Ghafir 40:15
The Forgiver · Juz 24 · Page 468
رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥
[He is] the Exalted above [all] degrees, Owner of the Throne; He places the inspiration of His command [i.e., revelation] upon whom He wills of His servants to warn of the Day of Meeting.
Tafsir · in Arabic
Al-Biqa'i
Detailed
Change
Commentary on 40:15
ولَمّا كانَ الإخْلاصُ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ رَفَعَهُ إشْراقُ الرُّوحِ عَنْ كَدَوْراتِ الأجْسامِ، وطارَتْ بِهِ أنْوارُها عَنْ حَضِيضِ ظُلُماتِ الجَهْلِ إلى عَرْشِ العِرْفانِ، فَصارَ إذْ كانَ المَلِكُ الدَّيّانُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، بِمَعْنى أنَّهُ لا يَفْعَلُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الجَوارِحِ إلّا ما أمَرَهُ بِهِ سُبْحانَهُ يَتَصَرَّفُ في الأكْوانِ بِإذْنِ الفَتّاحِ العَلِيمِ تَكْسِبُ القُلُوبُ مِن ضِياءِ أنْوارِهِ ويَحْيى مَيِّتُ الهِمَمِ بِصافِي أسْرارِهِ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ حَثًّا عَلَيْهِ (p-٢٤)وتَشْوِيقًا إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُمَثِّلًا بِما يَفْهَمُهُ العِبادُ مُخْبِرًا عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ أيْ فَلا يَصِلُ إلى حَضْرَتِهِ الشَّمّاءِ إلّا مَن عَلا في مَعارِجِ العِباداتِ ومَدارِجِ الكَمالاتِ.
ولَمّا كُنّا لا نَعْرِفُ مَلِكًا إلّا بِغَلَبَتِهِ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، وكانَتْ دُرْجَ كُلِّ مَلِكٍ ما يَتَوَصَّلُ بِها إلى عَرْشِهِ، أشارَ سُبْحانَهُ بِجَمْعِ القِلَّةِ إلى السَّماواتِ الَّتِي هي دُونَ عَرْشِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ الدُّرْجَ إلَيْهِ لا تُحْصى بِوَجْهٍ، لِأنّا لَوْ أنْفَقْنا عُمْرَ الدُّنْيا في اصْطِناعِ دُرْجٍ لِلتَّوَصُّلِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا ما وصَلَنا، فَكَيْفَ بِما فَوْقَها فَكَيْفَ وعُلُوُّهُ سُبْحانَهُ، لَيْسَ هو بِمَسافَةٍ بَلْ عُلُوُّ عَظَمَةٍ ونُفُوذِ كَلِمَةٍ تَنْقَطِعُ دُونَها الآمالُ وتَفْنى الأيّامُ واللِّيالِ، والكاشِفُ لِذَلِكَ أتَمَّ كَشْفٍ تَعْبِيرُهُ في ﴿سَألَ﴾ [المعارج: ١] بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ ﴿المَعارِجِ﴾ [المعارج: ٣] - ثُمَّ قالَ مُمَثِّلًا لَنا بِما نَعْرِفُ: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيِ الكامِلِ الَّذِي لا عَرْشَ في الحَقِيقَةِ إلّا هُوَ، فَهو مُحِيطٌ لِجَمِيعِ الأكْوانِ ومادَّةٌ لِكُلِّ جَمادٍ وحَيَوانٍ، وعالٍ بِجَلالِهِ وعِظَمِهِ عَنْ كُلِّ ما يَخْطُرُ في الأذْهانِ.
ولَمّا كانَ المُلُوكُ يُلْقُونَ أوامِرَهم مِن مَراتِبِ عُظَمائِهِمْ إلى مَن أخْلَصُوا في وِدادِهِمْ قالَ: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ أيِ الَّذِي تَحْيى بِهِ الأرْواحُ (p-٢٥)حَياةَ الأشْباحِ بِالأرْواحِ ﴿مِن أمْرِهِ﴾ أيْ مِن كَلامِهِ، ولا شَكَّ أنَّ الَّذِي يُلْقِي لَيْسَ الكَلامُ النَّفْسِيُّ وإنَّما هو ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو الَّذِي يَقْبَلُ النُّزُولَ والتِّلاوَةَ والكِتابَةَ ونَحْوَ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ أمْرُهُ عالِيًا عَلى كُلِّ أمْرٍ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ ولَمّا كانَ ما رَأوْهُ مِنَ المُلُوكِ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن رَفْعِ كُلِّ مَن أرادُوا مِن رَقِيقِهِمْ، نَبَّهَ عَلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِبادِهِ﴾ وأشارَ بِذَلِكَ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ مُطْلَقُ الأمْرِ لا يَسُوغُ لِأحَدٍ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ، ولَوِ اعْتَرَضَ كانَ اعْتِراضُهُ أقَلَّ مِن أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ أوْ يُعَوَّلَ بِحالٍ عَلَيْهِ إلى تَوْهِيَةِ قَوْلِهِمْ ﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُخْلِصُ في عِبادِهِ لَمْ يَمِلْ إلى شَيْءٍ مِن أوْثانِهِمْ ساعَةً ما ولا صَرْفَ لَحْظَةً عَنِ الإلَهِ الحَقِّ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَّهُ مِن بَيْنِهِمْ بِهَذا الرُّوحِ الَّذِي لا رُوحَ في الوُجُودِ سِواهُ، فَمَن أقْبَلَ عَلَيْهِ وأخْلَصَ في تِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِما يَدْعُو إلَيْهِ والبُعْدِ عَمّا يَنْهى عَنْهُ صارَ ذا رُوحٍ مُواتٍ يُحْيِي الأمْواتَ ويُزْرِي بِالنَّيِّراتِ. قالَ الرّازِيُّ: قالَ ابْنُ عَطاءٍ: حَياةُ القَلْبِ عَلى حَسَبِ ما أُلْقِيَ إلَيْهِ مِنَ الرُّوحِ، فَمِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ الرِّسالَةِ، ومِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ النُّبُوَّةِ، ومِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ الصِّدِّيقِيَّةِ والكَشْفِ والمُشاهَدَةِ، ومِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ، ومِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ العِبادَةِ (p-٢٦)والخِدْمَةِ، ومِنهم مَن أُلْقِيَ إلَيْهِ رُوحُ الحَياةِ فَقَطْ، لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِاللَّهِ ولا مَقامٌ مَعَ اللَّهِ، فَهو مَيِّتٌ في الباطِنِ، ولَهُ الحَياةُ البَهِيمِيَّةُ الَّتِي يَهْتَدِي بِها إلى المَعاشِ دُونَ المَعادِ - انْتَهى. وبِالجُمْلَةِ فَكُلٌّ مِن هَذِهِ الأرْواحِ مَنطِقٌ لِمَن أُلْقِيَ عَلَيْهِ مُطْلَقٌ لِلِسانِهِ بِبَدِيعِ بَيانِهِ وإنِ اخْتَلَفَ نُطْقُهم في بَيانِهِمْ، وتَصَرُّفِهِمْ في عَظِيمِ شَأْنِهِمْ.
ولَمّا بَيَّنَ سِرَّ اخْتِصاصِهِ بِالإرْسالِ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَزِيدُهُ بَيانًا مِن ثَمَرَةِ الإرْسالِ فَقالَ:﴿لِيُنْذِرَ﴾ أيِ الَّذِي اخْتَصَّهُ سُبْحانَهُ بِرُوحِهِ، وعَبَّرَ بِما يَقْتَضِيهِ تَصْنِيفُ النّاسِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ مِنَ الِاجْتِماعِ، وأزالَ وهْمَ مَن قَدْ يَسْتَحِيلُ لُقاهُ سُبْحانَهُ لِرَفْعَةِ دَرَجاتِهِ وسُفُولِ دَرَجاتِ غَيْرِهِ ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ أيِ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصَفَ بِالتَّلاقِي عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ لِكَوْنِهِ يَلْتَقِي فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ وأهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ ولا حِيلَةَ لِأحَدٍ مِنهم في فِراقِ غَرِيمِهِ بِغَيْرِ فَصْلٍ عَلى وجْهِ العَدْلِ، وإلى هَذا المَعْنى أشارَتْ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ وهو واضِحٌ جِدًّا في إفْرادٍ حِزْبَيِ الأسْعَدِينَ والأخْسَرِينَ فَإنَّهُ تَلاقٍ لا آخِرَ لَهُ، وأشارَتْ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالحَذْفِ في الحالَيْنِ إلى تَلاقِي هَذَيْنِ الجُزْأيْنِ: أحَدُهُما بِالآخَرِ (p-٢٧)فَإنَّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - قَلَّ ما يَكُونُ حَتّى يَفْتَرِقا بِالأمْرِ بِكُلٍّ إلى دارِهِ: الأسْعَدِينَ بِغَيْرِ حِسابٍ، والأخْسَرِينَ لا يُقامُ لَهم وزْنٌ، وأشارَ الإثْباتُ في المَوْقِفِ دُونَ الوَصْلِ إلى الأمْرِ الوَسَطِ وهي لِمَن بَقِيَ لِقاءَهم يَمْتَدُّ إلى حِينِ القِصاصِ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ.
Page 468
40:8
رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٨
Our Lord, and admit them to gardens of perpetual residence which You have promised them and whoever was righteous among their forefathers, their spouses and their offspring. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise.
40:9
وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩
And protect them from the evil consequences [of their deeds]. And he whom You protect from evil consequences that Day - You will have given him mercy. And that is the great attainment."
40:10
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ ١٠
Indeed, those who disbelieve will be addressed, "The hatred of Allāh for you was [even] greater than your hatred of yourselves [this Day in Hell] when you were invited to faith, but you disbelieved [i.e., refused]."
40:11
قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ ١١
They will say, "Our Lord, You made us lifeless twice and gave us life twice, and we have confessed our sins. So is there to an exit any way?"
40:12
ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُواْۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ ١٢
[They will be told], "That is because, when Allāh was called upon alone, you disbelieved; but if others were associated with Him, you believed. So the judgement is with Allāh, the Most High, the Grand."
40:13
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣
It is He who shows you His signs and sends down to you from the sky, provision. But none will remember except he who turns back [in repentance].
40:14
فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١٤
So invoke Allāh, [being] sincere to Him in religion, although the disbelievers dislike it.
40:15
رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥
[He is] the Exalted above [all] degrees, Owner of the Throne; He places the inspiration of His command [i.e., revelation] upon whom He wills of His servants to warn of the Day of Meeting.
40:16
يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ١٦
The Day they come forth nothing concerning them will be concealed from Allāh. To whom belongs [all] sovereignty this Day? To Allāh, the One, the Prevailing.1
1 translator’s note
- Refer to footnotes in 12:39. ↩