Al-Hajj 22:67
The Pilgrimage · Juz 17 · Page 340
لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ ٦٧
For every [religious] community We have appointed rites which they perform. So, [O Muḥammad], let them [i.e., the disbelievers] not contend with you over the matter but invite [them] to your Lord. Indeed, you are upon straight guidance.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 22:67
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾
هَذا مُتَّصِلٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ﴾ [الحج: ٣٤] الآيَةَ. وقَدْ فَصَلَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ ما اقْتَضى الحالُ اسْتِطْرادَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٧] إلى هُنا، فَعادَ الكَلامُ إلى الغَرَضِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٤] الآيَةَ، لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ . فَهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى بِما سَبَقَ مِنَ الشَّرائِعِ لِقَصْدِ إبْطالِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، بِأنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ لِأهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ سَبَقَتْ إلّا مَنسَكًا واحِدًا يَتَقَرَّبُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ لِأنَّ المُتَقَرَّبَ إلَيْهِ واحِدٌ. وقَدْ جَعَلَ المُشْرِكُونَ مَناسِكَ كَثِيرَةً فَلِكُلِّ صَنَمٍ بَيْتٌ يُذْبَحُ فِيهِ مِثْلُ الغَبْغَبِ لِلْعُزّى، قالَ النّابِغَةُ:
وما هُرِيقَ عَلى الأنْصابِ مِن جَسَدٍ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أيْ دَمٍ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ [الحج: ٣٤] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ كَما عُطِفَتْ نَظِيرَتُها المُتَقَدِّمَةُ.
صفحة ٣٢٨
والمَنسَكُ بِفَتْحِ المِيمِ وفَتْحِ السِّينِ: اسْمُ مَكانِ النُّسُكِ - بِضَمِّهِما - كَما تَقَدَّمَ. وأصْلُ النُّسُكِ العِبادَةُ ويُطْلَقُ عَلى القُرْبانِ، فالمُرادُ بِالمَنسَكِ هُنا مَواضِعُ الحَجِّ بِخِلافِ المُرادِ بِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ فَهو مَوْضِعُ القُرْبانِ. والضَّمِيرُ في (ناسِكُوهُ) مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ ناسِكُونَ فِيهِ.
وفِي المُوَطَّأِ: أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَقِفُ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ بِالمُزْدَلِفَةِ بِقُزَحَ، وكانَتِ العَرَبُ وغَيْرُهم يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ فَكانُوا يَتَجادَلُونَ يَقُولُ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أصْوَبُ، ويَقُولُ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أصْوَبُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ الآيَةَ، فَهَذا الجِدالُ فِيما نَرى واللَّهُ أعْلَمُ وقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِن أهْلِ العِلْمِ اهـ.
قالَ الباجِيُّ في المُنْتَقى: وهو قَوْلُ رَبِيعَةَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ أصْحابَ هَذا التَّفْسِيرِ يَرَوْنَ الآيَةَ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ فَرْضِ الحَجِّ في الإسْلامِ وقَبْلَ أنْ يُمْنَعَ المُشْرِكُونَ مِنهُ، أيْ نَزَلَتْ في سَنَةِ تِسْعٍ. والأظْهَرُ خِلافُهُ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهم لَمْ تَبْقَ لَهم حُجَّةٌ يُنازِعُونَ بِها النَّبِيءَ ﷺ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ بَعْدَ شَهادَةِ المِلَلِ السّابِقَةِ كُلِّها، فالنَّهْيُ ظاهِرُهُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ ما أُعْطِيَهُ مِنَ الحُجَجِ كافٍ في قَطْعِ مُنازَعَةِ مُعارِضِيهِ، فالمُعارِضُونَ هُمُ المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ سَبَبُ نَهْيِهِمْ هو ما عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الحُجَجِ وُجِّهَ إلَيْهِ النَّهْيُ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ إيّاهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَتْرُكْ لَهم ما يُنازِعُونَكَ بِهِ، وهو مِن بابِ قَوْلِ العَرَبِ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، أيْ لا تَفْعَلْ فَأعْرِفْكَ، فَجَعَلَ المُتَكَلِّمُ النَّهْيَ مُوَجَّهًا إلى نَفْسِهِ. والمُرادُ نَهْيُ السّامِعِ عَنْ أسْبابِهِ، وهو نَهْيٌ لِلْغَيْرِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ.
صفحة ٣٢٩
وقالَ الزَّجّاجُ: هو نَهْيٌ لِلرَّسُولِ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ لِأنَّ صِيغَةَ المُفاعَلَةِ تَقْتَضِي حُصُولَ الفِعْلِ مِن جانِبَيْ فاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ. فَيَصِحُّ نَهْيُ كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ عَنْهُ. وإنَّما أُسْنِدَ الفِعْلُ هُنا لِضَمِيرِ المُشْرِكِينَ مُبالَغَةً في نَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ مُنازَعَتِهِ إيّاهم كَإثْباتِ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ. وحاصِلُ مَعْنى هَذا الوَجْهِ أنَّهُ أمْرٌ لِلرَّسُولِ بِالإعْراضِ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ بَعْدَ ما سِيقَ لَهم مِنَ الحُجَجِ. واسْمُ (الأمْرِ) هُنا مُجْمَلٌ مُرادٌ بِهِ التَّوْحِيدُ بِالقَرِينَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُنازِعُونَ في كَوْنِهِمْ عَلى ضَلالٍ بِأنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَّرَ الحَجَّ الَّذِي هو مِن مَناسِكِهِمْ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى ادِّعاءِ أنَّهم عَلى الحَقِّ ومِلَّةِ إبْراهِيمَ. فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ كَشْفًا لَشُبْهَتِهِمْ بِأنَّ الحَجَّ مَنسَكٌ حَقٌّ، وهو رَمْزُ التَّوْحِيدِ، وأنَّ ما عَداهُ باطِلٌ طارِئٌ عَلَيْهِ فَلا يُنازِعُنَّ في أمْرِ الحَجِّ بَعْدَ هَذا، وهَذا المَحْمَلُ هو المُناسِبُ لِتَناسُقِ الضَّمائِرِ العائِدَةِ عَلى المُشْرِكِينَ مِمّا تَقَدَّمَ إلى قَوْلِهِ ﴿وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢]، ولِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَ بَعْضُها بِمَكَّةَ في آخِرِ مُقامِ النَّبِيءِ ﷺ بِها وبِالمَدِينَةِ في أوَّلِ مُقامِهِ بِها فَلا مُنازَعَةَ بَيْنَ النَّبِيءِ وبَيْنَ أهْلِ الكِتابِ يَوْمَئِذٍ، فَيَبْعُدُ تَفْسِيرُ المُنازَعَةِ بِمُنازَعَةِ أهْلِ الكِتابِ.
وقَوْلُهُ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ . عَطْفٌ عَلى انْتِهاءِ المُنازَعَةِ في الدِّينِ أمْرٌ بِالدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ وعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ لِأنَّ المُكابَرَةَ تُجافِي الِاقْتِناعَ، ولِأنَّ في الدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ فَوائِدَ لِلنّاسِ أجْمَعِينَ. وفي حَذْفِ مَفْعُولِ ادْعُ إيذانٌ بِالتَّعْمِيمِ.
صفحة ٣٣٠
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ وأنَّها قائِمَةٌ مَقامَ فاءِ التَّعْلِيلِ لا لِرَدِّ الشَّكِّ. و(عَلى) مُسْتَعارَةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الهُدى.
ووَصْفُ الهُدى بِالمُسْتَقِيمِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، شُبِّهَ الهُدى بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى المَطْلُوبِ ورُمِزَ إلَيْهِ بِالمُسْتَقِيمِ لِأنَّ المُسْتَقِيمَ أسْرَعُ إيصالًا، فَدِينُ الإسْلامِ أيْسَرُ الشَّرائِعِ في الإيصالِ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ الَّذِي هو غايَةُ الأدْيانِ. وفي هَذا الخَبَرِ تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَجْدِيدٌ لِنَشاطِهِ في الِاضْطِلاعِ بِأعْباءِ الدَّعْوَةِ.
Page 340
22:65
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٦٥
Do you not see that Allāh has subjected to you whatever is on the earth and the ships which run through the sea by His command? And He restrains the sky from falling upon the earth, unless by His permission. Indeed Allāh, to the people, is Kind and Merciful.
22:66
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ ٦٦
And He is the one who gave you life; then He causes you to die and then will [again] give you life. Indeed, mankind is ungrateful.
22:67
لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ ٦٧
For every [religious] community We have appointed rites which they perform. So, [O Muḥammad], let them [i.e., the disbelievers] not contend with you over the matter but invite [them] to your Lord. Indeed, you are upon straight guidance.
22:68
وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٦٨
And if they dispute with you, then say, "Allāh is most knowing of what you do.
22:69
ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٦٩
Allāh will judge between you on the Day of Resurrection concerning that over which you used to differ."
22:70
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧٠
Do you not know that Allāh knows what is in the heaven and earth? Indeed, that is in a Record.1 Indeed that, for Allāh, is easy.
1 translator’s note
- The Preserved Slate (al-Lawḥ al-Maḥfūẓ), which is with Allāh. ↩
22:71
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٖ ٧١
And they worship besides Allāh that for which He has not sent down authority and that of which they have no knowledge. And there will not be for the wrongdoers any helper.
22:72
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ قُلۡ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٢
And when Our verses are recited to them as clear evidences, you recognize in the faces of those who disbelieve disapproval. They are almost on the verge of assaulting those who recite to them Our verses. Say, "Then shall I inform you of [what is] worse than that?1 [It is] the Fire which Allāh has promised those who disbelieve, and wretched is the destination."
1 translator’s note
- i.e., worse than the rage you feel against those who recite Allāh's verses or worse than your threats against them. ↩