Al-Furqan 25:52
The Criterion · Juz 19 · Page 364
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢
So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 25:51–52
﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ .
جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ ذِكْرِ دَلائِلِ تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالخَلْقِ وذِكْرِ مِنَّتِهِ عَلى الخَلْقِ. ومُناسِبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ وتَفْرِيعِها بِمَوْقِعِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها خَفِيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾): اقْتِضابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ. تَقْدِيرُهُ: ولَكِنّا أفْرَدْناكَ بِالنِّذارَةِ وحَمَّلْناكَ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ اهـ.
فَإنْ كانَ عَنى بِقَوْلِهِ: اقْتِضابٌ، مَعْنى الِاقْتِضابِ الِاصْطِلاحِيِّ بَيْنَ عُلَماءِ الأدَبِ والبَيانِ، وهو عَدَمُ مُراعاةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ الكَلامِ المُنْتَقَلِ مِنهُ والكَلامِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ، كانَ عُدُولًا عَنِ التِزامِ تَطَلُّبِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، ولَيْسَ الخُلُوُّ عَنِ المُناسَبَةِ بِبِدَعٍ فَقَدْ قالَ صاحِبُ تَلْخِيصِ المِفْتاحِ: وقَدْ يُنْقَلُ مِنهُ - أيْ: مِمّا شُبِّبَ بِهِ الكَلامُ - إلى ما لا يُلائِمُهُ - أيْ لا يُناسِبُ المُنْتَقَلَ مِنهُ - ويُسَمّى الِاقْتِضابَ وهو مَذْهَبُ العَرَبِ ومَن يَلِيهِمْ مِنَ المُخَضْرَمِينَ ) إلَخْ. وإذا كانَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنى
صفحة ٥٢
بِالِاقْتِضابِ مَعْنى القَطْعِ (أيِ الحَذْفِ مِنَ الكَلامِ) أيْ: إيجازِ الحَذْفِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: (يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ تَقْدِيرُهُ إلَخْ)، كانَ لَمْ يُعَرِّجْ عَلى اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها.
وفِي الكَشّافِ: (ولَوْ شِئْنا لَخَفَّفْنا عَنْكَ أعْباءَ نِذارَةِ جَمْعِ القُرى ولَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَبِيئًا يُنْذِرُها، وإنَّما قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ وعَظَّمْناكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ - أيْ بِعُمُومِ الدَّعْوَةِ - فَقابَلَ ذَلِكَ بِالتَّصَبُّرِ) اهـ. وقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ: (ومَدارُ السُّورَةِ عَلى كَوْنِهِ ﷺ مَبْعُوثًا إلى النّاسِ كافَّةً، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِما يُثْبِتُ عُمُومَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ _ ﷺ _ إلى جَمِيعِ النّاسِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]) .
ولَيْسَ في كَلامِ الكَشّافِ والطِّيبِيِّ إلّا بَيانُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِمُهِمِّ أغْراضِ السُّورَةِ دُونَ بَيانِ مُناسَبَتِها لِلَّتِي قَبْلَها.
والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) الآيَةَ، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ إبْطالَ طَعْنِهِمْ، فَقالَ (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]) انْتَقَلَ إلى تَنْظِيرِ القُرْآنِ بِالكِتابِ الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَيْفَ اسْتَأْصَلَ اللَّهُ مَن كَذَّبُوهُ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بِذِكْرِ أُمَمٍ كَذَّبُوا رُسُلَهم، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى اسْتِهْزاءِ المُشْرِكِينَ بِالنَّبِيءِ ﷺ وأشارَ إلى تَحَرُّجِ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِ قَوْمِهِ عَنْ دَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: (﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]) .
وتَسَلْسُلِ الكَلامِ بِضَرْبِ المَثَلِ بِمَدِّ الظِّلِّ وقَبْضِهِ، وبِحالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وبِإرْسالِ الرِّياحِ. أمارَةٌ عَلى رَحْمَةِ غَيْثِهِ الَّذِي تَحْيا بِهِ المَواتُ حَتّى انْتَهى إلى قَوْلِهِ: (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾) ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا اشْتِمالُ التَّفْرِيعِ عَلى ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: (﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾) .
ومِمّا يَزِيدُ هَذِهِ الآيَةَ اتِّصالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) أنَّ في بَعْثِ نَذِيرٍ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ ما هو أشَدُّ مِن تَنْزِيلِ القُرْآنِ مُجَزَّأً؛ فَلَوْ بَعَثَ اللَّهُ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لَوْ لا أُرْسِلَ رَسُولٌ واحِدٌ إلى النّاسِ جَمِيعًا فَإنَّ مَطاعِنَهم لا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ كَما قالَ تَعالى: (﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ آعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]) في سُورَةِ حَم السَّجْدَةِ.
صفحة ٥٣
وتَفْرِيعُ (﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾) لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وهم يَطْلُبُونَ مِنهُ الكَفَّ عَنْ دَعْوَتِهِمْ وعَنْ تَنَقُّصِ أصْنامِهِمْ.
والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْذِيرِ والتَّذْكِيرِ، وفِعْلُ (تُطِعْ) في سِياقِ النَّهْيِ يُفِيدُ عُمُومَ التَّحْذِيرِ مِن أدْنى طاعَةٍ.
والطّاعَةُ: عَمَلُ المَرْءِ بِما يُطْلَبُ مِنهُ، أيْ فَلا تَهِنْ في الدَّعْوَةِ رَعْيًا لِرَغْبَتِهِمْ أنْ تَلِينَ لَهم.
وبَعْدَ أنْ حَذَّرَهُ مِنَ الوَهَنِ في الدَّعْوَةِ أمَرَهُ بِالحِرْصِ والمُبالَغَةِ فِيها. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالجِهادِ وهو الِاسْمُ الجامِعُ لِمُنْتَهى الطّاقَةِ. وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ فِيهِ لِيُفِيدَ مُقابَلَةَ مَجْهُودِهِمْ بِمَجْهُودِهِ فَلا يَهِنُ ولا يَضْعُفُ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالجِهادِ الكَبِيرِ، أيِ: الجامِعِ لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ.
وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ: فَإمّا أنْ يَعُودَ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِن مَقامِ النِّذارَةِ، وإمّا أنْ يَعُودَ إلى المَفْهُومِ مِن (لا تُطِعْ) وهو الثَّباتُ عَلى دَعْوَتِهِ بِأنْ يَعْصِيَهم، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ كَما دَلَّ قَوْلُأبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
فَقُلْنَ لَها سِرًّا فَدِيناكِ لا يَرُحْ صَحِيحًا وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ
فَقابَلَ قَوْلَهُ (لا يَرُحْ صَحِيحًا) بِقَوْلِهِ (وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ) كَأنَّهُ قالَ: فَدَيْناكِ فاقْتُلِيهِ.
والمَعْنى: قاوِمْهم بِصَبْرِكَ. وكِبَرُ الجِهادِ تَكْرِيرُهُ والعَزْمُ فِيهِ وشِدَّةُ ما يَلْقاهُ في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ - لِأصْحابِهِ عِنْدَ قُفُولِهِ مِن بَعْضِ غَزَواتِهِ: («رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ. قالُوا: وما الجِهادُ الأكْبَرُ ؟ قالَ: مُجاهَدَةُ العَبْدِ هَواهُ» ) . رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
Page 364
25:44
أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤
Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.
1 translator’s note
- i.e., cattle or sheep, that follow without question wherever they are led. ↩
25:45
أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥
Have you not considered your Lord - how He extends the shadow, and if He willed, He could have made it stationary? Then We made the sun for it an indication.1
1 translator’s note
- i.e., showing the existence of a shadow or making it apparent by contrast. ↩
25:46
ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦
Then We [retract and] hold it with Us for a brief grasp.1
1 translator’s note
- i.e., when the sun is overhead at noon. ↩
25:47
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧
And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2
25:48
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water
25:49
لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩
That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.
25:50
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠
And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.
1 translator’s note
- Of Allāh's ability to bring the dead to life. ↩
25:51
وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١
And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1
1 translator’s note
- However, Allāh willed that Prophet Muḥammad (ﷺ) be sent as the final messenger for all peoples of the earth until the Day of Resurrection. ↩
25:52
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢
So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.
25:53
۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣
And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.
25:54
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤
And it is He who has created from water [i.e., semen] a human being and made him [a relative by] lineage and marriage. And ever is your Lord competent [concerning creation].
25:55
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥
But they worship rather than Allāh that which does not benefit them or harm them, and the disbeliever is ever, against his Lord, an assistant [to Satan].