Al-'Ankabut 29:63
The Spider · Juz 21 · Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣
And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 29:63
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
أُعِيدَ أُسْلُوبُ السُّؤالِ والجَوابِ لِيَتَّصِلَ رَبْطُ الأدِلَّةِ بَعْضِها بِبَعْضٍ عَلى قُرْبٍ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ لا يَدَّعُونَ أنَّ الأصْنامَ تُنْزِلُ المَطَرَ كَما صَرَّحَتْ بِهِ الآيَةُ، فَقامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُنْكِرُوها وهي تَقْرَعُ أسْماعَهم.
وأُدْمِجَ في الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِانْفِرادِهِ تَعالى بِإنْزالِ المَطَرِ أنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وإنْ كانَ أكْثَرُ المُشْرِكِينَ يَنْسُبُونَ المُسَبَّباتِ إلى أسْبابِها العادِيَةِ كَما تَبَيَّنَ في بَحْثِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ العَقْلِيَّيْنِ في قَوْلِهِمْ: أنْبَتَ الرَّبِيعُ البَقْلَ، أنَّهُ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ في كَلامِ أهْلِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّهم مَعَ ذَلِكَ لا يَنْسُبُونَ الإنْباتَ إلى أصْنامِهِمْ، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّ سَبَبَ الإنْباتِ وهو المَطَرُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَلْزَمُهم أنَّ الإنْباتَ مِنَ اللَّهِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
وفِي هَذا الإدْماجِ اسْتِدْلالٌ تَقْرِيبِيٌّ لِإثْباتِ البَعْثِ كَما قالَ: ”فانْظُرْ إلى أثَرِ رَحْمَةِ
صفحة ٢٩
اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ“، وقالَ: ﴿ويُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩] .
ولَمّا كانَ سِياقُ الكَلامِ هُنا في مَساقِ التَّقْرِيرِ كانَ المَقامُ مُقْتَضِيًا لِلتَّأْكِيدِ بِزِيادَةِ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ مَوْتِها﴾ إلْجاءً لَهم إلى الإقْرارِ بِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هو اللَّهُ دُونَ أصْنامِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِزِيادَةِ ”مِن“ في آيَةِ البَقَرَةِ، وفي آيَةِ الجاثِيَةِ ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الجاثية: ٥] .
وقَدْ أشارَ قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ مَوْتِها﴾ إلى مَوْتِ الأرْضِ، أيْ مَوْتِ نَباتِها يَكُونُ بِإمْساكِ المَطَرِ عَنْها في فُصُولِ الجَفافِ أوْ في سِنِيِّ الجَدْبِ؛ لِأنَّهُ قابَلَهُ بِكَوْنِ إنْزالِ المَطَرِ لِإرادَتِهِ إحْياءَ الأرْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ مَوْتُها بِتَقْدِيرِ اللَّهِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ مَوْتَ الأرْضِ كانَ بَعْدَ حَياةٍ سَبَقَتْ مِن نَوْعِ هَذِهِ الحَياةِ، فَصارَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهُ المُتَصَرِّفُ بِإحْياءِ الأرْضِ وإماتَتِها، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ مُحْيِيَ الحَيَوانِ ومُمِيتَهُ بِطَرِيقَةِ لَحْنِ الخِطابِ.
فانْتَظَمَ مِن هَذِهِ الآياتِ المُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [العنكبوت: ٦١] إلى هُنا أُصُولُ صِفاتِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى، وهي: الخَلْقُ، والرِّزْقُ، والإحْياءُ، والإماتَةُ، مِن أجْلِ ذَلِكَ عُقِّبَتْ بِأمْرِ اللَّهِ نَبِيئَهُ ﷺ بِأنْ يَحْمَدَهُ بِكَلامٍ يَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِهِ بِالحَمْدِ.
* * *
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾
لَمّا اتَّضَحَتِ الحُجَّةُ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ والإحْياءِ والإماتَةِ، ولَزِمَ مِن ذَلِكَ أنْ لَيْسَ لِأصْنامِهِمْ شِرْكٌ في هَذِهِ الأفْعالِ الَّتِي هي أُصُولُ نِظامِ ما عَلى الأرْضِ مِنَ المَوْجُوداتِ - فَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِإبْطالِ شِرْكِهِمْ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ ولا تَأْوِيلَهُ بَعْدَ أنْ قَرَعَتْ أسْماعَهم دَلائِلُهُ وهم واجِمُونَ لا يُبْدُونَ تَكْذِيبًا، فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ صِدْقُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما دَعاهم إلَيْهِ وكَذِبُهم فِيما تَطاوَلُوا بِهِ عَلَيْهِ في أمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِأنْ يَحْمَدَهُ عَلى أنْ نَصَرَهُ بِالحُجَّةِ نَصْرًا يُؤْذِنُ بِأنَّهُ سَيَنْصُرُهُ بِالقُوَّةِ. وتِلْكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَسْتَحِقُّ أنْ يُحْمَدُ اللَّهُ عَلَيْها؛ إذْ
صفحة ٣٠
هُوَ الَّذِي لَقَّنَها رَسُولَهُ ﷺ بِكِتابِهِ وما كانَ يَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ.
فَهَذا الحَمْدُ المَأْمُورُ بِهِ مُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ، وهو الحُجَجُ المُتَقَدِّمَةُ، ولَيْسَ خاصًّا بِحُجَّةِ إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ، وكَذَلِكَ شَأْنُ القُيُودِ الوارِدَةِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ أنْ تَرْجِعَ إلى جَمِيعِها، وكَذَلِكَ تَرْجِعُ مَعَها مُتَعَلِّقاتُها - بِكَسْرِ اللّامِ - وقَرِينَةُ المَقامِ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ، ألا تَرى أنَّ كُلَّ حُجَّةٍ مِن تِلْكَ الحُجَجِ تَسْتَأْهِلُ أنْ يُحْمَدُ اللَّهُ عَلى إقامَتِها ؟ فَلا تَخْتَصُّ بِالحَمْدِ حُجَّةُ إنْزالِ المَطَرِ، فَقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ لُقْمانَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥] فَلِذَلِكَ لا يُجْعَلُ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ اعْتِراضًا.
و﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ إضْرابُ انْتِقالٍ مِن حَمْدِ اللَّهِ عَلى وُضُوحِ الحُجَجِ إلى ذَمِّ المُشْرِكِينَ بِأنَّ أكْثَرَهم لا يَتَفَطَّنُونَ لِنُهُوضِ تِلْكَ الحُجَجِ الواضِحَةِ، فَكَأنَّهم لا عَقْلَ لَهم؛ لِأنَّ وُضُوحَ الحُجَجِ يَقْتَضِي أنْ يَفْطِنَ لِنَتائِجِها كُلُّ ذِي مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ، فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لا عُقُولَ لَهم.
وإنَّما أُسْنِدَ عَدَمُ العَقْلِ إلى أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ؛ لِأنَّ مِن عُقَلائِهِمْ وأهْلِ الفِطَنِ مِنهم مَن وضُحَتْ لَهُ تِلْكَ الحُجَجُ، فَمِنهم مَن آمَنُوا، ومِنهم مَن أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ عِنادًا.
Page 403
29:53
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣
And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.
29:54
يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤
They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers
29:55
يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥
On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."
29:56
يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦
O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.
29:57
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧
Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.
29:58
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨
And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers
29:59
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩
Who have been patient and upon their Lord rely.
29:60
وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠
And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.
29:61
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١
If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?
29:62
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢
Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
29:63
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣
And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.