Al-Qasas 28:68
The Stories · Juz 20 · Page 393
وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٨
And your Lord creates what He wills and chooses; not for them was the choice. Exalted is Allāh and high above what they associate with Him.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 28:68
﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾
هَذا مِن تَمامِ الِاعْتِراضِ، وهي جُمْلَةُ ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [القصص: ٦٧] وظاهِرُ عَطْفِهِ عَلى ما قَبْلَهُ أنَّ مَعْناهُ آيِلٌ إلى التَّفْوِيضِ إلى حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ قُلُوبٍ مُنْفَتِحَةٍ لِلِاهْتِداءِ ولَوْ بِمَراحِلَ، وقُلُوبٍ غَيْرِ مُنْفَتِحَةٍ لَهُ فَهي قاسِيَةٌ صَمّاءُ، وأنَّهُ الَّذِي اخْتارَ فَرِيقًا عَلى فَرِيقٍ. وفي ”أسْبابِ النُّزُولِ“ لِلْواحِدِيِّ: قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: نَزَلَتْ جَوابًا لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ حِينَ قالَ فِيما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] اهــ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وعُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ مِن أهْلِ الطّائِفِ. وهُما المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ. وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. فَإذا كانَ اتِّصالُ مَعْناها بِقَوْلِهِ: ﴿ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، فَإنَّ قَوْلَهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] هو مِن جُمْلَةِ ما أجابُوا بِهِ دَعْوَةَ الرَّسُولِ ﷺ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ مِن خَلْقِهِ مِنَ البَشَرِ وغَيْرِهِمْ، ويَخْتارُ مِن بَيْنِ مَخْلُوقاتِهِ لِما يَشاءُ مِمّا يَصْلُحُ لَهُ جِنْسُ ما مِنهُ الِاخْتِيارُ، ومِن ذَلِكَ اخْتِيارُهُ لِلرِّسالَةِ مَن يَشاءُ إرْسالَهُ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ”اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ“، وأنْ لَيْسَ ذَلِكَ لِاخْتِيارِ النّاسِ ورَغَباتِهِمْ؛ والوَجْهانِ لا يَتَزاحَمانِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو قَوْلُهُ: ”ويَخْتارُ“، فَذَكَرَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ إيماءً إلى أنَّهُ أعْلَمُ بِمَخْلُوقاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى خَبَرِهِ الفِعْلِيِّ يُفِيدُ القَصْرَ في هَذا المَقامِ إنْ لُوحِظَ سَبَبُ النُّزُولِ، أيْ رَبُّكَ وحْدُهُ، لا أنْتُمْ تَخْتارُونَ مَن يُرْسَلُ إلَيْكم.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا لِفِعْلِ
صفحة ١٦٥
”يَخْتارُ“، وأنَّ عائِدَ المَوْصُولِ مَجْرُورٌ بِـ ”في“ مَحْذُوفَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: ويَخْتارُ ما لَهم فِيهِ الخَيْرُ، أيْ يَخْتارُ لَهم مِنَ الرُّسُلِ ما يَعْلَمُ أنَّهُ صالِحٌ بِهِمْ لا ما يَشْتَهُونَهُ مِن رِجالِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى القَصْرِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الجُمْلَةَ قَبْلَهُ مُفِيدَةُ مُجَرَّدِ التَّقَوِّي. وصِيغَةُ ”ما كانَ“ تَدُلُّ عَلى نَفْيٍ لِلْكَوْنِ يُفِيدُ أشَدَّ مِمّا يُفِيدُ لَوْ قِيلَ: ما لَهُمُ الخِيَرَةُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] في سُورَةِ مَرْيَمَ.
والِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ أيْ كَما أنَّ الخَلْقَ مِن خَصائِصِهِ فَكَذَلِكَ الِاخْتِيارُ.
والخِيَرَةُ - بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ -: اسْمٌ لِمَصْدَرِ الِاخْتِيارِ، مِثْلَ الطِّيَرَةِ، اسْمٌ لِمَصْدَرِ التَّطَيُّرِ. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: ولا نَظِيرَ لَهُما. وفي ”اللِّسانِ“ ما يُوهِمُ أنَّ نَظِيرَهُما: سَبْيٌ طِيَبَةٌ، إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَدْرٌ ولا نَقْضُ عَهْدٍ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ التَّنْظِيرَ في الزِّنَةِ لا في المَعْنى؛ لِأنَّها زِنَةٌ نادِرَةٌ.
واللّامُ في ”لَهم“ لِلْمِلْكِ، أيْ ما كانُوا يَمْلِكُونَ اخْتِيارًا في المَخْلُوقاتِ حَتّى يَقُولُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . ونَفْيُ المِلْكِ عَنْهم مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ”ما يَشاءُ“؛ لِأنَّ ”ما يَشاءُ“ يُفِيدُ مَعْنى مَلْكِ الِاخْتِيارِ.
وفِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبًّا لِلنَّبِيءِ ﷺ إشارَةٌ إلى أنَّهُ اخْتارَهُ لِأنَّهُ رَبُّهُ وخالِقُهُ، فَهو قَدْ عَلِمَ اسْتِعْدادَهُ لِقَبُولِ رِسالَتِهِ.
* * *
﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِإنْشاءِ تَنْزِيهِ اللَّهِ وعُلُوِّهُ عَلى طَرِيقَةِ الثَّناءِ عَلَيْهِ بِتَنَزُّهِهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. و”سُبْحانَ“ مَصْدَرٌ نائِبٌ مَنابَ فِعْلِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأُضِيفَ ”سُبْحانَ“ إلى اسْمِهِ العَلَمِ دُونَ أنْ يُقالَ: وسُبْحانَهُ، بَعْدَ أنْ قالَ: ”ورَبُّكَ يَعْلَمُ“؛ لِأنَّ اسْمَ الجَلالَةِ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى، وهو مُسْتَحِقٌّ لِلتَّنْزِيهِ بِذاتِهِ؛ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ
صفحة ١٦٦
جَمِيعِ المَحامِدِ مِمّا تَضَمَّنَهُ اسْمُ الجَلالَةِ في أصْلِ مَعْناهُ قَبْلَ نَقْلِهِ إلى العَلَمِيَّةِ.
والمَجْرُورُ يَتَنازَعُهُ كِلا الفِعْلَيْنِ. ووَجْهُ تَقْيِيدِ التَّنْزِيهِ والتَّرْفِيعِ بِـ ”ما يُشْرِكُونَ“ أنَّهُ لَمْ يَجْتَرِئْ أحَدٌ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَلِيقُ بِهِ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ إلّا أهْلُ الشِّرْكِ بِزَعْمِهِمْ أنَّ ما نَسَبُوهُ إلى اللَّهِ إنَّما هو كَمالٌ، مِثْلَ اتِّخاذِ الوَلَدِ أوْ هو مِمّا أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِهِ، ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] . وزَعَمُوا أنَّ الآلِهَةَ شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. وقالُوا في التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وأمّا ما عَدا ذَلِكَ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِالكَمالِ لِلَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] . و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ إشْراكِهِمْ.
Page 393
28:60
وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٠
And whatever thing you [people] have been given - it is [only for] the enjoyment of worldly life and its adornment. And what is with Allāh is better and more lasting; so will you not use reason?
28:61
أَفَمَن وَعَدۡنَٰهُ وَعۡدًا حَسَنٗا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعۡنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ هُوَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٦١
Then is he whom We have promised a good promise which he will meet [i.e., obtain] like he for whom We provided enjoyment of worldly life [but] then he is, on the Day of Resurrection, among those presented [for punishment in Hell]?
28:62
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٦٢
And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"
28:63
قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ ٦٣
Those upon whom the word1 will have come into effect will say, "Our Lord, these are the ones we led to error. We led them to error just as we were in error. We declare our disassociation [from them] to You. They did not used to worship [i.e., obey] us."2
28:64
وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ ٦٤
And it will be said, "Invoke your 'partners,'" and they will invoke them; but they will not respond to them, and they will see the punishment. If only they had followed guidance!
28:65
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥
And [mention] the Day He will call them and say, "What did you answer the messengers?"
28:66
فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦
But the information1 will be unapparent to them that Day, so they will not [be able to] ask one another.
1 translator’s note
- By which they might invent lies or excuses. ↩
28:67
فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧
But as for one who had repented, believed, and done righteousness, it is expected [i.e., promised by Allāh] that he will be among the successful.
28:68
وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٨
And your Lord creates what He wills and chooses; not for them was the choice. Exalted is Allāh and high above what they associate with Him.
28:69
وَرَبُّكَ يَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٦٩
And your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.
28:70
وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٧٠
And He is Allāh; there is no deity except Him. To Him is [due all] praise in the first [life] and the Hereafter. And His is the [final] decision, and to Him you will be returned.