Al-Hajj 22:17
The Pilgrimage · Juz 17 · Page 334
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧
Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1
1 translator’s note
- See footnote of 4:79. ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 22:17
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٍ﴾
فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا اشْتَمَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ عَلى بَيانِ أحْوالِ المُتَرَدِّدِينَ في قَبُولِ الإسْلامِ كانَ ذَلِكَ مَثارًا لِأنْ يُتَساءَلَ عَنْ أحْوالِ الفِرَقِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في مُخْتَلَفِ الأدْيانِ. وأنْ يُسْألَ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ لِأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَدَّعِي أنَّها عَلى الحَقِّ وغَيْرَها عَلى الباطِلِ وتُجادِلُ في ذَلِكَ. فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ فِيما اخْتَصَمُوا فِيهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ. إذْ لَمْ تَقُدْهُمُ الحُجَجُ في الدُّنْيا.
وهَذا الكَلامُ بِما فِيهِ مِن إجْمالٍ هو جارٍ مَجْرى التَّفْوِيضِ. ومِثْلُهُ يَكُونُ كِنايَةً عَنْ تَصْوِيبِ المُتَكَلِّمِ طَرِيقَتَهُ وتَخْطِئَتِهِ طَرِيقَةَ خَصْمِهِ؛ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ التَّفْوِيضِ لِلَّهِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الواثِقِ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] وذَلِكَ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ التَّعْرِيضِيَّةِ. وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ واليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ تَقَدَّمَ في آيَةِ البَقَرَةِ وآيَةِ العُقُودِ.
صفحة ٢٢٣
وزادَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرَ المَجُوسِ والمُشْرِكِينَ، لِأنَّ الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ كانَتا في مَساقِ بَيانِ فَضْلِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ في كُلِّ زَمانٍ وفي كُلِّ أُمَّةٍ. وزِيدَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ المَجُوسِ والمُشْرِكِينَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ التَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ في الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ المِلَلِ، فالمَجُوسُ والمُشْرِكُونَ لَيْسُوا مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.
فَأمّا المَجُوسُ فَهم أهْلُ دِينٍ يُثْبِتُونَ إلَهَيْنِ: إلَهًا لِلْخَيْرِ، وإلَهًا لِلشَّرِّ، وهم أهْلُ فارِسَ. ثُمَّ هي تَتَشَعَّبُ شُعَبًا تَأْوِي إلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ. وأقْدَمُ النِّحَلِ المَجُوسِيَّةِ أسَّسَها ”كِيُومَرْث“ الَّذِي هو أوَّلُ مَلِكٍ بِفارِسَ في أزْمِنَةٍ قَدِيمَةٍ يُظَنُّ أنَّها قَبْلَ زَمَنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِذَلِكَ يُلَقَّبُ أيْضًا بِلَقَبِ ”جَل شاهْ“ تَفْسِيرُهُ: مَلِكُ الأرْضِ. غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَضْبُوطًا بِوَجْهٍ عِلْمِيٍّ وكانَ عَصْرُ ”كِيُومَرْث“ يُلَقَّبُ ”زُرْوان“ أيِ الأزَلَ، فَكانَ أصْلُ المَجُوسِيَّةِ هم أهْلُ الدِّيانَةِ المُسَمّاةِ: الزُّرْوانِيَّةُ، وهي تُثْبِتُ إلَهَيْنِ هُما ”يَزْدان“ و”أهْرُمُن“ . قالُوا: كانَ يَزْدانُ مُنْفَرِدًا بِالوُجُودِ الأزَلِيِّ، وأنَّهُ كانَ نُورانِيًّا، وأنَّهُ بَقِيَ كَذَلِكَ تِسْعَةَ آلافٍ وتِسْعِينَ سَنَةً ثُمَّ حَدَثَ لَهُ خاطِرٌ في نَفْسِهِ: أنَّهُ لَوْ حَدَثَ لَهُ مُنازِعٌ كَيْفَ يَكُونُ الأمْرُ فَنَشَأ مِن هَذا الخاطِرِ مَوْجُودٌ جَدِيدٌ ظُلْمانِيٌّ سُمِّيَ ”أهْرُمُن“ وهو إلَهُ الظُّلْمَةِ مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ والضُّرِّ. وإلى هَذا أشارَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ بِقَوْلِهِ في لُزُومِيّاتِهِ:
قالَ أُناسٌ باطِلٌ زَعْمُهم فَراقِبُوا اللَّهَ ولا تَزْعُمُنْ
فَكَّرَ يَزْدانُ عَلى غِرَّةٍ ∗∗∗ فَصِيغَ مِن تَفْكِيرِهِ أهْرُمُنْ
فَحَدَثَ بَيْنَ ”أهْرُمُن“ وبَيْنَ ”يَزْدان“ خِلافٌ ومُحارَبَةٌ إلى الأبَدِ. ثُمَّ نَشَأتْ عَلى هَذا الدِّينِ نِحَلٌ خُصَّتْ بِألْقابٍ وهي مُتَقارِبَةُ التَّعالِيمِ
صفحة ٢٢٤
أشْهَرُها نِحْلَةُ ”زَرادَشْت“ الَّذِي ظَهَرَ في القَرْنِ السّادِسِ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ، وبِهِ اشْتُهِرَتِ المَجُوسِيَّةُ. وقَدْ سَمّى إلَهَ الخَيْرِ ”أهُورا مُزْدا“ أوْ ”أرْمُزْد“ أوْ ”هُرْمُزَ“، وسَمّى إلَهَ الشَّرِّ ”أهْرُمُن“، وجَعَلَ إلَهَ الخَيْرِ نُورًا، وإلَهَ الشَّرِّ ظُلْمَةً. ثُمَّ دَعا النّاسَ إلى عِبادَةِ النّارِ عَلى أنَّها مَظْهَرُ إلَهِ الخَيْرِ وهو النُّورُ، ووَسَّعَ شَرِيعَةَ المَجُوسِيَّةِ، ووَضَعَ لَها كِتابًا سَمّاهُ ”زَنْدافِسْتا“ . ومِن أُصُولِ شَرِيعَتِهِ تَجَنُّبُ عِبادَةِ التَّماثِيلِ. ثُمَّ ظَهَرَتْ في المَجُوسِ نِحْلَةُ ”المانَوِيَّةِ“ . وهي المَنسُوبَةُ إلى ”مانِي“ الَّذِي ظَهَرَ في زَمَنِ ”سابُور بْنِ أرْدِشِير“ مَلِكِ الفُرْسِ بَيْنَ سَنَةِ ٢٣٨ وسَنَةِ ٢٧١ م. وظَهَرَتْ في المَجُوسِ نِحْلَةُ ”المَزْدَكِيَّةِ“، وهي مَنسُوبَةٌ إلى ”مَزْدَك“ الَّذِي ظَهَرَ في زَمَنِ ”قُباذ“ بَيْنَ سَنَةِ ٤٨٧ وسَنَةِ ٥٢٣ م. وهي نِحْلَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ ”المانَوِيَّةِ“، وهي آخِرُ نِحْلَةٍ ظَهَرَتْ في تَطَوُّرِ المَجُوسِيَّةِ قَبْلَ الفَتْحِ الإسْلامِيِّ لِبِلادِ الفُرْسِ. ولِلْمَجُوسِيَّةِ شِبْهٌ في الأصْلِ بِالإشْراكِ إلّا أنَّها تُخالِفُهُ بِمَنعِ عِبادَةِ الأحْجارِ، وبَأنَّ لَها كِتابًا، فَأشْبَهُوا بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ. ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ فِيهِمْ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» أيْ في الِاكْتِفاءِ بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ الإكْراهِ عَلى الإسْلامِ كَما يُكْرَهُ المُشْرِكُونَ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] في سُورَةِ النَّحْلِ. وأُعِيدَتْ (إنَّ) في صَدْرَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنِ اسْمِ (إنَّ) الأُولى تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِلْخَبَرِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ اسْمِ (إنَّ) وخَبَرِها. وكَوْنِ
صفحة ٢٢٥
خَبَرِها جُمْلَةً وهو تَوْكِيدٌ حَسَنٌ بِسَبَبِ طُولِ الفَصْلِ. وتَقَدَّمَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] في سُورَةِ الكَهْفِ. وإذا لَمْ يَطُلِ الفَصْلُ فالتَّوْكِيدُ بِإعادَةِ (إنَّ) أقَلُّ حُسْنًا كَقَوْلِ جَرِيرٍ:
إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مَلَكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ
ولا يَحْسُنُ إذا كانَ مُبْتَدَأُ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا ضَمِيرَ اسْمِ (إنَّ) الأُولى كَما تَقُولُ إنَّ زَيْدًا إنَّهُ قائِمٌ. بَلْ لابُدَّ مِنَ الِاخْتِلافِ لِيَكُونَ المُؤَكَّدُ الثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ فَتُقْبَلُ إعادَةُ المُؤَكَّدِ وإنْ كانَ المُؤَكَّدُ الأوَّلُ كافِيًا.
والفَصْلُ: الحُكْمُ، أيْ يَحْكُمُ بَيْنَهم فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن تَصْحِيحِ الدِّيانَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلْإعْلامِ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ والصَّحِيحُ مِن أقْوالِهِمْ.
Page 334
22:16
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ ١٦
And thus have We sent it [i.e., the Qur’ān] down as verses of clear evidence and because Allāh guides whom He intends.
22:17
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧
Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1
1 translator’s note
- See footnote of 4:79. ↩
22:18
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨
Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.1 And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.
1 translator’s note
- And therefore decreed. ↩
22:19
۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩
These1 are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water
1 translator’s note
- i.e., the believers and the disbelievers. ↩
22:20
يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠
By which is melted that within their bellies and [their] skins.
22:21
وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١
And for [striking] them are maces of iron.
22:22
كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢
Every time they want to get out of it [i.e., Hellfire] from anguish, they will be returned to it, and [it will be said], "Taste the punishment of the Burning Fire!"
22:23
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣
Indeed, Allāh will admit those who believe and do righteous deeds to gardens beneath which rivers flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and pearl, and their garments therein will be silk.