An-Naml 27:44
The Ant · Juz 19 · Page 380
قِيلَ لَهَا ٱدۡخُلِي ٱلصَّرۡحَۖ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةٗ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَيۡهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرۡحٞ مُّمَرَّدٞ مِّن قَوَارِيرَۗ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٤
She was told, "Enter the palace." But when she saw it, she thought it was a body of water1 and uncovered her shins [to wade through]. He said, "Indeed, it is a palace [whose floor is] made smooth with glass." She said, "My Lord, indeed I have wronged myself, and I submit with Solomon to Allāh, Lord of the worlds."
1 translator’s note
- The floor was transparent, and beneath it was flowing water. ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 27:44
﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِجُزْءٍ مِنَ القِصَّةِ. وطُوِيَ ذِكْرُ تَرَحُّلِها إلى وُصُولِها في ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن حُلُولِها أمامَ صَرْحِ سُلَيْمانَ لِلدُّخُولِ مَعَهُ إلَيْهِ أوِ الدُّخُولِ عَلَيْهِ وهو فِيهِ.
لَمّا أراها سُلَيْمانُ عَظَمَةَ حَضارَتِهِ انْتَقَلَ بِها حَيْثُ تُشاهِدُ أثَرًا بَدِيعًا مِن آثارِ الصِّناعَةِ الحَكِيمَةِ وهو الصَّرْحُ. والصَّرْحُ يُطْلَقُ عَلى صَحْنِ الدّارِ وعَرْصَتِها. والظّاهِرُ أنَّ صَرْحَ القَصْرِ الَّذِي ذُكِرَ في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ السّابِعِ وهو بَيْتٌ وعْرٌ لَهُ بابانِ كانَ يَجْلِسُ فِيهِ سُلَيْمانُ لِلْقَضاءِ بَيْنَ النّاسِ.
والقائِلُ لَها (ادْخُلِي الصَّرْحَ) هُمُ الَّذِينَ كانُوا في رُفْقَتِها.
والقائِلُ: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ هو سُلَيْمانُ كانَ مُصاحِبًا لَها أوْ كانَ يَتَرَقَّبُها، وزُجاجُ الصَّرْحِ المُبَلَّطُ بِهِ الصَّرْحُ بَيْنَهُما.
وذِكْرُ الدُّخُولِ يَقْتَضِي أنَّ الصَّرْحَ مَكانٌ لَهُ بابٌ. وفي سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ العاشِرِ: فَلَمّا رَأتِ البَيْتَ الَّذِي بَناهُ.
وحِكايَةُ أنَّها حَسِبَتْهُ لُجَّةً عِنْدَما رَأتْهُ تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ بَدا لَها في حِينِ دُخُولِها، فَدَلَّ عَلى أنَّ الصَّرْحَ هو أوَّلُ ما بَدا لَها مِنَ المَدْخَلِ فَهو لا مَحالَةَ ساحَةٌ مَعْنِيَّةٌ لِلنُّزْهَةِ فُرِشَتْ بِزُجاجٍ شَفّافٍ وأجْرِيَ تَحْتَهُ الماءُ، حَتّى يَخالَهُ النّاظِرُ لُجَّةَ ماءٍ. وهَذا مِن بَدِيعِ الصِّناعَةِ الَّتِي اخْتُصَّتْ بِها قُصُورُ سُلَيْمانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً في اليَمَنِ عَلى ما بَلَغَتْهُ مِن حَضارَةٍ وعَظَمَةَ بِناءٍ.
وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (عَنْ سَأْقَيْها) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ عِوَضًا عَنِ الألِفِ عَلى لُغَةِ مَن يَهْمِزُ حَرْفَ المَدِّ إذا وقَعَ وسَطَ الكَلِمَةِ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
صفحة ٢٧٦
لَحَبُّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤْسى وجَعْدَةُ إذْ أضاءَهُما الوَقُودُ
فَهَمَزَ المُؤْقِدانِ ومُؤْسى.
وكَشْفُ ساقَيْها كانَ مِن أجْلِ أنَّها شَمَّرَتْ ثِيابَها كَراهِيَةَ ابْتِلالِها بِما حَسِبَتْهُ ماءً. فالكَشْفُ عَنْ ساقَيْها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِخَلْعِ خُفَّيْها أوْ نَعْلَيْها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِتَشْمِيرِ ثَوْبِها. وقَدْ قِيلَ: إنَّها كانَتْ لا تَلْبَسُ الخُفَّيْنِ. والمُمَرَّدُ: المُمَلَّسُ.
والقَوارِيرُ: جَمْعُ قارُورَةٍ وهي اسْمٌ لِإناءٍ مِنَ الزُّجاجِ كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلْخَمْرِ لِيَظْهَرَ لِلرّائِي ما قَرَّ في قَعْرِ الإناءِ مَن تَفَثِ الخَمْرِ فَيَظْهَرُ المِقْدارُ الصّافِي مِنها. فَسَمّى ذَلِكَ الإناءَ قارُورَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِنهُ ما يَقَرُّ في قَعْرِهِ، وجُمِعَتْ عَلى قَوارِيرَ، ثُمَّ أُطْلِقَ هَذا الجَمْعُ عَلى الطِّينِ الَّذِي تُتَّخَذُ مِنهُ القارُورَةُ وهو الزُّجاجُ، فالقَوارِيرُ مِن أسْماءِ الزُّجاجِ، قالَ بَشّارٌ:
ارْفُقْ بِعَمْرٍو إذا حَرَّكْتَ نِسْبَتَهُ ∗∗∗ فَإنَّهُ عَرَبِيٌّ مِن قَوارِيرَ
يُرِيدُ أنَّ نِسْبَتَهُ في العَرَبِ ضَعِيفَةٌ إذا حُرِّكَتْ تَكَسَّرَتْ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الزُّجاجِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ [النور: ٣٥] في سُورَةِ النُّورِ.
* * *
﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
بَهَرَها ما رَأتْ مِن آياتٍ عَلِمَتْ مِنها أنَّ سُلَيْمانَ صادِقٌ فِيما دَعاها إلَيْهِ وأنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعَلِمَتْ أنَّ دِينَها ودِينَ قَوْمِها باطِلٌ فاعْتَرَفَتْ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها في اتِّباعِ الضَّلالِ بِعِبادَةِ الشَّمْسِ. وهَذا دَرَجَةٌ أُولى في الِاعْتِقادِ وهو دَرَجَةُ التَّخْلِيَةِ، ثُمَّ صَعَدَتْ إلى الدَّرَجَةِ الَّتِي فَوْقَها وهي دَرَجَةُ التَّحَلِّي بِالإيمانِ الحَقِّ فَقالَتْ: ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فاعْتَرَفَتْ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، وهَذا مَقامُ التَّوْحِيدِ.
وفِي قَوْلِها (مَعَ سُلَيْمانَ) إيمانٌ بِالدِّينِ الَّذِي تَقَلَّدَهُ سُلَيْمانُ وهو دِينُ
صفحة ٢٧٧
اليَهُودِيَّةِ، وقَدْ أرادَتْ جَمْعَ مَعانِي الدِّينِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِيَكُونَ تَفْصِيلُها فِيما تَتَلَقّاهُ مِن سُلَيْمانَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِ سُلَيْمانَ ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ.
والإسْلامُ: الِانْقِيادُ إلى اللَّهِ تَعالى. وتَقَلُّدُ بِلْقِيسَ لِلتَّوْحِيدِ كانَ في خاصَّةِ نَفْسِها؛ لِأنَّها دانَتْ لِلَّهِ بِذَلِكَ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ أهْلَ سَبَأٍ انْخَلَعُوا عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ كَما يَأْتِي في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا دُخُولُ اليَهُودِيَّةِ بِلادَ اليَمَنِ فَيَأْتِي في سُورَةِ البُرُوجِ. وسَكَتَ القُرْآنُ عَنْ بَقِيَّةِ خَبَرِها ورُجُوعِها إلى بِلادِها ولِلْقَصّاصِينَ أخْبارٌ لا تَصِحُّ فَهَذا تَمامُ القِصَّةِ.
ومَكانُ العِبْرَةِ مِنها الِاتِّعاظُ بِحالِ هَذِهِ المَلِكَةِ، إذْ لَمْ يَصُدَّها عُلُوُّ شَأْنِها وعَظَمَةُ سُلْطانِها مَعَ ما أُوتِيَتْهُ مِن سَلامَةِ الفِطْرَةِ وذَكاءِ العَقْلِ عَنْ أنْ تَنْظُرَ في دَلائِلِ صِدْقِ الدّاعِي إلى التَّوْحِيدِ، وتُوقِنَ بِفَسادِ الشِّرْكِ، وتَعْتَرِفَ بِالوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ، فَما يَكُونُ إصْرارُ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِمْ بَعْدَ أنْ جاءَهُمُ الهَدْيُ الإسْلامِيُّ إلّا لِسَخافَةِ أحْلامِهِمْ، أوْ لِعَمايَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ وتَمَسُّكِهِمْ بِالباطِلِ وتَصَلُّبِهِمْ فِيهِ. ولا أصْلَ لِما يَذْكُرُهُ القَصّاصُونَ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ سُلَيْمانَ تَزَوَّجَ بِلْقِيسَ ولا أنَّ لَهُ ولَدًا مِنها. فَإنَّ رَحْبَعامَ ابْنَهُ الَّذِي خَلَفَهُ في المُلْكِ كانَ مِن زَوْجَةٍ عَمُّونِيَّةِ.
Page 380
27:36
فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ ٣٦
So when they came to Solomon, he said, "Do you provide me with wealth? But what Allāh has given me is better than what He has given you. Rather, it is you who rejoice in your gift.
27:37
ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٣٧
Return to them, for we will surely come to them with soldiers that they will be powerless to encounter, and we will surely expel them therefrom in humiliation, and they will be debased."
27:38
قَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَيُّكُمۡ يَأۡتِينِي بِعَرۡشِهَا قَبۡلَ أَن يَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣٨
[Solomon] said, "O assembly [of jinn], which of you will bring me her throne before they come to me in submission?"
27:39
قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ ٣٩
A powerful one from among the jinn said, "I will bring it to you before you rise from your place, and indeed, I am for this [task] strong and trustworthy."
27:40
قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ ٤٠
Said one who had knowledge from the Scripture, "I will bring it to you before your glance returns to you." And when [Solomon] saw it placed before him, he said, "This is from the favor of my Lord to test me whether I will be grateful or ungrateful. And whoever is grateful - his gratitude is only for [the benefit of] himself. And whoever is ungrateful - then indeed, my Lord is Free of need and Generous."
27:41
قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ ٤١
He said, "Disguise for her her throne; we will see whether she will be guided [to truth] or will be of those who is not guided."
27:42
فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ وَأُوتِينَا ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهَا وَكُنَّا مُسۡلِمِينَ ٤٢
So when she arrived, it was said [to her], "Is your throne like this?" She said, "[It is] as though it was it." [Solomon said], "And we were given knowledge before her, and we have been Muslims [in submission to Allāh].
27:43
وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعۡبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ إِنَّهَا كَانَتۡ مِن قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٤٣
And that which she was worshipping other than Allāh had averted her [from submission to Him]. Indeed, she was from a disbelieving people."
27:44
قِيلَ لَهَا ٱدۡخُلِي ٱلصَّرۡحَۖ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةٗ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَيۡهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرۡحٞ مُّمَرَّدٞ مِّن قَوَارِيرَۗ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٤
She was told, "Enter the palace." But when she saw it, she thought it was a body of water1 and uncovered her shins [to wade through]. He said, "Indeed, it is a palace [whose floor is] made smooth with glass." She said, "My Lord, indeed I have wronged myself, and I submit with Solomon to Allāh, Lord of the worlds."
1 translator’s note
- The floor was transparent, and beneath it was flowing water. ↩