Ar-Rum 30:8
The Romans · Juz 21 · Page 405
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ ٨
Do they not contemplate within themselves?1 Allāh has not created the heavens and the earth and what is between them except in truth and for a specified term. And indeed, many of the people, in the meeting with their Lord, are disbelievers.
1 translator’s note
- An additional meaning is "Do they not contemplate concerning themselves." ↩
Tafsir · in Arabic
Ash-Shinqiti
Detailed
Change
Commentary on 30:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ .
(p-١٦٨)لَمّا بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ أكْثَرَ النّاسِ وهُمُ الكُفّارُ لا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، وهم غافِلُونَ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ غَفْلَتَهم عَنِ الآخِرَةِ، مَعَ شِدَّةِ وُضُوحِ أدِلَّتِها بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ، والتَّفَكُّرُ: التَّأمُّلُ والنَّظَرُ العَقْلِيُّ، وأصْلُهُ إعْمالُ الفِكْرِ، والمُتَأخِّرُونَ يَقُولُونَ: الفِكْرُ في الِاصْطِلاحِ حَرَكَةُ النَّفْسِ في المَعْقُولاتِ، وأمّا حَرَكَتُها في المَحْسُوساتِ فَهو في الِاصْطِلاحِ تَخْيِيلٌ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“: ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا كَأنَّهُ قِيلَ: أوَلَمْ يُحْدِثُوا التَّفَكُّرَ في أنْفُسِهِمْ، أيْ: في قُلُوبِهِمُ الفارِغَةِ مِنَ الفِكْرِ، والفِكْرُ لا يَكُونُ إلّا في القُلُوبِ، ولَكِنَّهُ زِيادَةُ تَصْوِيرٍ لِحالِ المُتَفَكِّرِينَ؛ كَقَوْلِكَ: اعْتَقَدَهُ في قَلْبِكَ وأضْمِرْهُ في نَفْسِكَ وأنْ يَكُونَ صِلَةً لِلتَّفَكُّرِ كَقَوْلِكَ: تَفَكَّرَ في الأمْرِ أجالَ فِيهِ فِكْرَهُ، و ما خَلَقَ مُتَعَلِّقٌ بِالقَوْلِ المَحْذُوفِ، مَعْناهُ: أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فَيَقُولُوا هَذا القَوْلَ. وقِيلَ مَعْناهُ: فَيَعْلَمُوا، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ ﴿إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾، أيْ: ما خَلَقَها باطِلًا وعَبَثًا بِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ، وحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، ولا لِتَبْقى خالِدَةً، وإنَّما خَلَقَها مَقْرُونَةً بِالحَقِّ، مَصْحُوبَةً بِالحِكْمَةِ، وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى لا بُدَّ لَها أنْ تَنْتَهِيَ إلَيْهِ، وهو قِيامُ السّاعَةِ، ووَقْتُ الحِسابِ والثَّوابِ والعِقابِ.
ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، كَيْفَ سَمّى تَرْكَهم غَيْرَ راجِعِينَ إلَيْهِ عَبَثًا، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا بِالحَقِّ﴾ مِثْلُها في قَوْلِكَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِثِيابِ السَّفَرِ، واشْتَرى الفَرَسَ بِسَرْجِهِ ولِجامِهِ، تُرِيدُ: اشْتَراهُ وهو مُتَلَبِّسٌ بِالسَّرْجِ واللِّجامِ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْها، وكَذَلِكَ المَعْنى: ما خَلَقَها إلّا وهي مُتَلَبِّسَةٌ بِالحَقِّ مُقْتَرِنَةٌ بِهِ.
فَإنْ قُلْتَ: إذا جُعِلَتْ في أنْفُسِهِمْ صِلَةٌ لِلتَّفَكُّرِ فَما مَعْناهُ ؟ .
قُلْتُ: مَعْناهُ أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمُ الَّتِي هي أقْرَبُ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِها مِنَ المَخْلُوقاتِ، وهم أعْلَمُ وأخْبَرُ بِأحْوالِها مِنهم بِأحْوالِ ما عَداها، فَتَدَبَّرُوا ما أوْدَعَها اللَّهُ ظاهِرًا وباطِنًا، مِن غَرائِبِ الحِكَمِ الدّالَّةِ عَلى التَّدْبِيرِ دُونَ الإهْمالِ، وأنَّهُ لا بُدَّ لَها مِنَ انْتِهاءٍ إلى وقْتٍ يُجازِيها فِيهِ الحَكَمُ الَّذِي دَبَّرَ أمْرَها عَلى الإحْسانِ إحْسانًا، وعَلى الإساءَةِ مِثْلَها، حَتّى يَعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أنَّ سائِرَ الخَلائِقِ كَذَلِكَ أمْرُها جارٍ عَلى الحِكْمَةِ والتَّدْبِيرِ وأنَّهُ لا بُدَّ (p-١٦٩)لَها مِنَ الِانْتِهاءِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، والمُرادُ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ: الأجَلُ المُسَمّى، انْتَهى كَلامُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“، في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِلسَّماواتِ والأرْضِ، وما بَيْنَهُما لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ باطِلًا ولا عَبَثًا، بَلْ ما خَلَقَهُما إلّا بِالحَقِّ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ خَلَقَهُما عَبَثًا لَكانَ ذَلِكَ العَبَثُ باطِلًا ولَعِبًا، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَلْ ما خَلَقَهُما وخَلَقَ جَمِيعَ ما فِيهِما وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ، وذَلِكَ أنَّهُ يَخْلُقُ فِيهِما الخَلائِقَ، ويُكَلِّفُهم فَيَأْمُرُهم، ويَنْهاهم، ويَعِدُهم ويُوعِدُهم، حَتّى إذا انْتَهى الأجَلُ المُسَمّى لِذَلِكَ بَعَثَ الخَلائِقَ، وجازاهم فَيُظْهِرُ في المُؤْمِنِينَ صِفاتِ رَحْمَتِهِ ولُطْفِهِ وجُودِهِ وكَرَمِهِ وسَعَةِ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، وتَظْهَرُ في الكافِرِينَ صِفاتُ عَظْمَتِهِ، وشَدَّةُ بَطْشِهِ، وعِظَمُ نَكالِهِ، وشَدَّةُ عَدْلِهِ وإنْصافُهُ، دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٣٨ - ٤٠]، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ﴾ الآيَةَ، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾، يُبَيِّنُ ما ذَكَرْنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ .
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ يُوَضِّحُ ذَلِكَ، وقَدْ أوْضَحَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] .
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهُ خَلَقَهُما باطِلًا لا لِحِكْمَةٍ الكُفّارُ، وهَدَّدَهم عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ الكاذِبِ بِالوَيْلِ مِنَ النّارِ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]، وبَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْعَثِ الخَلائِقَ ويُجازِهِمْ، لَكانَ خَلْقُهُ لَهم أوَّلًا عَبَثًا، ونَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ العَبَثِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ عُلُوًّا كَبِيرًا؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] .
فَهَذِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا بِالحَقِّ، وأنَّهُ لا بُدَّ (p-١٧٠)باعِثُهم، ومُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وإنْ كانَ أكْثَرُ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ هَذا، فَكانُوا غافِلِينَ عَنِ الآخِرَةِ، كافِرِينَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في الآياتِ المَذْكُورَةِ: وما بَيْنَهُما، أيْ: ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، يَدْخُلُ فِيهِ السَّحابُ المُسَخَّرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والطَّيْرُ صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ والهَواءُ الَّذِي لا غِنى لِلْحَيَوانِ عَنِ اسْتِنْشاقِهِ.
Page 405
30:6
وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦
[It is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in His promise, but most of the people do not know.
30:7
يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧
They know what is apparent of the worldly life, but they, of the Hereafter, are unaware.
30:8
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ ٨
Do they not contemplate within themselves?1 Allāh has not created the heavens and the earth and what is between them except in truth and for a specified term. And indeed, many of the people, in the meeting with their Lord, are disbelievers.
1 translator’s note
- An additional meaning is "Do they not contemplate concerning themselves." ↩
30:9
أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩
Have they not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? They were greater than them in power, and they plowed [or excavated] the earth and built it up more than they [i.e., the Makkans] have built it up, and their messengers came to them with clear evidences. And Allāh would not ever have wronged them, but they were wronging themselves.
30:10
ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
Then the end of those who did evil was the worst [consequence] because they denied the signs of Allāh and used to ridicule them.
30:11
ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١
Allāh begins creation; then He will repeat it; then to Him you will be returned.
30:12
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٢
And the Day the Hour appears the criminals will be in despair.
30:13
وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ ١٣
And there will not be for them among their [alleged] partners any intercessors, and they will [then] be disbelievers in their partners.
30:14
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ ١٤
And the Day the Hour appears - that Day they will become separated.
30:15
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ ١٥
And as for those who had believed and done righteous deeds, they will be in a garden [of Paradise], delighted.