Sad 38:43
The Letter "Saad" · Juz 23 · Page 456
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣
And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 38:42–44
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَفْظُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ النُّصْبَ والعَذابَ إنَّما حَصَلَ مِنَ الشَّيْطانِ ثُمَّ ذَلِكَ العَذابُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ عِبارَةٌ عَمّا حَصَلَ في بَدَنِهِ مِنَ الأمْراضِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي عِبارَةٌ عَنِ الأحْزانِ الحاصِلَةِ في قَلْبِهِ بِسَبَبِ إلْقاءِ الوَساوِسِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ إثْباتُ الفِعْلِ لِلشَّيْطانِ، وأجابَ أصْحابُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِأنّا لا نُنْكِرُ إثْباتَ الفِعْلِ لِلشَّيْطانِ، لَكِنّا نَقُولُ: فِعْلُ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى التَّفْصِيلِ المَعْلُومِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ لَمّا شَكى مِنَ الشَّيْطانِ، فَكَأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُزِيلَ عَنْهُ تِلْكَ البَلِيَّةَ فَأجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِ بِأنْ قالَ لَهُ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ والرَّكْضُ هو الدَّفْعُ القَوِيُّ بِالرِّجْلِ، ومِنهُ رَكْضُكَ الفَرَسَ، والتَّقْدِيرُ: قُلْنا لَهُ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، قِيلَ إنَّهُ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ تِلْكَ الأرْضَ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقِيلَ: ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ أيْ هَذا ماءٌ تَغْتَسِلُ بِهِ فَيَبْرَأُ باطِنُكَ، وظاهِرُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ نَبَعَتْ لَهُ عَيْنٌ واحِدَةٌ مِنَ الماءِ اغْتَسَلَ فِيهِ وشَرِبَ مِنهُ.
والمُفَسِّرُونَ قالُوا نَبَعَتْ لَهُ عَيْنانِ فاغْتَسَلَ مِن إحْداهُما وشَرِبَ مِنَ الأُخْرى، فَذَهَبَ الدّاءُ مِن ظاهِرِهِ ومِن باطِنِهِ بِإذْنِ اللَّهِ، وقِيلَ ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ فاغْتَسَلَ مِنها ثُمَّ بِاليُسْرى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ﴾ فَقَدْ قِيلَ هم عَيْنُ أهْلِهِ وزِيادَةُ مَثَلِهِمْ، وقِيلَ غَيْرُهم مِثْلُهم، والأوَّلُ أوْلى لِأنَّهُ هو الظّاهِرُ فَلا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ أزَلْنا عَنْهُمُ السَّقَمَ فَعادُوا أصِحّاءَ، وقالَ بَعْضُهم: بَلْ حَضَرُوا عِنْدَهُ بَعْدَ أنْ غابُوا عَنْهُ واجْتَمَعُوا بَعْدَ أنْ تَفَرَّقُوا. وقالَ بَعْضُهم: بَلْ تَمَكَّنَ مِنهم وتَمَكَّنُوا مِنهُ فِيما يَتَّصِلُ بِالعِشْرَةِ وبِالخِدْمَةِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ فالأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى مَتَّعَهُ بِصِحَّتِهِ وبِمالِهِ وقَوّاهُ حَتّى كَثُرَ نَسْلُهُ وصارَ أهْلُهُ ضِعْفَ ما كانَ وأضْعافَ ذَلِكَ، وقالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: المُرادُ بِهِبَةِ الأهْلِ أنَّهُ تَعالى أحْياهم بَعْدَ أنْ هَلَكُوا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ إنَّما فَعَلْنا كُلَّ هَذِهِ الأفْعالِ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، لا عَلى سَبِيلِ اللُّزُومِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي سَلَّطْنا البَلاءَ عَلَيْهِ أوَّلًا فَصَبَرَ ثُمَّ أزَلْنا عَنْهُ البَلاءَ وأوْصَلْناهُ إلى
صفحة ١٨٨
الآلاءِ والنَّعْماءِ، تَنْبِيهًا لِأُولِي الألْبابِ عَلى أنَّ مَن صَبَرَ ظَفَرَ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى ما وقَعَ ابْتِداءُ الكَلامِ بِهِ وهو قَوْلُهُ لِمُحَمَّدٍ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ يَعْنِي إنَّما فَعَلْناها لِهَذِهِ الأغْراضِ والمَقاصِدِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أفْعالَ اللَّهِ وأحْكامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِالأغْراضِ والمَصالِحِ والكَلامُ في هَذا البابِ قَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ”ارْكُضْ“، والضِّغْثُ الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ يَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ يَمِينٍ مِنهُ، وفي الخَبَرِ أنَّهُ حَلَفَ عَلى أهْلِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ حَلَفَ عَلَيْها، ويَبْعُدُ ما قِيلَ إنَّها رَغَّبَتْهُ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، ويَبْعُدُ أيْضًا ما رُوِيَ أنَّها قَطَعَتِ الذَّوائِبَ عَنْ رَأْسِها لِأنَّ المُضْطَرَّ إلى الطَّعامِ يُباحُ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ الأقْرَبُ أنَّها خالَفَتْهُ في بَعْضِ المُهِمّاتِ، وذَلِكَ أنَّها ذَهَبَتْ في بَعْضِ المُهِمّاتِ فَأبْطَأتْ فَحَلَفَ في مَرَضِهِ لِيَضْرِبَنَّها مِائَةً إذا بَرِئَ، ولَمّا كانَتِ حَسَنَةَ الخِدْمَةِ لَهُ لا جَرَمَ حَلَّلَ اللَّهُ يَمِينَهُ بِأهْوَنِ شَيْءٍ عَلَيْهِ وعَلَيْها، وهَذِهِ الرُّخْصَةُ باقِيَةٌ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أُتِيَ بِمُجَذَّمٍ خَبَثَ بِأمَةٍ فَقالَ: ”«خُذُوا عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ فاضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً» “ .
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ وجَدَهُ صابِرًا وقَدْ شَكى إلَيْهِ، والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ اشْتَكى مِنَ الشَّيْطانِ إلَيْهِ وما شَكى مِنهُ إلى أحَدٍ.
الثّانِي: أنَّ الألَمَ حِينَ كانَ عَلى الجَسَدِ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، فَلَمّا عَظُمَتِ الوَساوِسُ خافَ عَلى القَلْبِ والدِّينِ فَتَضَرَّعَ.
الثّالِثُ: أنَّ الشَّيْطانَ عَدُوٌّ، والشِّكايَةُ مِنَ العَدُوِّ إلى الحَبِيبِ لا تَقْدَحُ في الصَّبْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَشْرِيفَ ”نِعْمَ العَبْدُ“ إنَّما حَصَلَ لِكَوْنِهِ أوّابًا، وسَمِعْتُ بَعْضَهم قالَ: لَما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ في حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ تارَةً، وفي حَقِّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُخْرى عَظُمَ الغَمُّ في قُلُوبِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ في حَقِّ سُلَيْمانَ تَشْرِيفٌ عَظِيمٌ، فَإنِ احْتَجْنا إلى اتِّفاقِ مَمْلَكَةٍ مِثْلِ مَمْلَكَةِ سُلَيْمانَ حَتّى نَجِدَ هَذا التَّشْرِيفَ لَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، وإنِ احْتَجْنا إلى تَحَمُّلِ بَلاءٍ مِثْلِ أيُّوبَ لَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ السَّبِيلُ إلى تَحْصِيلِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنْفالِ: ٤٠] والمُرادُ أنَّكَ إنْ لَمْ تَكُنْ ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ فَأنا ﴿نِعْمَ المَوْلى﴾ [الأنْفالِ: ٤٠] وإنْ كانَ مِنكَ الفُضُولُ، فَمِنِّي الفَضْلُ، وإنْ كانَ مِنكَ التَّقْصِيرُ، فَمِنِّي الرَّحْمَةُ والتَّيْسِيرُ.
Page 456
38:43
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣
And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.
38:44
وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤
[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].
1 translator’s note
- At a point during his illness, Job became angry with his wife and swore that if he recovered, he would punish her with one hundred lashes. According to Allāh's instruction, the oath was fulfilled by striking her once with one hundred blades of grass. ↩
38:45
وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥
And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.
38:46
إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦
Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].
38:47
وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧
And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.
38:48
وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨
And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.
38:49
هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩
This is a reminder. And indeed, for the righteous is a good place of return -
38:50
جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠
Gardens of perpetual residence, whose doors will be opened to them.
38:51
مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١
Reclining within them, they will call therein for abundant fruit and drink.
38:52
۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢
And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.
1 translator’s note
- To their mates alone. ↩
38:53
هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٥٣
This is what you, [the righteous], are promised for the Day of Account.
38:54
إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ ٥٤
Indeed, this is Our provision; for it there is no depletion.
38:55
هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ ٥٥
This [is so]. But indeed, for the transgressors is an evil place of return -
38:56
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٥٦
Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the resting place.
38:57
هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ ٥٧
This - so let them taste it - is scalding water and [foul] purulence.
38:58
وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ ٥٨
And other [punishments] of its type [in various] kinds.
38:59
هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ ٥٩
[Its inhabitants will say], "This is a company bursting in with you. No welcome for them. Indeed, they will burn in the Fire."
38:60
قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٦٠
They will say, "Nor you! No welcome for you. You, [our leaders], brought this upon us, and wretched is the settlement."
38:61
قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ ٦١
They will say, "Our Lord, whoever brought this upon us - increase for him double punishment in the Fire."