Al-'Ankabut 29:56
The Spider · Juz 21 · Page 403
يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦
O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 29:56
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾
وجْهُ التَّعَلُّقِ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ المُشْرِكِينَ عَلى حِدَةٍ وحالَ أهْلِ الكِتابِ عَلى حِدَةٍ وجَمَعَهُما في الإنْذارِ وجَعَلَهُما مِن أهْلِ النّارِ اشْتَدَّ عِنادُهم وزادَ فَسادُهم وسَعَوْا في إيذاءِ المُؤْمِنِينَ ومَنَعُوهم مِنَ العِبادَةِ فَقالَ مُخاطِبًا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ إنْ تَعَذَّرَتِ العِبادَةُ عَلَيْكم في بَعْضِها فَهاجِرُوا ولا تَتْرُكُوا عِبادَتِي بِحالٍ، وبِهَذا عُلِمَ أنَّ الجُلُوسَ في دارِ الحَرْبِ حَرامٌ والخُرُوجَ مِنها واجِبٌ، حَتّى لَوْ حَلَفَ بِالطَّلاقِ أنَّهُ لا يَخْرُجُ لَزِمَهُ الخُرُوجُ، و[رُ]دِعَ حَتّى يَقَعَ الطَّلاقُ. ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ﴿ياعِبادِيَ﴾ لَمْ يُرِدِ إلّا المُخاطَبَةَ مَعَ المُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّ الكافِرَ داخِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ نَقُولُ لَيْسَ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ نَقُولُ لَيْسَ داخِلًا فِيهِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَن قالَ في حَقِّهِ: ( عِبادِيَ) لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] والكافِرُ تَحْتَ سَلْطَنَةِ الشَّيْطانِ فَلا يَكُونُ داخِلًا في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ .
الثّانِي: هو أنَّ الخِطابَ بِعِبادِي أشْرَفُ مَنازِلِ المُكَلَّفِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ آدَمَ آتاهُ اسْمًا عَظِيمًا وهو اسْمُ الخِلافَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] والخَلِيفَةُ أعْظَمُ النّاسِ مِقْدارًا وأتَمُّ ذَوِي البَأْسِ اقْتِدارًا، ثُمَّ إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُرْهَبْ مِن هَذا الِاسْمِ ولَمْ يَنْهَزِمْ، بَلْ أقْدَمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ وعاداهُ وغَلَبَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ﴾ [البقرة: ٣٦] ثُمَّ إنَّ مِن أوْلادِهِ الصّالِحِينَ مَن سُمِّيَ بِعِبادِي فانْخَنَسَ عَنْهُمُ الشَّيْطانُ وتَضاءَلَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ وقالَ هو بِلِسانِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] فَعُلِمَ أنَّ المُكَلَّفَ إذا كانَ عَبْدًا لِلَّهِ يَكُونُ أعْلى دَرَجَةً مِمّا إذا كانَ خَلِيفَةً لِوَجْهِ الأرْضِ، ولَعَلَّ آدَمَ كَداوُدَ الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ: ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٦] لَمْ يَتَخَلَّصْ مِن يَدِ الشَّيْطانِ إلّا وقْتَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى في حَقِّهِ عَبْدِي، وعِنْدَما ناداهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] واجْتَباهُ بِهَذا النِّداءِ، كَما قالَ في حَقِّ داوُدَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] إذا عُلِمَ هَذا فالكافِرُ لا يَصْلُحُ لِلْخِلافَةِ، فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِما هو أعْظَمُ مِنَ الخِلافَةِ ؟ فَلا يَدْخُلُ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ إلّا المُؤْمِنُ.
الثّالِثُ: هو أنَّ هَذا الخِطابَ حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِ
صفحة ٧٤
بِسَعْيِهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فالمُؤْمِنُ دَعا رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ [آل عمران: ١٩٣] فَأجابَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣] فالإضافَةُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ العَبْدِ بِقَوْلِ العَبْدِ إلَهِي، وقَوْلِ اللَّهِ عَبْدِي تَأكَّدَتْ بِدُعاءِ العَبْدِ، لَكِنَّ الكافِرَ لَمْ يَدْعُ فَلَمْ يُجَبْ، فَلا يَتَناوَلُ ﴿ياعِبادِيَ﴾ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إذا كانَ عِبادِي لا يَتَناوَلُ إلّا المُؤْمِنِينَ فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعَ أنَّ الوَصْفَ إنَّما يُذْكَرُ لِتَمْيِيزِ المَوْصُوفِ، كَما يُقالُ يا أيُّها المُكَلَّفُونَ المُؤْمِنُونَ، ويا أيُّها الرِّجالُ العُقَلاءُ تَمْيِيزًا عَنِ الكافِرِينَ والجُهّالِ، فَنَقُولُ: الوَصْفُ يُذْكَرُ لا لِلتَّمْيِيزِ بَلْ لِمُجَرَّدِ بَيانِ أنَّ فِيهِ الوَصْفَ كَما يُقالُ: الأنْبِياءُ المُكَرَّمُونَ والمَلائِكَةُ المُطَهَّرُونَ، مَعَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُكَرَّمٌ وكُلَّ مَلَكٍ مُطَهِّرٌ، وإنَّما يُقالُ لِبَيانِ أنَّ فِيهِمُ الإكْرامَ والطَّهارَةَ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُنا: اللَّهُ العَظِيمُ وزَيْدٌ الطَّوِيلُ، فَهَهُنا ذُكِرَ لِبَيانِ أنَّهم مُؤْمِنُونَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذْ قالَ ﴿ياعِبادِيَ﴾ فَهم يَكُونُونَ عابِدِينَ فَما الفائِدَةُ في الأمْرِ بِالعِبادَةِ بِقَوْلِهِ فاعْبُدُونِ ؟ فَنَقُولُ فِيهِ فائِدَتانِ إحْداهُما: المُداوَمَةُ أيْ يا مَن عَبَدْتُمُونِي في الماضِي اعْبُدُونِي في المُسْتَقْبَلِ. الثّانِيَةُ: الإخْلاصُ أيْ يا مَن تَعْبُدُنِي أخْلِصِ العَمَلَ لِي ولا تَعْبُدْ غَيْرِي.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِشَرْطٍ فَما ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٥٦] إشارَةٌ إلى عَدَمِ المانِعِ مِن عِبادَتِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ إذا كانَ لا مانِعَ مِن عِبادَتِي فاعْبُدُونِي، وأمّا الفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ فَهو لِتَرْتِيبِ المُقْتَضى عَلى المُقْتَضِي كَما يُقالُ هَذا عالِمٌ فَأكْرِمُوهُ فَكَذَلِكَ هَهُنا لَمّا أعْلَمَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ﴾ وهو لِنَفْسِهِ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ قالَ فاعْبُدُونِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ العَبْدُ مِثْلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] وقالَ عَقِيبَهُ: ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٥] واللَّهُ تَعالى وافَقَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ الإعانَةَ ؟ نَقُولُ بَلْ هي مَذْكُورَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ياعِبادِيَ﴾ لِأنَّ المَذْكُورَ بِعِبادِي لَمّا كانَ الشَّيْطانُ مَسْدُودَ السَّبِيلِ عَلَيْهِ مَسْدُودَ القَبِيلِ عَنْهُ كانَ في غايَةِ الإعانَةِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَدَّمَ اللَّهُ الإعانَةَ وأخَّرَ العَبْدُ الِاسْتِعانَةَ، قُلْنا لِأنَّ العَبْدَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ، وكُلُّ فِعْلٍ لِغَرَضٍ، فَإنَّ الغَرَضَ سابِقٌ عَلى الفِعْلِ في الإدْراكِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَبْنِي بَيْتًا لِلسُّكْنى يَدْخُلُ في ذِهْنِهِ أوَّلًا فائِدَةُ السُّكْنى فَيَحْمِلُهُ عَلى البِناءِ، لَكِنَّ الغَرَضَ في الوُجُودِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ فِعْلِ الواسِطَةِ، فَنَقُولُ: الِاسْتِعانَةُ مِنَ العَبْدِ لِغَرَضِ العِبادَةِ فَهي سابِقَةٌ في إدْراكِهِ، وأمّا اللَّهُ تَعالى فَلَيْسَ فِعْلُهُ لِغَرَضٍ، فَراعى تَرْتِيبَ الوُجُودِ، فَإنَّ الإعانَةَ قَبْلَ العِبادَةِ.
Page 403
29:53
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣
And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.
29:54
يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤
They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers
29:55
يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥
On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."
29:56
يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦
O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.
29:57
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧
Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.
29:58
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨
And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers
29:59
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩
Who have been patient and upon their Lord rely.
29:60
وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠
And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.
29:61
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١
If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?
29:62
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢
Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
29:63
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣
And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.