Al-Furqan 25:20
The Criterion · Juz 18 · Page 361
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠
And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 25:20
صفحة ٥٨
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: فِيهِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّ هَذا في رُؤَساءِ المُشْرِكِينَ وفُقَراءِ الصَّحابَةِ، فَإذا رَأى الشَّرِيفُ الوَضِيعَ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ أنِفَ أنْ يُسْلِمَ، فَأقامَ عَلى كُفْرِهِ لِئَلّا يَكُونَ لِلْوَضِيعِ السّابِقَةُ والفَضْلُ عَلَيْهِ؛ ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [ الأحْقافِ: ١١] وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ والفَرّاءِ والزَّجّاجِ.
وثانِيها: أنَّ هَذا عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، رَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ويْلٌ لِلْعالِمِ مِنَ الجاهِلِ، ووَيْلٌ لِلسُّلْطانِ مِنَ الرَّعِيَّةِ، ووَيْلٌ لِلرَّعِيَّةِ مِنَ السُّلْطانِ، ووَيْلٌ لِلْمالِكِ مِنَ المَمْلُوكِ، ووَيْلٌ لِلشَّدِيدِ مِنَ الضَّعِيفِ، ولِلضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ، بَعْضُهم لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ» وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
وثالِثُها: أنَّ هَذا في أصْحابِ البَلاءِ والعافِيَةِ، هَذا يَقُولُ: لِمَ لَمْ أُجْعَلْ مِثْلَهُ في الخَلْقِ والخُلُقِ، وفي العَقْلِ وفي العِلْمِ، وفي الرِّزْقِ وفي الأجَلِ ؟ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.
ورابِعُها: هَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في تَخْصِيصِ مُحَمَّدٍ بِالرِّسالَةِ مَعَ مُساواتِهِ إيّاهم في البَشَرِيَّةِ وصِفاتِها، فابْتَلى المُرْسَلِينَ بِالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ وأنْواعِ أذاهم، عَلى ما قالَ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] والمُرْسَلُ إلَيْهِمْ يَتَأذَّوْنَ أيْضًا مِنَ المُرْسَلِ بِسَبَبِ الحَسَدِ وصَيْرُورَتِهِ مُكَلَّفًا بِالخِدْمَةِ وبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ بَعْدَ أنْ كانَ رَئِيسًا مَخْدُومًا، والأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ بَيْنَ الجَمِيعِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أصْحابُنا: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى القَضاءِ والقَدَرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا الجَعْلُ هو بِمَعْنى التَّعْرِيفِ كَما يُقالُ فِيمَن سَرَقَ: إنَّ فُلانًا لِصٌّ، جَعَلَهُ لِصًّا، وهَذا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى أضافَ الجَعْلَ إلى وصْفِ كَوْنِهِ فِتْنَةً، لا إلى الحُكْمِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، بَلِ العَقْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ غَيْرُ ما ذَكَرَهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ فاعِلَ السَّبَبِ فاعِلٌ لِلْمُسَبَّبِ، فَمَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مِزاجِ الصَّفْراءِ والحَرارَةِ وخُلُقِ الغَضَبِ فِيهِ ثُمَّ خَلَقَ فِيهِ الإدْراكَ الَّذِي يُطْلِعُهُ عَلى الشَّيْءِ المُغْضِبِ، فَمَن فَعَلَ هَذا المَجْمُوعَ كانَ هو الفاعِلَ لِلْغَضَبِ لا مَحالَةَ، وكَذا القَوْلُ في الحَسَدِ وسائِرِ الأخْلاقِ والأفْعالِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي جَعَلَ البَعْضَ فِتْنَةً لِلْبَعْضِ. سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ ما قالَهُ الجُبّائِيُّ أنَّ المُرادَ مِنَ الجَعْلِ هو الحُكْمُ، ولَكِنَّ المَجْعُولَ إنِ انْقَلَبَ لَزِمَ انْقِلابُهُ انْقِلابَ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الصِّدْقِ إلى الكَذِبِ، وذَلِكَ مُحالٌ، فانْقِلابُ ذَلِكَ الجَعْلِ مُحالٌ، فانْقِلابُ المَجْعُولِ أيْضًا مُحالٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَظْهَرُ القَوْلُ بِالقَضاءِ والقَدَرِ.
المسألة الثّالِثَةُ: الوجه في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّ القَوْمَ لَمّا طَعَنُوا في الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، وبِأنَّهُ فَقِيرٌ، كانَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ جارِيَةً مَجْرى الخُرافاتِ، فَإنَّهُ لَمّا قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى النُّبُوَّةِ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأشْياءِ أثَرٌ في القَدْحِ فِيها، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأذّى مِنهم مِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يَشْتُمُونَهُ، ومِن حَيْثُ إنَّهم كانُوا يَذْكُرُونَ الكَلامَ المُعْوَجَّ الفاسِدَ، وما كانُوا يَفْهَمُونَ الجَوابَ الجَيِّدَ، فَلا جَرَمَ صَبَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ تِلْكَ الأذِيَّةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ جَعَلَ الخَلْقَ بَعْضَهم فِتْنَةً لِلْبَعْضِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَوْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ الخَبَرَ، لَما ذَكَرَ عَقِيبَهُ ﴿أتَصْبِرُونَ﴾؛ لِأنَّ أمْرَ العاجِزِ غَيْرُ جائِزٍ.
المسألة الثّانِيَةُ: المَعْنى: أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ ما وعَدَ اللَّهُ الصّابِرِينَ ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾
صفحة ٥٩
أيْ هو العالِمُ بِمَن يَصْبِرُ ومَن لا يَصْبِرُ، فَيُجازِي كُلًّا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ.
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أتَصْبِرُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ، والمُرادُ مِنهُ التَّقْرِيرُ، ومَوْقِعُهُ بَعْدَ ذِكْرِ الفِتْنَةِ مَوْقِعُ ”أيُّكم“ بَعْدَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] .
Page 361
25:12
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢
When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.
25:13
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣
And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.
25:14
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤
[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."
25:15
قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥
Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.
25:16
لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦
For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1
1 translator’s note
- Or "...a promise requested [for them by the angels]." ↩
25:17
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧
And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"
25:18
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨
They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."
25:19
فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩
So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.
25:20
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠
And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.