An-Nur 24:19
The Light · Juz 18 · Page 351
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩
Indeed, those who like that immorality1 should be spread [or publicized] among those who have believed will have a painful punishment in this world and the Hereafter. And Allāh knows2 and you do not know.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 24:19
﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
صفحة ١٨٤
لَمّا حَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَوْدِ إلى مِثْلِ ما خاضُوا بِهِ مِنَ الإفْكِ عَلى جَمِيعِ أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ أعْقَبَ تَحْذِيرَهم بِالوَعِيدِ عَلى ما عَسى أنْ يَصْدُرَ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ بِالوَعِيدِ عَلى مَحَبَّةِ شُيُوعِ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ؛ فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، واسْمُ المَوْصُولِ يَعُمُّ كُلَّ مَن يَتَّصِفُ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ فَيَعُمُّ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، فَهو تَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وإخْبارٌ عَنِ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ.
وجَعَلَ الوَعِيدَ عَلى المَحَبَّةِ لِشُيُوعِ الفاحِشَةِ في المُؤْمِنِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَحَبَّةَ ذَلِكَ تَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ؛ لِأنَّ مَحَبَّةَ ذَلِكَ دالَّةٌ عَلى خُبْثِ النِّيَّةِ نَحْوَ المُؤْمِنِينَ. ومِن شَأْنِ تِلْكَ الطَّوِيَّةِ أنْ لا يَلْبَثَ صاحِبُها إلّا يَسِيرًا حَتّى يَصْدُرَ عَنْهُ ما هو مُحَبَّبٌ لَهُ أوْ يُسَرَّ بِصُدُورِ ذَلِكَ مِن غَيْرِهِ، فالمَحَبَّةُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ التَّهَيُّؤِ لِإبْرازِ ما يُحِبُّ وُقُوعَهُ. وجِيءَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ. وأصْلُ الكِنايَةِ أنْ تَجْمَعَ بَيْنَ المَعْنى الصَّرِيحِ ولازَمِهِ، فَلا جَرَمَ أنْ يَنْشَأ عَنْ تِلْكَ المَحَبَّةِ عَذابُ الدُّنْيا وهو حَدُّ القَذْفِ وعَذابُ الآخِرَةِ وهو أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ مِمّا تَسْتَحِقُّهُ النَّوايا الخَبِيثَةُ. وتِلْكَ المَحَبَّةُ شَيْءٌ غَيْرُ الهَمِّ بِالسَّيِّئَةِ وغَيْرُ حَدِيثِ النَّفْسِ؛ لِأنَّهُما خاطِرانِ يُمْكِنُ أنْ يَنْكُفَ عَنْهُما صاحِبُهُما، وأمّا المَحَبَّةُ المُسْتَمِرَّةُ فَهي رَغْبَةٌ في حُصُولِ المَحْبُوبِ. وهَذا نَظِيرُ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ وُقُوعِ طَعامِ المِسْكِينِ. فالوَعِيدُ هُنا عَلى مَحَبَّةِ وُقُوعِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ كَما هو مُقْتَضى قَوْلِهِ: (أنْ تَشِيعَ)؛ لِأنَّ (أنْ) تُخْلِصُ المُضارِعَ لِلْمُسْتَقْبَلِ. وأمّا المَحَبَّةُ الماضِيَةُ فَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤] .
ومَعْنى (أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ) أنْ يَشِيعَ خَبَرُها؛ لِأنَّ الشُّيُوعَ مِن صِفاتِ الأخْبارِ والأحادِيثِ كالفُشُوِّ وهو: اشْتِهارُ التَّحَدُّثِ بِها. فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ: أنْ يَشِيعَ خَبَرُها إذِ الفاحِشَةُ هي الفَعْلَةُ البالِغَةُ حَدًّا عَظِيمًا في الشَّناعَةِ.
وشاعَ إطْلاقُ الفاحِشَةِ عَلى الزِّنى ونَحْوِهِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] في سُورَةِ النِّساءِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الفاحِشَةِ بِمَعْنى الأمْرِ
صفحة ١٨٥
المُنْكَرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ [الأعراف: ٢٨] في سُورَةِ الأعْرافِ. وتَقَدَّمَ الفَحْشاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومِن أدَبِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِ أنْ لا يُحِبَّ لِإخْوانِهِ المُؤْمِنِينَ إلّا ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، فَكَما أنَّهُ لا يُحِبُّ أنْ يَشِيعَ عَنْ نَفْسِهِ خَبَرُ سُوءٍ كَذَلِكَ عَلَيْهِ أنْ لا يُحِبَّ إشاعَةَ السُّوءِ عَنْ إخْوانِهِ المُؤْمِنِينَ. ولِشُيُوعِ أخْبارِ الفَواحِشِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِالصِّدْقِ أوِ الكَذِبِ مَفْسَدَةٌ أخْلاقِيَّةٌ فَإنَّ مِمّا يَزَعُ النّاسَ عَنِ المَفاسِدِ تَهَيُّبُهم وُقُوعَها وتَجَهُّمُهم وكَراهَتُهم سُوءَ سُمْعَتِها وذَلِكَ مِمّا يَصْرِفُ تَفْكِيرَهم عَنْ تَذَكُّرِها بَلْهَ الإقْدامُ عَلَيْها رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتّى تُنْسى وتَنْمَحِيَ صُوَرُها مِنَ النُّفُوسِ، فَإذا انْتَشَرَ بَيْنَ الأُمَّةِ الحَدِيثُ بِوُقُوعِ شَيْءٍ مِنَ الفَواحِشِ تَذَكَّرَتْها الخَواطِرُ وخَفَّ وقْعُ خَبَرِها عَلى الأسْماعِ فَدَبَّ بِذَلِكَ إلى النُّفُوسِ التَّهاوُنُ بِوُقُوعِها وخِفَّةُ وقْعِها عَلى الأسْماعِ فَلا تَلْبَثُ النُّفُوسُ الخَبِيثَةُ أنْ تُقْدِمَ عَلى اقْتِرافِها، وبِمِقْدارِ تَكَرُّرِ وُقُوعِها وتَكَرُّرِ الحَدِيثِ عَنْها تَصِيرُ مُتَداوَلَةً. هَذا إلى ما في إشاعَةِ الفاحِشَةِ مِن لِحاقِ الأذى والضُّرِّ بِالنّاسِ ضُرًّا مُتَفاوِتَ المِقْدارِ عَلى تَفاوُتِ الأخْبارِ في الصِّدْقِ والكَذِبِ.
ولِهَذا دَلَّ هَذا الأدَبُ الجَلِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُ ما في ذَلِكَ مِنَ المَفاسِدِ فَيَعِظُكم لِتَجْتَنِبُوا وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فَتَحْسَبُونَ التَّحَدُّثَ بِذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضُرٌّ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] .
Page 351
24:11
إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١
Indeed, those who came with falsehood1 are a group among you. Do not think it bad for you; rather, it is good for you. For every person among them is what [punishment] he has earned from the sin, and he who took upon himself the greater portion thereof2 - for him is a great punishment [i.e., Hellfire].
24:12
لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢
Why, when you heard it, did not the believing men and believing women think good of themselves [i.e., one another] and say, "This is an obvious falsehood"?
24:13
لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣
Why did they [who slandered] not produce for it four witnesses? And when they do not produce the witnesses, then it is they, in the sight of Allāh, who are the liars.
24:14
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy in this world and the Hereafter, you would have been touched for that [lie] in which you were involved by a great punishment
24:15
إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥
When you received it with your tongues1 and said with your mouths that of which you had no knowledge and thought it was insignificant while it was, in the sight of Allāh, tremendous.
1 translator’s note
- Rather than your ears, i.e., not thinking about what you had heard but hastening to repeat it carelessly. ↩
24:16
وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦
And why, when you heard it, did you not say, "It is not for us to speak of this. Exalted are You, [O Allāh]; this is a great slander"?
24:17
يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧
Allāh warns you against returning to the likes of this [conduct], ever, if you should be believers.
24:18
وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨
And Allāh makes clear to you the verses [i.e., His rulings], and Allāh is Knowing and Wise.
24:19
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩
Indeed, those who like that immorality1 should be spread [or publicized] among those who have believed will have a painful punishment in this world and the Hereafter. And Allāh knows2 and you do not know.
24:20
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠
And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.
1 translator’s note
- See footnote to verse 10. ↩