Ali 'Imran 3:182
Family of Imran · Juz 4 · Page 74
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢
That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 3:181–182
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
اسْتِئْنافُ جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ البُخْلِ لِأنَّهم قالُوهُ في مَعْرِضِ دَفْعِ التَّرْغِيبِ في الصَّدَقاتِ، والَّذِينَ قالُوا ذَلِكَ هُمُ اليَهُودُ كَما هو صَرِيحٌ آخِرَ الآيَةِ في قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، وقائِلُ ذَلِكَ: قِيلَ هو حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ، حَبْرُ اليَهُودِ، لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فَقالَ حُيَيٌّ: إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ، وقِيلَ: قالَهُ فَنِحاصُ بْنُ عازُوراءَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْسَلَ أبا بَكْرٍ إلى يَهُودِ قَيْنُقاعَ يَدْعُوهم، فَأتى بَيْتَ المِدْراسِ فَوَجَدَ جَماعَةً مِنهم قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى فَنِحاصَ حَبْرِهِمْ، فَدَعاهم أبُو بَكْرٍ، فَقالَ فَنِحاصُ: ما بِنا إلى اللَّهِ مِن حاجَةٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ ولَوْ كانَ غَنِيًّا لَما اسْتَقْرَضَنا أمْوالَنا كَما يَزْعُمُ صاحِبُكم، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ ولَطَمَ فَنِحاصَ وهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» . وشاعَ قَوْلُهُما في اليَهُودِ.
وقَوْلُهُ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ تَهْدِيدٌ، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا القَوْلَ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ كانَ القَصْدُ مِنها التَّعْرِيضَ بِبُطْلانِ كَلامِ القُرْآنِ، لِأنَّهم أتَوْا بِهاتِهِ العِبارَةِ بِدُونِ مُحاشاةٍ، ولِأنَّ الِاسْتِخْفافَ بِالرَّسُولِ وقُرْآنِهِ إثْمٌ عَظِيمٌ وكُفْرٌ عَلى كُفْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ سَمِعَ﴾ المُسْتَعْمَلَ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّهْدِيدُ عَلى كَلامٍ فاحِشٍ، إذْ قَدْ عَلِمَ أهْلُ الأدْيانِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ
صفحة ١٨٤
وما تُخْفِي الصُّدُورُ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ إعْلامَهم بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ بَلْ لازَمَهُ وهو مُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا﴾ . والمُرادُ بِالكِتابَةِ إمّا كِتابَتُهُ في صَحائِفِ آثامِهِمْ إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يُكْتَبَ في صَحائِفِ الحَسَناتِ، وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ وُجُودَ عَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الكِتابَةَ أمْرٌ يَحْصُلُ فِيما بَعْدُ. فالظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ مِنَ الكِتابَةِ عَدَمُ الصَّفْحِ عَنْهُ ولا العَفْوُ بَلْ سَيُثْبَتُ لَهم ويُجازُونَ عَنْهُ فَتَكُونُ الكِتابَةُ كِنايَةً عَنِ المُحاسَبَةِ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ وعِيدًا وعَلى الثّانِي يَكُونُ تَهْدِيدًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ) بِنُونِ العَظَمَةِ مِن (سَنَكْتُبُ) وبِنَصْبِ اللّامِ مِن (قَتْلَهُمُ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ (نَكْتُبُ) و(نَقُولُ) بِنُونٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ: (سَيُكْتَبُ) بِياءِ الغائِبِ مَضْمُومَةً، وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ لِأنَّ فاعِلَ الكِتابَةِ مَعْلُومٌ وهو اللَّهُ تَعالى، وبِرَفْعِ اللّامِ مِن (قَتْلُهُمُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلٍ. (ويَقُولُ) بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ”إنَّ اللَّهَ“ .
وعَطْفُ قَوْلِهِ (وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) زِيادَةٌ في مَذَمَّتِهِمْ بِذِكْرِ مَساوِي أسْلافِهِمْ، لِأنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ هم غَيْرُ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ بَلْ هم مِن أسْلافِهِمْ، فَذُكِرَ هُنا لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ فِيهِمْ، وهي الِاجْتِراءُ عَلى اللَّهِ ورُسُلِهِ، واتِّحادُ الضَّمائِرِ مَعَ اخْتِلافِ المُعادِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ في المَحامِدِ والمَذامِّ الَّتِي تُناطُ بِالقَبائِلِ. قالَ الحَجّاجُ في خُطْبَتِهِ بَعْدَ يَوْمِ دَيْرِ الجَماجِمِ يُخاطِبُ أهْلَ العِراقِ: ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ أضْمَرْتُمُ الشَّرَّ واسْتَبْطَنْتُمُ الكُفْرَ إلى أنْ قالَ: ثُمَّ يَوْمُ الزّاوِيَةِ وما يَوْمُ الزّاوِيَةِ. . إلَخْ، مَعَ أنَّ فِيهِمْ مَن ماتَ ومَن طَرَأ بَعْدُ.
وقَوْلُهُ ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ عُطِفَ أثَرُ الكُتُبِ عَلى الكُتُبِ أيْ سَيُجازَوْنَ عَنْ ذَلِكَ بِدُونِ صَفْحٍ، ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا﴾ وهو أمْرُ اللَّهِ بِأنْ يَدْخُلُوا النّارَ.
والذَّوْقُ حَقِيقَتُهُ إدْراكُ الطُّعُومِ، واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا مُرْسَلًا في الإحْساسِ بِالعَذابِ فَعَلاقَتُهُ الإطْلاقُ، ونُكْتَتُهُ أنَّ الذَّوْقَ في العُرْفِ يَسْتَتْبِعُ تَكَرُّرَ ذَلِكَ الإحْساسِ لِأنَّ الذَّوْقَ يَتْبَعُهُ الأكْلُ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ”ذُوقُوا“ اسْتِعارَةً.
صفحة ١٨٥
وقَدْ شاعَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ الذَّوْقِ عَلى الإحْساسِ بِالخَيْرِ أوْ بِالشَّرِّ، ووَرَدَ في القُرْآنِ كَثِيرًا.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ لِلْعَذابِ المُشاهَدِ يَوْمَئِذٍ، وفِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْعَذابِ. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ هَذا العَذابَ لِعِظَمِ هَوْلِهِ مِمّا يُتَساءَلُ عَنْ سَبَبِهِ. وعَطَفَ قَوْلَهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عَلى مَجْرُورِ الباءِ، لِيَكُونَ لِهَذا العَذابِ سَبَبانِ: ما قَدَّمَتْهُ أيْدِيهِمْ، وعَدْلُ اللَّهِ تَعالى، فَما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ أوْجَبَ حُصُولَ العَذابِ، وعَدْلُ اللَّهِ أوْجَبَ كَوْنَ هَذا العَذابِ في مِقْدارِهِ المُشاهَدِ مِنَ الشِّدَّةِ حَتّى لا يَظُنُّونَ أنَّ في شِدَّتِهِ إفْراطًا عَلَيْهِمْ في التَّعْذِيبِ.
Page 74
3:181
لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١
Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.
3:182
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢
That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
3:183
ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣
[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"
3:184
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤
Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1
1 translator’s note
- The unaltered, original Torah and Gospel, which were revealed by Allāh. ↩
3:185
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥
Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.
3:186
۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦
You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.