عَلى رُكْبَتَيهِ وهي هَيْئَةُ الخاضِعِ الذَّلِيلِ، فَلَمّا اجْتَمَعَ في جُثُووٍ واوانِ اسْتُثْقِلا بَعْدَ ضَمَّةِ الثّاءَ فَصِيرَ إلى تَخْفِيفِهِ بِإزالَةِ سَبَبِ الثِّقَلِ السّابِقِ وهو الضَّمَّةُ فَعُوِّضَتْ بِكَسْرِ الثّاءِ، فَلَمّا كُسِرْتِ الثّاءُ تَعَيَنَ قَلْبُ الواوِ المُوالِيَةِ لَها ياءً لِلْمُناسَبَةِ فاجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسُبِقَ أحَدُهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَ الواوُ الأُخْرى ياءً وأُدْغِمَتا فَصارَ جُثِيٌّ. وهَذا الجُثُوُّ هو غَيْرُ جُثُوِّ النّاسِ في الحَشْرِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً. كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ [الجاثية: ٢٨]) إنَّ ذَلِكَ جُثُوُّ خُضُوعٍ لِلَّهِ، وهَذا الجُثُوُّ حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثُوُّ مَذَلَّةٍ.
والقَوْلُ في عَطْفِ جُمْلَةِ (﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾) كالقَوْلِ في جُمْلَةِ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم وهَذِهِ حالَةٌ أُخْرى مِنَ الرُّعْبِ أشَدُّ مِنَ
صفحة ١٤٨
اللَّتَيْنِ قَبْلَها وهي حالَةٌ تَمَيِّزُهم لِلْإلْقاءِ في دِرْكاتِ الجَحِيمِ عَلى حَسْبِ مَراتِبِ غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ.
والنَّزْعُ: إخْراجُ شَيْءٍ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ نَزْعُ الماءِ مِنَ البِئْرِ.
والشِّيعَةُ: الطّائِفَةُ الَّتِي شايَعَتْ أحَدًا، أيِ اتَّبَعَتْهُ، فَهي عَلى رَأْيٍ واحِدٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٠]) في سُورَةِ الحِجْرِ. والمُرادُ هُنا شِيَعُ أهْلِ الكُفْرِ، أيْ مِن كُلِّ شِيعَةٍ مِنهم، أيْ مِمَّنْ أحْضَرْناهم حَوْلَ جَهَنَّمَ.
والعُتِيُّ: العِصْيانُ والتَّجَبُّرُ، فَهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فُعُولٍ مِثْلُ: خُرُوجٍ وجُلُوسٍ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ العَيْنِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ التّاءِ كَما تَقَدَّمَ في جُثِيًّا.
والمَعْنى: لِنُمَيِّزَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ تَجْمَعُها مَحَلَّةٌ خاصَّةً مِن دِينِ الضَّلالِ مَن هو مِن تِلْكَ الشِّيعَةِ أشَدُّ عِصْيانًا لِلَّهِ وتَجَبُّرًا عَلَيْهِ، وهَذا تَهْدِيدٌ لِعُظَماءِ المُشْرِكِينَ مِثْلِ أبِي جَهْلٍ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ونُظَرائِهِمْ.
وأيُّ اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى ما ومِن. والغالِبُ أنْ يُحْذَفَ صَدْرُ صِلَتِها فَتُبْنى عَلى الضَّمِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أيُّهم هو أشَدُّ عُتِيًّا عَلى الرَّحْمَنِ. وذِكْرُ صِفَةِ الرَّحْمَنِ هُنا لِتَفْظِيعِ عُتُوِّهِمْ، لِأنَّ شَدِيدَ الرَّحْمَةِ بِـ الخَلْقِ حَقِيقٌ بِالشُّكْرِ لَهُ والإحْسانِ لا بِالكُفْرِ بِهِ والطُّغْيانِ.
ولَمّا كانَ هَذا النَّزْعُ والتَّمْيِيزُ مُجْمَلًا، فَقَدْ يَزْعُمُ كُلُّ فَرِيقٍ أنَّ غَيْرَهُ أشَدُّ عِصْيانًا، أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ مَن هو أوْلى مِنهم بِمِقْدارِ صُلِيِّ النّارِ فَإنَّها دَرَكاتٌ مُتَفاوِتَةٌ. والصُّلِيُّ: مَصْدَرُ صَلِيَ النّارَ كَرَضِيَ، وهو مَصْدَرٌ سَماعِيٌّ بِوَزْنِ فُعُولٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفُ بِكْسِرِ الصّادِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ اللّامِ، كَما تَقَدَّمَ في جُثِيًّا.
صفحة ١٤٩
وحَرْفا الجَرِّ يَتَعَلَّقانِ بِأفْعَلَيِ التَّفْضِيلِ.
Page 310
19:65
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥
Lord of the heavens and the earth and whatever is between them - so worship Him and have patience for His worship. Do you know of any similarity to Him?"
19:66
وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦
And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"
19:67
أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧
Does man not remember that We created him before, while he was nothing?
19:68
فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨
So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1
1 translator’s note
- i.e., fallen on their knees from terror or dragged there unwillingly on their knees. ↩
19:69
ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩
Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.
19:70
ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠
Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.
19:71
وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١
And there is none of you except he will come to it.1 This is upon your Lord an inevitability decreed.
1 translator’s note
- i.e., be exposed to it. However, the people of Paradise will not be harmed thereby. ↩
19:72
ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢
Then We will save those who feared Allāh and leave the wrongdoers within it, on their knees.
19:73
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say to those who believe, "Which of [our] two parties is best in position and best in association?"1
1 translator’s note
- In regard to worldly interests. ↩
19:74
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا ٧٤
And how many a generation have We destroyed before them who were better in possessions and [outward] appearance?
19:75
قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا ٧٥
Say, "Whoever is in error - let the Most Merciful extend for him an extension [in wealth and time] until, when they see that which they were promised - either punishment [in this world] or the Hour [of resurrection] - they will come to know who is worst in position and weaker in soldiers."
19:76
وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا ٧٦
And Allāh increases those who were guided, in guidance, and the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for recourse.
1 translator’s note
- i.e., in the sight or evaluation of Allāh. ↩