As-Sajdah 32:26
The Prostration · Juz 21 · Page 417
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦
Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 32:26
﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ أفَلا يَسْمَعُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢]، ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّذْكِيرُ مُتَّصِلًا كَقَوْلِهِ (﴿وقالُوا أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠]) كانَ الهَدْيُ، أيِ العِلْمُ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ شامِلًا لِلْهَدْيِ إلى دَلِيلِ البَعْثِ وإلى دَلِيلِ العِقابِ عَلى الإعْراضِ عَنِ التَّذْكِيرِ فَأفادَ قَوْلُهُ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِنَ القُرُونِ﴾ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: إهْلاكُ أُمَمٍ كانُوا قَبْلَهم فَجاءَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ بَعْدَهم، وذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِلْبَعْثِ وتَقْرِيبٌ لِإمْكانِهِ. وثانِيهِما: إهْلاكُ أُمَمٍ كَذَّبُوا رُسُلَهم فَفِيهِمْ عِبْرَةٌ لَهم أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ هم لَمْ يَهْتَدُوا بِدَلائِلِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ الَّتِي جاءَهم بِها القُرْآنُ فَأعْرَضُوا عَنْها ولا اتَّعَظُوا بِمَصارِعِ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا أنْبِياءَهم وفي مَهْلِكِهِمْ آياتٌ تَزْجُرُ أمْثالَهم عَنِ السُّلُوكِ فِيما سَلَكُوهُ.
فَضَمِيرُ لَهم عائِدٌ إلى المُجْرِمِينَ أوْ إلى مَن ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ، ويَهْدِ مِنَ الهِدايَةِ وهي الدَّلالَةُ والإرْشادُ، يُقالُ: هَداهُ إلى كَذا.
وضُمِّنَ فِعْلُ يَهْدِ مَعْنى يُبَيِّنُ، فَعُدِّيَ بِاللّامِ فَأفادَ هِدايَةً واضِحَةً بَيِّنَةً. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ﴾ [الأعراف: ١٠٠] في سُورَةِ الأعْرافِ. واخْتِيرَ فِعْلُ الهِدايَةِ في هَذِهِ الآيَةِ لِإرادَةِ الدَّلالَةِ الجامِعَةِ لِلْمُشاهَدَةِ ولِسَماعِ أخْبارِ تِلْكَ الأُمَمِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ في آخِرِها أفَلا يَسْمَعُونَ، ولِأنَّ كَثْرَةَ
صفحة ٢٤٠
ذَلِكَ المُسْتَفادَةَ مِن كَمِ الخَبَرِيَّةِ إنَّما تَحْصُلُ بِتَرْتِيبِ الِاسْتِدْلالِ في تَواتُرِ الأخْبارِ ولا تَحْصُلُ دُفْعَةً كَما تَحْصُلُ دَلالَةُ المُشاهَداتِ.
وفاعِلُ يَهْدِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ كَمِ الخَبَرِيَّةُ مِن مَعْنى الكَثْرَةِ: ولا يَجُوزُ عِنْدَ الجُمْهُورِ جَعْلُ كَمْ فاعِلَ يَهْدِ لِأنَّ كَمِ الخَبَرِيَّةَ اسْمٌ لَهُ الصَّدارَةُ في الِاسْتِعْمالِ إذْ أصْلُهُ اسْتِفْهامٌ فَتُوُسِّعَ فِيهِ.
ويَجُوزُ جَعْلُ كَمْ فاعِلًا عِنْدَ مَن لَمْ يَشْتَرِطُوا أنْ تَكُونَ كَمِ الخَبَرِيَّةُ في صَدْرِ الكَلامِ. وجُوِّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ جُمْلَةَ كَمْ أهْلَكْنا عَلى مَعْنى الحِكايَةِ لِهَذا القَوْلِ، كَما يُقالُ: تَعْصِمُ (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ) الدِّماءَ والأمْوالَ، أيْ هَذِهِ الكَلِمَةُ أيِ النُّطْقُ بِها لِتَقَلُّدِ الإسْلامِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلَ ضَمِيرُ الجَلالَةِ دالًّا عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ ألَمْ يَهْدِ اللَّهُ لَهم فَإنَّ اللَّهَ بَيَّنَ لَهم ذَلِكَ وذَكَّرَهم بِمَصارِعِ المُكَذِّبِينَ، وتَكُونَ جُمْلَةُ كَمْ أهْلَكْنا عَلى هَذا اسْتِئْنافًا، وتَقَدَّمَ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] في أوَّلِ الأنْعامِ.
ونِيطَ الِاسْتِدْلالُ هُنا بِالكَثْرَةِ الَّتِي أفادَتْها كَمِ الخَبَرِيَّةُ لِأنَّ تَكَرُّرَ حُدُوثِ القُرُونِ وزَوالِها أقْوى دَلالَةً مِن مُشاهَدَةِ آثارِ أُمَّةٍ واحِدَةٍ.
و﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ أوَلَمْ يَرَوْا والمَعْنى: أنَّهم يَمُرُّونَ عَلى المَواضِعِ الَّتِي فِيها بَقايا مَساكِنِهِمْ مِثْلَ حِجْرِ ثَمُودَ ودِيارِ مَدْيَنَ فَتُعَضِّدُ مُشاهَدَةُ مَساكِنِهِمُ الأخْبارَ الوارِدَةَ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ وهي دَلائِلُ إمْكانِ البَعْثِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠] ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم فِيما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]، ودَلائِلُ ما يَحِيقُ بِالمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ؛ وفي كُلِّ أُمَّةٍ ومَوْطِنٍ دَلائِلُ كَثِيرَةٌ مُتَماثِلَةٌ أوْ مُتَخالِفَةٌ.
ولَمّا كانَ الَّذِي يُؤْثَرُ مِن أخْبارِ تِلْكَ الأُمَمِ وتَقَلُّباتِ أحْوالِها وزَوالِ قُوَّتِها ورَفاهِيَتِها أشَدَّ دَلالَةً ومَوْعِظَةً لِلْمُشْرِكِينَ - فُرِّعَ عَلَيْهِ أفَلا يَسْمَعُونَ اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا مَشُوبًا بِتَوْبِيخٍ لِأنَّ اجْتِلابَ المُضارِعِ وهو يَسْمَعُونَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ اسْتِماعَ أخْبارِ تِلْكَ الأُمَمِ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ فَيَكُونُ التَّوْبِيخُ عَلى الإقْرارِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ أوْقَعَ، بِخِلافِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ أفَلا يُبْصِرُونَ. وقَدْ شاعَ تَوْجِيهُ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ إلى المَنفِيِّ، وتَقَدَّمَ
صفحة ٢٤١
عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨] في سُورَةِ الأعْرافِ.
Page 417
32:21
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١
And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].
1 translator’s note
- i.e., the disasters and calamities of this world. ↩
32:22
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.
32:23
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣
And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.
1 translator’s note
- i.e., Muḥammad's meeting Moses on the night of al-Miʿrāj (ascent). ↩
32:24
وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤
And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.
32:25
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥
Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
32:26
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦
Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?
32:27
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧
Have they not seen that We drive water [in clouds] to barren land and bring forth thereby crops from which their livestock eat and [they] themselves? Then do they not see?
32:28
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٨
And they say, "When will be this conquest,1 if you should be truthful?"
1 translator’s note
- Or "decision," i.e., judgement. ↩
32:29
قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٢٩
Say, [O Muḥammad], "On the Day of Conquest the belief of those who had disbelieved will not benefit them, nor will they be reprieved."
32:30
فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠
So turn away from them and wait. Indeed, they are waiting.