An-Nisa 4:174
The Women · Juz 6 · Page 105
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤
O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.1
1 translator’s note
- Showing the truth (i.e., the Qur’ān). ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Uthaymin
Detailed
Change
Commentary on 4:174
ثم قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ إلى آخره [النساء: ١٧٤، ١٧٥].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الخطاب هنا بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ لإفادة أن رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عامة، لا تختص بقوم دون قوم؛ فالناس كلهم مخاطبون بشريعة النبي ﷺ حتى اليهود والنصارى مخاطَبون بذلك.
وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ الجملة هنا مؤكدة بكم مؤكد؟ مؤكد واحد، وهي (قد)، وقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البرهان هو الدليل، والمراد به الآيات التي جاءت بها الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأعظم آية جاء بها الرسول آية النبي ﷺ؛ وهي القرآن الكريم الذي بقي آية للرسول إلى أن يأذن الله تعالى بخراب العالم.
وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الربوبية هنا ربوبية بالمعنى الأخص؛ لأن كونه عز وجل يمن علينا بالآيات البينات القاطعة لا شك أن هذا من مقتضى الربوبية الخاصة فهو سبحانه وتعالى رب الجميع، لكن هناك ربوبية خاصة يمن الله بها على من يشاء من عباده.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا﴾ يعني به القرآن، والنور ضد الظلمة، وهل هو نور معنوي أو حسي؟ هو نور معنوي لا شك؛ لأنه به يستنير القلب والوجه والقبر والبعث؛ فالقرآن كله نور، لكنه يحتاج إلى تأمّل وتدبّر لمعانيه وعمل به.
﴿نُورًا مُبِينًا﴾ كلمة (مبين) ذكرنا -فيما سبق- أنها تصلح أن تكون بمعنى أيش؟ بَيّن، وبمعنى مُظهر؛ وذلك لأنها مشتقة من (أبان)، وأبان تصلح متعدية ولازمة فتقول: أبان لي الطريق، وحينئذٍ تكون أيش؟ أبان لي الطريق، متعدية، وتقول: أبان الفجر، بمعنى (طلع)، هذه لازمة، وعلى هذا فكلمة ﴿مُبِينًا﴾ يصح أن تفسّرها بأنه مبين لغيره، وبأنه بَيّن في نفسه، وهل يتنافى المعنيان؟
الجواب: لا، وقد مر علينا القاعدة المهمة الأصيلة؛ أنه متى كانت النصوص من القرآن والسنة تحتمل معنيين لا مرجّح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما وجب حمْل النص على المعنيين جميعًا.
* في هذه الآية الكريمة فوائد منها: أن القرآن الكريم نازِل لجميع الخلق؛ لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ويترتب على هذا عموم رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على من لم يعرف اللغة العربية أن يتعلّمها ليتوصل إلى الاستفادة من القرآن؛ لقوله: ﴿بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. ومن المعلوم أنك لو تلوته على رجل أعجمي فكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] لأنهم لا يعرفونه، ولا يتذوقّون طعمه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الربوبية، وأن إرسال الرسل وإنزال الكتب من مقتضى أيش؟ ربوبيته؛ لقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن القرآن الكريم نور، ولكن -يا إخواني- لا يتذوق ذلك، أو لا يشاهد ذلك إلا من جمع بين أمرين: الأول: التدبر، والثاني: التذكر؛ دليل هذا قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ لأي غرض؟
* طالب: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ هذه واحدة، ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، فمن تدبر الآيات، وسلم من الهوى، وسلم من تحريف الأدلة، واتعظ بما فيها فإنه سيجد نورًا عظيمًا في قلبه ويُكشف له من العلوم ما لا يُكشف لغيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم فيه بيان كل شيء؛ لأن النور لا بد أن تستبين به الأشياء كالنهار إذا طلع بانت به الأشياء، وكالحجرة إذا أسرجتها فإنها لا بد أن يبين بها ما كان خافيًا، فالقرآن تبيان لكل شيء، ولكن قد يخفى البيان؛ إما لقلة الإيمان، وإما لقلة العلم، وإما لقصور الفهم، وإما لسوء القصد، وإلا فإن القرآن بين ونور لكل أحد، لكن قد يكون عند الإنسان ضعف إيمان؛ بمعنى أنه لا يثق أن القرآن فيه تبيان كل شيء، أو يكون قاصر العلم، ليس عنده أداة يتمكن بها من استنباط الأحكام من الأدلة، ومن ثَمَّ صِرنا محتاجين إلى تعلّم أصول الفقه، وإما أن يكون من قصور الفهم، يكون إنسان عنده علم وعنده تدبّر، لكن ما يفهم، والناس يختلفون في هذا اختلافًا عظيمًا؛ تجد بعض الناس يستطيع أن يستنبط من الآية أو الحديث فوائد كثيرة لا يستنبط غيره من ذلك إلا قليلًا بالنسبة له، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولهذا لما سُئلَ عليُّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه: هل خصَّكمُ النبيُّ ﷺ بشيءٍ؟ -يعني وأوصى إليكم- «قال: لا والذي فَلَقَ الحبةَ وبرَأَ النسمةَ إلا فهْمًا يُؤتيه اللهُ أحدًا في كتابه » -شوف إلا فهمًا يؤتيه الله أحدًا في كتابه- «وما في هذه الصحيفةِ؟» -قالوا: ما الذي فيها؟- «قال: العَقْلُ، وفِكَاكُ الأسيرِ، وألا يُقتلَ مسلمٌ بكافرٍ»[[أخرجه البخاري (٦٩٠٣) من حديث علي بن أبي طالب. ]].
فالشاهد من هذا الأثر قوله: فهمًا يؤتيه الله من يشاء، وأنت إذا تأملت كلام العلماء -رحمهم الله- وجدت الفرق العظيم بينهم في الفهم؛ تجد مثلًا هذا العالم يشرح حديثًا، ثم يستنبط منه عشرين فائدة، وآخر يشرحه ولا يستنبط إلا خمس أو أربع فوائد، وكذلك في الآيات.
الرابع: سوء القصد، يكون الإنسان عنده علم واطلاع وفهم، لكن قصده سيئ، يُطالع الكتاب ويطالع السنة من أجل أن ينتصر لقوله وإن كان يعلم أنه باطل، نسأل الله العافية، وهذا سيئ القصد، هذا يحرم الوصول إلى المقصود.
Page 105
4:171
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ١٧١
O People of the Scripture, do not commit excess in your religion1 or say about Allāh except the truth. The Messiah, Jesus the son of Mary, was but a messenger of Allāh and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allāh and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allāh is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
1 translator’s note
- Such as attributing divine qualities to certain creations of Allāh or revering them excessively. ↩
4:172
لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ١٧٢
Never would the Messiah disdain to be a servant of Allāh, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.
4:173
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧٣
And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allāh any protector or helper.
4:174
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤
O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.1
1 translator’s note
- Showing the truth (i.e., the Qur’ān). ↩
4:175
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ١٧٥
So those who believe in Allāh and hold fast to Him - He will admit them to mercy from Himself and bounty and guide them to Himself on a straight path.