Ali 'Imran 3:200
Family of Imran · Juz 4 · Page 76
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠
O you who have believed, persevere1 and endure2 and remain stationed3 and fear Allāh that you may be successful.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 3:200
صفحة ٢٠٨
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
خُتِمَتِ السُّورَةُ بِوِصايَةٍ جامِعَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تُجَدِّدُ عَزِيمَتَهم وتَبْعَثُ الهِمَمَ إلى دَوامِ الِاسْتِعْدادِ لِلْعَدُوِّ كَيْ لا يُثَبِّطَهم ما حَصَلَ مِنَ الهَزِيمَةِ، فَأمَرَهم بِالصَّبْرِ الَّذِي هو جُمّاعُ الفَضائِلِ وخِصالُ الكَمالِ، ثُمَّ بِالمُصابَرَةِ وهي الصَّبْرُ في وجْهِ الصّابِرِ، وهَذا أشَدُّ الصَّبْرِ ثَباتًا في النَّفْسِ وأقْرَبُهُ إلى التَّزَلْزُلِ، وذَلِكَ أنَّ الصَّبْرَ في وجْهِ صابِرٍ آخَرَ شَدِيدٌ عَلى نَفْسِ الصّابِرِ لِما يُلاقِيهِ مِن مُقاوَمَةِ قِرْنٍ لَهُ في الصَّبْرِ قَدْ يُساوِيهِ أوْ يَفُوقُهُ، ثُمَّ إنَّ هَذا المُصابِرَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلى صَبْرِهِ حَتّى يَمَلَّ قِرْنُهُ فَإنَّهُ لا يَجْتَنِي مِن صَبْرِهِ شَيْئًا، لِأنَّ نَتِيجَةَ الصَّبْرِ تَكُونُ لِأطْوَلِ الصّابِرِينَ صَبْرًا، كَما قالَ زُفَرُ بْنُ الحارِثِ في اعْتِذارِهِ عَنِ الِانْهِزامِ:
سَقَيْناهُمُ كَأْسًا سَقَوْنا بِمِثْلِها ولَكِنَّهم كانُوا عَلى المَوْتِ أصْبَرا
فالمُصابَرَةُ هي سَبَبُ نَجاحِ الحَرْبِ كَما قالَ شاعِرُ العَرَبِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفِ اسْمُهُ:
لا أنْتَ مُعْتادٌ في الهَيْجا مُصابَرَةً ∗∗∗ يَصْلى بِها كُلُّ مَن عاداكَ نِيرانا
وقَوْلُهُ ورابِطُوا أمْرٌ لَهم بِالمُرابَطَةِ، وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ، وهو رَبْطُ الخَيْلِ لِلْحِراسَةِ عَنْ غَيْرِ الجِهادِ خَشْيَةَ أنْ يَفْجَأهُمُ العَدُوُّ، أمَرَ اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ لِيَكُونُوا دائِمًا عَلى حَذَرٍ مِن عَدُوِّهِمْ تَنْبِيهًا لَهم عَلى ما يَكِيدُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن مُفاجَأتِهِمْ عَلى غِرَّةٍ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم في وقْعَةِ الأحْزابِ فَلَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ بِالجِهادِ أمَرَهم بِأنْ يَكُونُوا بَعْدَ ذَلِكَ أيْقاظًا مِن عَدُوِّهِمْ. وفي كِتابِ الجِهادِ مِنَ البُخارِيِّ: بابُ فَضْلِ رِباطِ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ إلَخْ. وكانَتِ المُرابَطَةُ مَعْرُوفَةً في الجاهِلِيَّةِ وهي رَبْطُ الفَرَسِ لِلْحِراسَةِ في الثُّغُورِ أيِ الجِهاتِ الَّتِي يَسْتَطِيعُ العَدُوُّ الوُصُولَ مِنها إلى الحَيِّ مِثْلِ الشِّعابِ بَيْنَ الجِبالِ. وما رَأيْتُ مَن وصَفَ ذَلِكَ مِثْلَ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ إذْ قالَ:
ولَقَدْ حَمَيْتُ الحَيَّ تَحْمِلُ شِكَّتِي ∗∗∗ فُرُطٌ وِشاحِي إذْ غَدَوْتُ لِجامُها
فَعَلَوْتُ مُرْتَقَبًا عَلى ذِي هَبْوَةٍ ∗∗∗ حَرِجٍ إلى إعْلامِهِنَّ قَتامُها
حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ ∗∗∗ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها
صفحة ٢٠٩
فَذَكَرَ أنَّهُ حَرَسَ الحَيَّ عَلى مَكانٍ مُرْتَقَبٍ، أيْ عالٍ بِرَبْطِ فَرَسِهِ في الثَّغْرِ. وكانَ المُسْلِمُونَ يُرابِطُونَ في ثُغُورِ بِلادِ فارِسٍ والشّامِ والأنْدَلُسِ في البَرِّ، ثُمَّ لَمّا اتَّسَعَ سُلْطانُ الإسْلامِ وامْتَلَكُوا البِحارَ صارَ الرِّباطُ في ثُغُورِ البِحارِ وهي الشُّطُوطُ الَّتِي يُخْشى نُزُولُ العَدُوِّ مِنها: مِثْلَ رِباطِ المِنِسْتِيرِ بِتُونِسَ بِإفْرِيقِيَّةَ، ورِباطِ سَلا بِالمَغْرِبِ، ورُبُطِ تُونِسَ ومَحارِسِها: مِثْلِ مَحْرَسِ عَلِيِّ بْنِ سالِمٍ قُرْبَ صَفاقِسَ. فَأمَرَ اللَّهُ بِالرِّباطِ كَما أمَرَ بِالجِهادِ بِهَذا المَعْنى. وقَدْ خُفِيَ عَلى بَعْضِ المُفَسِّرِينَ فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِقَوْلِهِ ورابِطُوا إعْدادَ الخَيْلِ مَرْبُوطَةً لِلْجِهادِ، قالَ: ولَمْ يَكُنْ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ غَزْوٌ في الثُّغُورِ. وقالَ بَعْضُهم: أرادَ بِقَوْلِهِ ورابِطُوا انْتِظارَ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، لِما رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ ذَكَرَ انْتِظارَ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وقالَ: فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ» . ونُسِبَ هَذا لِأبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والحَقُّ أنَّ مَعْنى هَذا الحَدِيثِ عَلى التَّشْبِيهِ، كَقَوْلِهِ «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ» وقَوْلِهِ «لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَّوّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ»، أيْ وكَقَوْلِهِ ﷺ «رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» .
وأعْقَبَ هَذا الأمْرَ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى لِأنَّها جُمّاعُ الخَيْراتِ وبِها يُرْجى الفَلاحُ.
* * *
صفحة ٢١٠
صفحة ٢١١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النِّساءِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَلامِ السَّلَفِ سُورَةَ النِّساءِ؛ فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وسُورَةُ النِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَهُ» . وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وفي كُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ، ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ آخَرُ، لَكِنْ يُؤْخَذُ مِمّا رُوِيَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِن قَوْلِهِ ”لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ القُصْرى“ يَعْنِي سُورَةَ الطَّلاقِ أنَّها شارَكَتْ هَذِهِ السُّورَةَ في التَّسْمِيَةِ الطُّولى، ولَمْ أقِفْ عَلَيْهِ صَرِيحًا. ووَقَعَ في كِتابِ بَصائِرِ ذَوِي التَّمْيِيزِ لِلْفِيرُوزاباذِيِّ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تُسَمّى سُورَةَ النِّساءِ الكُبْرى، واسْمُ سُورَةِ الطَّلاقِ سُورَةُ النِّساءِ الصُّغْرى. ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ.
ووَجْهُ تَسْمِيَتِها بِإضافَةٍ إلى النِّساءِ أنَّها افْتُتِحَتْ بِأحْكامِ صِلَةِ الرَّحِمِ، ثُمَّ بِأحْكامٍ تَخُصُّ النِّساءَ، وأنَّ فِيها أحْكامًا كَثِيرَةً مِن أحْكامِ النِّساءِ: الأزْواجُ، والبَناتُ، وخُتِمَتْ بِأحْكامٍ تَخُصُّ النِّساءَ.
وكانَ ابْتِداءُ نُزُولِها بِالمَدِينَةِ، لِما صَحَّ «عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وسُورَةُ النِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَهُ» . وقَدْ عُلِمَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بَنى بِعائِشَةَ في المَدِينَةِ في شَوّالٍ، لِثَمانِ أشْهُرٍ خَلَتْ مِنَ الهِجْرَةِ، واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ سُورَةَ النِّساءِ نَزَلَتْ بَعْدَ البَقَرَةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ نُزُولُها مُتَأخِّرًا عَنِ الهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. والجُمْهُورُ قالُوا: نَزَلَتْ بَعْدَ آلِ عِمْرانَ، ومَعْلُومٌ أنَّ آلَ عِمْرانَ نَزَلَتْ في خِلالِ سَنَةِ ثَلاثٍ أيْ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، فَيَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ سُورَةُ النِّساءِ نَزَلَتْ بَعْدَها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ سُورَةُ البَقَرَةِ، ثُمَّ الأنْفالِ ثُمَّ آلِ عِمْرانَ، ثُمَّ سُورَةُ الأحْزابِ، ثُمَّ المُمْتَحَنَةِ، ثُمَّ النِّساءِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ تَكُونُ سُورَةُ النِّساءِ نازِلَةً بَعْدَ وقْعَةِ الأحْزابِ الَّتِي هي في أواخِرِ سَنَةِ أرْبَعٍ أوْ أوَّلِ سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وبَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ الَّذِي هو في سَنَةِ سِتٍّ حَيْثُ تَضَمَّنَتْ سُورَةُ
صفحة ٢١٢
Page 76
3:195
فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥
And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allāh, and Allāh has with Him the best reward."
3:196
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦
Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.
3:197
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧
[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.
3:198
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨
But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.
3:199
وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩٩
And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allāh and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allāh. They do not exchange the verses of Allāh for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allāh is swift in account.
3:200
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠
O you who have believed, persevere1 and endure2 and remain stationed3 and fear Allāh that you may be successful.