Al-Qasas 28:43
The Stories · Juz 20 · Page 390
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣
And We gave Moses the Scripture, after We had destroyed the former generations, as enlightenment for the people and guidance and mercy that they might be reminded.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 28:43
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ المَقْصُودُ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ”فَلَمّا أتاها نُودِيَ“ إلى هُنا الِاعْتِبارُ بِعاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ القائِلِينَ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] لِيُقاسَ النَّظِيرُ
صفحة ١٢٨
عَلى النَّظِيرِ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ يُرِيدُونَ إفْحامَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ اللَّهُ أرْسَلَهُ حَقًّا لَكانَ أُرْسِلَ إلى الأجْيالِ مِن قَبْلِهِ، ولَما كانَ اللَّهُ يَتْرُكُ الأجْيالَ الَّتِي قَبْلَهم بِدُونِ رِسالَةِ رَسُولٍ، ثُمَّ يُرْسِلُ إلى الجِيلِ الأخِيرِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ إتْمامًا لِتَنْظِيرِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِرِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أنَّها جاءَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ لا رِسالَةَ فِيها، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ سَبْقَ إرْسالِ الرُّسُلِ إلى الأُمَمِ شَيْءٌ واقِعٌ بِشَهادَةِ التَّواتُرِ، وأنَّهُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلى تَكْذِيبِ الأُمَمِ رُسُلَهم إهْلاكُ القُرُونِ الأُولى، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِاسْتِمْرارِ إرْسالِ الرُّسُلِ مُتَعاقِبِينَ بَلْ كانُوا يَجِيئُونَ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ؛ فَإذا كانَ المُشْرِكُونَ يُحاوِلُونَ بِقَوْلِهِمْ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] إبْطالَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِعِلَّةِ تَأخُّرِ زَمانِها سَفْسَطَةً ووَهَمًا، فَإنَّ دَلِيلَهم مَقْدُوحٌ فِيهِ بِقادِحِ القَلْبِ، بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوا إلى الأُمَمِ مِن قَبْلُ، ثُمَّ جاءَ مُوسى بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ لَمّا بَهَرَهم أمْرُ الإسْلامِ لاذُوا بِاليَهُودِ يَسْتَرْشِدُونَهم في طُرُقِ المُجادَلَةِ الدِّينِيَّةِ، فَكانَ المُشْرِكُونَ يَخْلِطُونَ ما يُلَقِّنُهُمُ اليَهُودُ مِنَ المُغالَطاتِ بِما اسْتَقَرَّ في نُفُوسِهِمْ مِن تَضْلِيلِ أيِمَّةِ الشِّرْكِ، فَيَأْتُونَ بِكَلامٍ يَلْعَنُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَرَّةً يَقُولُونَ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وهو مِن مُجادَلاتِ الأُمِّيِّينَ، ومَرَّةً يَقُولُونَ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بِشْرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فَكانَ القُرْآنُ يَدْمَغُ باطِلَهم بِحُجَّةِ الحَقِّ بِإلْزامِهِمْ تَناقُضَ مَقالاتِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ فَهي حُجَّةٌ بِتَنْظِيرِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ بِرِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَقْصُودُ مِنها ذِكْرُ القُرُونِ الأُولى.
وأمّا ذِكْرُ إهْلاكِهِمْ فَهو إدْماجٌ لِلنِّذارَةِ في ضِمْنِ الِاسْتِدْلالِ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ تَخَلُّصٌ مِن قِصَّةِ بِعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى تَأْيِيدِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والمَقْصُودُ قَوْلُهُ (﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾) .
ثُمَّ إنَّ القُرْآنَ أعْرَضَ عَنْ بَيانِ حِكْمَةِ الفِتَرِ الَّتِي تَسْبِقُ إرْسالَ الرُّسُلِ، واقْتَصَرَ عَلى بَيانِ الحِكْمَةِ في الإرْسالِ عَقِبَها؛ لِأنَّهُ المُهِمُّ في مَقامِ نَقْضِ حُجَّةِ المُبْطِلِينَ
صفحة ١٢٩
لِلرِّسالَةِ أوِ اكْتِفاءً بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ واقِعٌ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُهُ، وهو المَقْصُودُ هُنا، وأمّا حِكْمَةُ الفَصْلِ بِالفِتَرِ فَشَيْءٌ فَوْقَ مَراتِبِ عُقُولِهِمْ. فَأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ إلى بَيانِ حِكْمَةِ الإرْسالِ عَقِبَ الفَتْرَةِ. وأشارَ بِقَوْلِهِ ”مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى“ إلى الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ لِتَكْذِيبِها رُسُلَ اللَّهِ.
فَتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِوُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى يُحْتاجَ مَعَهم إلى التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ، فَمَوْقِعُ التَّأْكِيدِ هو قَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ .
والكِتابُ: التَّوْراةُ الَّتِي خاطَبَ اللَّهُ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. والبَصائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي إدْراكُ العَقْلِ، سُمِّيَ بَصِيرَةً اشْتِقاقًا مِن بَصَرِ العَيْنِ، وجُعِلَ الكِتابُ بَصائِرَ بِاعْتِبارِ عِدَّةِ دَلائِلِهِ وكَثْرَةِ بَيِّناتِهِ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى، قالَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] .
والقُرُونُ الأُولى: قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمُ لُوطٍ. والقَرْنُ: الأُمَّةُ، قالَ تَعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [ص: ٣] . وفي الحَدِيثِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» .
والنّاسُ هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولِمَن يُرِيدُ أنْ يَهْتَدِيَ بِهَدْيِهِ مِثْلِ الَّذِينَ تَهَوَّدُوا مِن عَرَبِ اليَمَنِ، وهَدًى ورَحْمَةً لَهم، ولِمَن يَقْتَبِسُ مِنهم قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . ومِن جُمْلَةِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التَّوْراةُ تَحْذِيرُها مِن عِبادَةِ الأصْنامِ.
وضَمِيرُ ”لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ“ عائِدٌ إلى النّاسِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالتَّوْراةِ، أيْ فَكَذَلِكَ إرْسالُ مُحَمَّدٍ لَكم هُدًى ورَحْمَةٌ لَعَلَّكم تَتَذَكَّرُونَ.
Page 390
28:36
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦
But when Moses came to them with Our signs as clear evidences, they said, "This is not except invented magic, and we have not heard of this [religion] among our forefathers."
28:37
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧
And Moses said, "My Lord is more knowing [than we or you] of who has come with guidance from Him and to whom will be succession in the home.1 Indeed, wrongdoers do not succeed."
1 translator’s note
- i.e., in this world or in the Hereafter. ↩
28:38
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨
And Pharaoh said, "O eminent ones, I have not known you to have a god other than me. Then ignite for me, O Hāmān, [a fire] upon the clay1 and make for me a tower that I may look at the God of Moses. And indeed, I do think he is among the liars."
1 translator’s note
- From which bricks are made. ↩
28:39
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩
And he was arrogant, he and his soldiers, in the land, without right, and they thought that they would not be returned to Us.
28:40
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
So We took him and his soldiers and threw them into the sea.1 So see how was the end of the wrongdoers.
1 translator’s note
- Allāh (subḥānahu wa taʿālā) caused them to leave all their worldly wealth behind and enter the sea in pursuit of the Children of Israel. See 26:52-66. ↩
28:41
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١
And We made them leaders1 inviting to the Fire, and on the Day of Resurrection they will not be helped.
1 translator’s note
- i.e., examples or precedents, followed by subsequent tyrants. ↩
28:42
وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢
And We caused to overtake them in this world a curse, and on the Day of Resurrection they will be of the despised.1
1 translator’s note
- Literally, "those made hideous," who will be far removed from all good and mercy. ↩
28:43
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣
And We gave Moses the Scripture, after We had destroyed the former generations, as enlightenment for the people and guidance and mercy that they might be reminded.