Al-Baqarah 2:30
The Cow · Juz 1 · Page 6
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠
And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority."1 They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we exalt You with praise and declare Your perfection?"2 He [Allāh] said, "Indeed, I know that which you do not know."
Tafsir · in Arabic
Abu as-Su'ud
Detailed
Change
Commentary on 2:30
﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ﴾: بَيانٌ لِأمْرٍ آخَرَ؛ مِن جِنْسِ الأُمُورِ المُتَقَدِّمَةِ؛ المُؤَكِّدَةِ لِلْإنْكارِ؛ والِاسْتِبْعادِ؛ فَإنَّ خَلْقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما خَصَّهُ بِهِ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ المَحْكِيَّةِ؛ مِن أجَلِّ النِّعَمِ الدّاعِيَةِ لِذُرِّيَّتِهِ إلى الشُّكْرِ والإيمانِ؛ النّاهِيَةِ عَنِ الكُفْرِ والعِصْيانِ؛ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾؛ وتَوْضِيحٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ والِانْتِفاعِ بِما فِيها. وتَلْوِينُ الخِطابِ؛ بِتَوْجِيهِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ فَحْوى الكَلامِ لَيْسَ مِمّا يُهْتَدى إلَيْهِ بِأدِلَّةِ العَقْلِ؛ كالأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ الَّتِي نُبِّهَ عَلَيْها الكَفَرَةُ بِطَرِيقِ الخِطابِ؛ بَلْ إنَّما طَرِيقُهُ الوَحْيُ الخاصُّ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مِنَ الإنْباءِ عَنْ تَشْرِيفِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ما لا يَخْفى؛ و"إذْ": ظَرْفٌ؛ مَوْضُوعٌ لِزَمانِ نِسْبَةٍ ماضِيَةٍ؛ وقَعَ فِيهِ نِسْبَةٌ أُخْرى مِثْلُها؛ كَما أنَّ "إذا" مَوْضُوعٌ لِزَمانِ نِسْبَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ يَقَعُ فِيهِ أُخْرى مِثْلُها؛ ولِذَلِكَ يَجِبُ إضافَتُهُما إلى الجُمَلِ؛ وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ؛ صُرِّحَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾؛ وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ؛ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ - مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ - لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها؛ لِما أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ؛ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْها؛ فَإذا اسْتُحْضِرَ كانَتْ حاضِرَةً بِتَفاصِيلِها؛ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ عِيانًا؛ وقِيلَ: لَيْسَ انْتِصابُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ بَلْ عَلى تَأْوِيلِ "اذْكُرِ الحادِثَ فِيهِ"؛ بِحَذْفِ المَظْرُوفِ؛ وإقامَةِ الظَّرْفِ مَقامَهُ؛ وأيًّا ما كانَ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ آخَرَ؛ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غُبَّ ما أُوحِيَ إلَيْهِ؛ ما خُوطِبَ بِهِ الكَفَرَةُ مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِتَفاصِيلِ الأُمُورِ السّابِقَةِ؛ الزّاجِرَةِ عَنِ الكُفْرِ بِهِ (تَعالى) -: ذَكِّرْهم بِذَلِكَ؛ واذْكُرْ لَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ؛ لِيَتَنَبَّهُوا بِذَلِكَ لِبُطْلانِ ما هم فِيهِ؛ ويَنْتَهُوا عَنْهُ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُقَدَّرَ هُوَ: "اشْكُرِ النِّعْمَةَ في خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ"؛ أوْ: "تَدَبَّرْ ذَلِكَ"؛ فَغَيْرُ سَدِيدٍ؛ ضَرُورَةَ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ تَذْكِيرُ المُخِلِّينَ بِمَواجِبِ الشُّكْرِ؛ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى ما يَقْتَضِيهِ؛ وأيْنَ ذاكَ مِن مَقامِهِ الجَلِيلِ - ﷺ؟ وقِيلَ: انْتِصابُهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قالُوا﴾؛ ويَأْباهُ أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هو المَقْصُودَ بِالذّاتِ؛ دُونَ سائِرِ القِصَّةِ؛ وقِيلَ: بِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ولا يَخْفى بُعْدُهُ؛ وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ؛ دَلَّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مِثْلَ: وبَدَأ خَلْقَكم إذْ قالَ؛ إلَخْ.. ولا رَيْبَ في أنَّهُ لا فائِدَةَ في تَقْيِيدِ بَدْءِ الخَلْقِ بِذَلِكَ الوَقْتِ؛ وقِيلَ: بِـ "خَلَقَكُمْ"؛ أوْ بِـ "أحْياكُمْ"؛ مُضْمَرًا؛ وفِيهِ ما فِيهِ؛ وقِيلَ: "إذْ" زائِدَةٌ؛ ويُعْزى ذَلِكَ إلى أبِي عُبَيْدٍ؛ ومَعْمَرٍ؛ وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى "قَدْ". و"اللّامُ" في قَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ لِلتَّبْلِيغِ؛ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ في هَذا البابِ مُطَّرِدٌ؛ لِما في المَقُولِ مِنَ الطُّولِ غالِبًا؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ (p-80)الِاهْتِمامِ بِما قُدِّمَ؛ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ؛ كَما مَرَّ مِرارًا؛ و"المَلائِكَةُ" جَمْعُ "مَلَكٌ"؛ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ الَّذِي هو "مَلْأكَ"؛ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَزِيدَةٌ؛ كَـ "الشَّمائِلُ"؛ في جَمْعِ "شَمْألٌ"؛ والتّاءُ لِتَأْكِيدِ تَأْنِيثِ الجَماعَةِ؛ واشْتِقاقُهُ مِن "مَلَكٌ" لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشِّدَّةِ والقُوَّةِ؛ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَقْلُوبٌ مِن "مَأْلَكٌ" مِن "الألُوكَةُ"؛ وهي الرِّسالَةُ؛ أيْ مَوْضِعُ الرِّسالَةِ؛ أوْ مُرْسَلٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ؛ فَإنَّهم وسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ (تَعالى) وبَيْنَ النّاسِ؛ فَهم رُسُلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أوْ بِمَنزِلَةِ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ واخْتَلَفَ العُقَلاءُ في حَقِيقَتِهِمْ؛ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّها ذَواتٌ مَوْجُودَةٌ؛ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها؛ فَذَهَبَ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ؛ قادِرَةٌ عَلى التَّشَكُّلِ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّ الرُّسُلَ كانُوا يَرَوْنَهم كَذَلِكَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وذَهَبَ الحُكَماءُ إلى أنَّها جَواهِرُ مُجَرَّدَةٌ؛ مُخالِفَةٌ لِلنُّفُوسِ النّاطِقَةِ في الحَقِيقَةِ؛ وأنَّها أكْمَلُ مِنها قُوَّةً؛ وأكْثَرُ عِلْمًا؛ تَجْرِي مِنها مُجْرى الشَّمْسِ مِنَ الأضْواءِ؛ مُنْقَسِمَةٌ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٍ شَأْنُهم الِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ؛ والتَّنَزُّهُ عَنْ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ؛ كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾؛ وهُمُ العِلِّيُّونَ؛ المُقَرَّبُونَ؛ وقِسْمٍ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ؛ حَسْبَما جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ القَضاءِ والقَدَرِ؛ وهُمُ المُدَبِّراتُ أمْرًا؛ فَمِنهم سَماوِيَّةٌ؛ ومِنهم أرْضِيَّةٌ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النَّصارى: هي النُّفُوسُ الفاضِلَةُ البَشَرِيَّةُ؛ المُفارِقَةُ لِلْأبْدانِ؛ ونُقِلَ في شَرْحِ كَثْرَتِهِمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: « "أطَّتِ السَّماءُ؛ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ؛ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ؛ أوْ راكِعٌ"؛» ورُوِيَ أنَّ بَنِي آدَمَ عُشْرُ الجِنِّ؛ وهُما عُشْرُ حَيَواناتِ البَرِّ؛ والكُلُّ عُشْرُ الطُّيُورِ؛ والكُلُّ عُشْرُ حَيَواناتِ البِحارِ؛ وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ مَلائِكَةِ الأرْضِ المُوَكَّلِينَ؛ وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا؛ وكُلُّ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ؛ وهَكَذا.. إلى السَّماءِ السّابِعَةِ؛ ثُمَّ كُلُّ أُولَئِكَ في مُقابَلَةِ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ نَزْرٌ قَلِيلٌ؛ ثُمَّ جَمِيعُ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ سُرادِقٍ واحِدٍ مِن سُرادِقاتِ العَرْشِ؛ الَّتِي عَدَدُها سِتُّمائَةُ ألْفٍ؛ طُولُ كُلِّ سُرادِقٍ؛ وعَرْضُهُ؛ وسُمْكُهُ؛ إذا قُوبِلَتْ بِهِ السَّمَواتُ والأرْضُ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما لا يَكُونُ لَها عِنْدَهُ قَدْرٌ مَحْسُوسٌ؛ وما مِنهُ مِن مِقْدارِ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ؛ أوْ راكِعٌ؛ أوْ قائِمٌ؛ لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ؛ والتَّقْدِيسِ؛ ثُمَّ كُلُّ هَؤُلاءِ في مُقابَلَةِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَحُومُونَ حَوْلَ العَرْشِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ؛ ثُمَّ مَلائِكَةُ اللَّوْحِ؛ الَّذِينَ هم أشْياعُ إسْرافِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم جُنُودُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يُحْصِي أجْناسَهُمْ؛ ولا مُدَّةَ أعْمارِهِمْ؛ ولا كَيْفِيّاتِ عِباداتِهِمْ؛ إلّا بارِئُهُمُ العَلِيمُ الخَبِيرُ؛ عَلى ما قالَ (تَعالى): ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾؛ ورُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِينَ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ؛ رَأى مَلائِكَةً في مَوْضِعٍ بِمَنزِلَةِ شَرَفٍ؛ يَمْشِي بَعْضُهم تُجاهَ بَعْضٍ؛ فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: "إلى أيْنَ يَذْهَبُونَ؟"؛ فَقالَ جِبْرِيلُ: "لا أدْرِي؛ إلّا أنِّي أراهم مُنْذُ خُلِقْتُ؛ ولا أرى واحِدًا مِنهم قَدْ رَأيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ"؛ ثُمَّ سَألا واحِدًا مِنهُمْ: "مُنْذُ كَمْ خُلِقْتَ؟"؛ فَقالَ: "لا أدْرِي؛ غَيْرَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَخْلُقُ في كُلِّ أرْبَعِمائَةِ ألْفِ سَنَةٍ كَوْكَبًا؛ وقَدْ خَلَقَ مُنْذُ خَلَقَنِي أرْبَعَمائَةِ ألْفِ كَوْكَبٍ".» فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ؛ ما أعْظَمَ قَدْرَهُ! وما أوْسَعَ مَلَكُوتَهُ! واخْتُلِفَ في المَلائِكَةِ الَّذِينَ قِيلَ لَهم ما قِيلَ؛ فَقِيلَ: هم مَلائِكَةُ الأرْضِ؛ ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُمُ المُخْتارُونَ مَعَ إبْلِيسَ؛ حِينَ بَعْثَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُحارَبَةِ الجِنِّ؛ حَيْثُ كانُوا سُكّانَ الأرْضِ؛ فَأفْسَدُوا فِيها؛ وسَفَكُوا الدِّماءَ؛ فَقَتَلُوهم إلّا قَلِيلًا؛ قَدْ أخْرَجُوهم مِنَ الأرْضِ؛ وألْحَقُوهم بِجَزائِرِ البِحارِ؛ وقُلَلِ الجِبالِ؛ وسَكَنُوا الأرْضَ؛ وخَفَّفَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُمُ العِبادَةَ؛ وأعْطى إبْلِيسَ مُلْكَ الأرْضِ؛ ومُلْكَ السَّماءِ الدُّنْيا؛ وخِزانَةَ الجَنَّةِ؛ فَكانَ يَعْبُدُ اللَّهَ (تَعالى) تارَةً في الأرْضِ؛ (p-81)وَتارَةً في السَّماءِ؛ وأُخْرى في الجَنَّةِ؛ فَأخَذَهُ العُجْبُ؛ فَكانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ. وقالَ أكْثَرُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ - في أنَّهم كُلُّ المَلائِكَةِ؛ لِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ وعَدَمِ المُخَصَّصِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾؛ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ مَقُولُ "قالَ"؛ وصِيغَةُ الفاعِلِ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ؛ ولِذَلِكَ عَمِلَتْ عَمَلَهُ؛ وفِيها ما لَيْسَ في صِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ ذَلِكَ لا مَحالَةَ؛ وهي مِن "الجَعْلُ"؛ بِمَعْنى "التَّصْيِيرُ"؛ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ؛ فَقِيلَ: أوَّلُهُما: "خَلِيفَةٌ"؛ وثانِيهِما: الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ عَلى ما هو مُقْتَضى الصِّناعَةِ؛ فَإنَّ مَفْعُولَيِ التَّصْيِيرِ في الحَقِيقَةِ اسْمُ "صارَ" وخَبَرُهُ؛ أوَّلُهُما الأوَّلُ؛ وثانِيهِما الثّانِي؛ وهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ؛ والأصْلُ: "فِي الأرْضِ خَلِيفَةٌ"؛ ثُمَّ قِيلَ: "صارَ في الأرْضِ خَلِيفَةٌ"؛ ثُمَّ: "مُصَيِّرٌ في الأرْضِ خَلِيفَةٌ"؛ فَمَعْناهُ - بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي -: "إنِّي جاعِلٌ خَلِيفَةً مِنَ الخَلائِفِ؛ أوْ خَلِيفَةً بِعَيْنِهِ؛ كائِنًا في الأرْضِ"؛ فَإنَّ خَبَرَ "صارَ" في الحَقِيقَةِ هو الكَوْنُ المُقَدَّرُ؛ العامِلُ في الظُّرُوفِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ أصْلًا؛ وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ هو الإخْبارُ بِجَعْلِ آدَمَ خَلِيفَةً فِيها؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ جَوابُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَإذَنْ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿خَلِيفَةً﴾؛ مَفْعُولٌ ثانٍ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جاعِلٌ"؛ قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ؛ لِما مَرَّ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ؛ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً؛ وأمّا المَفْعُولُ الأوَّلُ فَمَحْذُوفٌ؛ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾؛ حُذِفَ فِيهِ المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ وهو ضَمِيرُ الأمْوالِ؛ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ؛ وكَذا في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ حَيْثُ حُذِفَ فِيهِ المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ لِدَلالَةِ "يَبْخَلُونَ" عَلَيْهِ؛ أيْ: لا يَحْسَبَنَّ البُخَلاءُ بُخْلَهم هو خَيْرًا لَهُمْ؛ ولا رَيْبَ في تَحْقِيقِ القَرِينَةِ هَهُنا؛ أمّا إنْ حُمِلَ عَلى الحَذْفِ عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ فَهي واضِحَةٌ؛ لِوُقُوعِهِ في أثْناءِ ذِكْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ عَلى ما سَنُفَصِّلُهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ؛ وجاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً"؛ وأمّا إنْ حُمِلَ عَلى أنَّهُ لَمْ يُحْذَفْ هُناكَ؛ بَلْ قِيلَ - مَثَلًا -: "وَجاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ"؛ لَكِنَّهُ حُذِفَ عِنْدَ الحِكايَةِ؛ فالقَرِينَةُ ما ذُكِرَ مِن جَوابِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ قالَ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ - في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ -: "إنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: "بَشَرًا"؛ وما عَرَفُوا ما البَشَرُ؛ ولا عَهِدُوا بِهِ؟ قُلْتُ: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهُمْ: "إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَتِهِ كَيْتُ وكَيْتُ"؛ ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ". انْتَهى. فَحَيْثُ جازَ الِاكْتِفاءُ عِنْدَ الحِكايَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ بِمُجَرَّدِ الِاسْمِ؛ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَما ظَنُّكَ بِما نَحْنُ فِيهِ؛ ومَعَهُ قَرِينَةٌ ظاهِرَةٌ؟! ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن "الجَعْلُ" بِمَعْنى "الخَلْقُ"؛ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ هو "خَلِيفَةً"؛ وحالُ الظَّرْفِ في التَّعَلُّقِ والتَّقْدِيمِ؛ كَما مَرَّ؛ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ما سَيَأْتِي مِن كَلامِ المَلائِكَةِ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ بِالذّاتِ؛ بَلْ بِالواسِطَةِ؛ فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ (تَعالى) لَمّا قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾؛ قالُوا: رَبَّنا.. وما يَكُونُ ذَلِكَ الخَلِيفَةُ؟ قالَ (تَعالى): "يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ؛ ويَتَحاسَدُونَ؛ ويَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا"؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا ما قالُوا؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ. والخَلِيفَةُ: مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ؛ ويَنُوبُ مَنابَهُ؛ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "الفاعِلُ"؛ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ؛ والمُرادُ بِهِ: إمّا آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وبَنُوهُ؛ وإنَّما اقْتُصِرَ عَلَيْهِ اسْتِغْناءً بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِهِمْ؛ كَما يُسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ القَبِيلَةِ بِذِكْرِ أبِيها؛ كَـ "مُضَرٍ"؛ و"هاشِمٍ"؛ ومِنهُ الخِلافَةُ في قُرَيْشٍ؛ وإمّا مَن يَخْلُفُ؛ أوْ "خَلَفَ يَخْلُفُ"؛ فَيَعُمُّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وغَيْرَهُ مِن خُلَفاءِ ذُرِّيَّتِهِ؛ والمُرادُ بِالخِلافَةِ: إمّا الخِلافَةُ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - في إجْراءِ أحْكامِهِ؛ وتَنْفِيذِ أوامِرِهِ بَيْنَ النّاسِ؛ وسِياسَةِ الخَلْقِ؛ لَكِنْ لا لِحاجَةٍ بِهِ (تَعالى) إلى ذَلِكَ؛ بَلْ لِقُصُورِ اسْتِعْدادِ المُسْتَخْلَفِ عَلَيْهِمْ؛ وعَدَمِ لِياقَتِهِمْ لِقَبُولِ الفَيْضِ بِالذّاتِ؛ فَتَخْتَصُّ (p-82)بِالخَواصِّ مِن بَنِيهِ؛ وإمّا الخِلافَةُ مِمَّنْ كانَ في الأرْضِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَتَعُمُّ حِينَئِذٍ الجَمِيعَ.
Page 6
2:30
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠
And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority."1 They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we exalt You with praise and declare Your perfection?"2 He [Allāh] said, "Indeed, I know that which you do not know."
2:31
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١
And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."
2:32
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢
They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing,1 the Wise."2
2 translator’s notes
Whose eternal and absolute knowledge encompasses the truth and essence of all things, seen or unseen, present or absent, neither preceded by ignorance nor followed by forgetfulness.
[20] Whose wisdom includes precise and perfect knowledge of all realities and outcomes, according to which He decrees and causes various circumstances and occurrences.
↩- ↩
2:33
قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣
He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."
2:34
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He refused and was arrogant and became of the disbelievers.
1 translator’s note
- The proper name of Satan, who was not an angel but from the jinn, as stated in 18:50. Done in obedience to Allāh, this prostration was one of respect, not worship. ↩
2:35
وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥
And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."
2:36
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦
But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."
2:37
فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧
Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.