An-Nisa 4:96
The Women · Juz 5 · Page 94
دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦
Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Atiyya
Detailed
Change
Commentary on 4:95–96
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلا وعَدَ اللهِ الحُسْنى وفَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
فِي قَوْلِهِ: "لا يَسْتَوِي" إبْهامٌ عَلى السامِعِ هو أبْلَغُ مِن تَحْدِيدِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَيْنَ المُجاهِدِ والقاعِدِ، فالمُتَأمِّلُ يَمْشِي مَعَ فِكْرَتِهِ، ولا يَزالُ يَتَخَيَّلُ الدَرَجاتِ بَيْنَهُما.
و"القاعِدُونَ" عِبارَةٌ عَنِ المُتَخَلِّفِينَ، إذِ القُعُودُ هَيْئَةُ مَن لا يَتَحَرَّكُ إلى الأمْرِ المَقْعُودِ عنهُ في الأغْلَبِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ" بِرَفْعِ الراءِ مِن "غَيْرُ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ "غَيْرَ" بِالنَصْبِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، فَرُوِيَ عنهُ الرَفْعُ والنَصْبُ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "غَيْرِ" بِكَسْرِ الراءِ، فَمَن رَفَعَ جَعَلَ "غَيْرُ" صِفَةً لِلْقاعِدِينَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، كَما هي عِنْدَهُ صِفَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "غَيْرِ المَغْضُوبِ"﴾ [الفاتحة: ٧] بِجَرِّ "غَيْرِ" صِفَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎ وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى غَيْرُ الجَمَلْ
(p-٦٣٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كَذا ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ، ويُرْوى: "لَيْسَ الجَمَلْ". ومَن قَرَأ بِنَصْبِ الراءِ جَعَلَهُ اسْتِثْناءً مِنَ "القاعِدِينَ"، قالَ أبُو الحَسَنِ: ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَها عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ والِاسْتِدْراكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ يَتَحَصَّلُ الِاسْتِدْراكُ بِتَخْصِيصِ القاعِدِينَ بِالصِفَةِ، قالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أيْضًا في قِراءَةِ الرَفْعِ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ والمُجاهِدُونَ إلّا أُولُو الضَرَرِ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَرْدُودٌ، لِأنَّ أُولِي الضَرَرِ لا يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، وغايَتُهم أنْ خَرَجُوا مِنَ التَوْبِيخِ والمَذَمَّةِ الَّتِي لَزِمَتِ القاعِدِينَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، قالَ: ويَجُوزُ في قِراءَةِ نَصْبِ الراءِ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِ، وأمّا كَسْرُ الراءِ فَعَلى الصِفَةِ مِنَ "المُؤْمِنِينَ".
ورُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ حِينَ سَمِعَها فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ مِن رُخْصَةٍ فَإنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ؟ فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾، قالَ الفِلَّقانُ بْنُ عاصِمٍ: كُنّا قُعُودًا عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ، وكانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ دامَ بَصَرُهُ مَفْتُوحَةً عَيْناهُ، وفَرَغَ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ لِما يَأْتِيهِ مِنَ اللهِ، وكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ في وجْهِهِ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: فَقامَ الأعْمى فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما ذَنْبُنا؟ قالَ: فَأنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ، فَقُلْنا لِلْأعْمى: إنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قالَ: فَخافَ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ شَيْءٌ فَبَقِيَ قائِمًا مَكانَهُ يَقُولُ: "أتُوبُ إلى رَسُولِ اللهِ" حَتّى فَرَغَ رَسُولُ اللهِ، فَقالَ لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾ ؛» وأُولُو الضَرَرِ هم أهْلُ الأعْذارِ إذْ قَدْ أضَرَّتْ بِهِمْ حَتّى مَنَعَتْهُمُ الجِهادَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ هي الغايَةُ في كَمالِ الجِهادِ، ولَمّا كانَ أهْلُ (p-٦٣٩)الدِيوانِ مُتَمَلِّكِينَ بِذَلِكَ العَطاءِ، يَصْرِفُونَ في الشَدائِدِ، وتَرُوعُهُمُ البُعُوثُ والأوامِرُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هم أعْظَمُ أجْرًا مِنَ المُتَطَوِّعِ، لِسُكُونِ جَأْشِهِ، ونِعْمَةِ بالِهِ في الصَوائِفِ الكِبارِ ونَحْوِها.
واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ المُظْهِرَةِ لِفَضْلِ المالِ مَن قالَ: إنَّ الغِنى أفْضَلُ مِنَ الفَقْرِ، وإنَّ مُتَعَلِّقَهُ بِها لَبَيِّنٌ. وفَسَّرَ الناسُ الآيَةَ عَلى أنَّ تَكْمِلَةَ التَفْضِيلِ فِيها بِالدَرَجَةِ، ثُمَّ بِالدَرَجاتِ إنَّما هو مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ وبَيانٌ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الفَضْلُ بِدَرَجَةٍ هو عَلى القاعِدِينَ مِن أهْلِ العُذْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لِأنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ بِنِيّاتِهِمْ، كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في غَزْوَةِ تَبُوكٍ: « "إنَّ بِالمَدِينَةِ رِجالًا ما قَطَعْنا وادِيًا ولا سَلَكْنا جَبَلًا ولا طَرِيقًا إلّا وهم مَعَنا، حَبَسَهُمُ العُذْرُ"،» قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ:. والتَفْضِيلُ بِالأجْرِ العَظِيمِ والدَرَجاتِ هو عَلى القاعِدِينَ مِن غَيْرِ أهْلِ العُذْرِ. و"الحُسْنى": الجَنَّةُ: وهي الَّتِي وُعِدَها المُؤْمِنُونَ، وكَذَلِكَ قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ.
وقالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ: الدَرَجاتُ هي دَرَجاتٌ في الجَنَّةِ، ما بَيْنَ الدَرَجَتَيْنِ حُضْرُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً، وقالَ بِهَذا القَوْلِ الطَبَرِيُّ ورَجَّحَهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الدَرَجاتُ في الآيَةِ هي السَبْعُ المَذْكُوراتُ في سُورَةِ [بَراءَةٍ]، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآياتُ، فَذَكَرَ فِيها المَوْطِئَ الغائِظَ لِلْكُفّارِ، والنَيْلَ مِنَ العَدُوِّ، والنَفَقَةَ الصَغِيرَةَ والكَبِيرَةَ، وقَطْعَ الأودِيَةِ والمَسافاتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ودَرَجاتُ الجِهادِ لَوْ حُصِرَتْ أكْثَرُ مِن هَذِهِ، لَكِنْ يَجْمَعُها بَذْلُ النَفْسِ والمالِ، (p-٦٤٠)والِاعْتِمالُ بِالبَدَنِ والمالِ في أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا، ولا شَكَّ أنَّ بِحَسَبِ مَراتِبِ الأعْمالِ ودَرَجاتِها تَكُونُ مَراتِبُ الجَنَّةِ ودَرَجاتُها، فالأقْوالُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ، وباقِي الآيَةِ وعْدٌ كَرِيمٌ وتَأْنِيسٌ.
ونَصْبُ "دَرَجاتٍ" إمّا عَلى البَدَلِ مِنَ الأجْرِ، وإمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ عَلى أنْ تَكُونَ تَأْكِيدًا لِلْأجْرِ، كَما تَقُولُ: "لَكَ عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ عُرْفًا"، كَأنَّكَ قُلْتَ: أعْرِفُها عُرْفًا.
Page 94
4:95
لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥
Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -
4:96
دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦
Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.
4:97
إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧
Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves1 - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." They [the angels] will say, "Was not the earth of Allāh spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.
1 translator’s note
- By preferring to remain among the disbelievers, although they have the means to emigrate, in an environment where a Muslim is unable to practice his religion freely. ↩
4:98
إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨
Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way1 -
1 translator’s note
- They are prevented by circumstances beyond their control. ↩
4:99
فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا ٩٩
For those it is expected that Allāh will pardon them, and Allāh is ever Pardoning1 and Forgiving.
1 translator’s note
- Refer to footnote in 4:43. ↩
4:100
۞ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠
And whoever emigrates for the cause of Allāh will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allāh and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allāh. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.
4:101
وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ١٠١
And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer,1 [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you.2 Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.