Al-Ahqaf 46:15
The Wind-Curved Sandhills · Juz 26 · Page 504
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥
And We have enjoined upon man, to his parents, good treatment. His mother carried him with hardship and gave birth to him with hardship, and his gestation and weaning [period] is thirty months. [He grows] until, when he reaches maturity and reaches [the age of] forty years, he says, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to work righteousness of which You will approve and make righteous for me my offspring. Indeed, I have repented to You, and indeed, I am of the Muslims."
1 translator’s note
- Literally, "gather within me the utmost strength and ability." ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 46:15
﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَرْهًا ووَضَعَتْهُ كَرْهًا وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾
تَطَلَّبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ وجْهَ مُناسِبَةِ وُقُوعِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها، وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ القُشَيْرِيِّ أنَّ وجْهَ اتِّصالِ الكَلامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَسْتَجِيبَ بَعْضُ النّاسِ لِلنَّبِيءِ ﷺ ويَكْفُرُ بِهِ بَعْضُهم كَما اخْتَلَفَ حالُ النّاسِ مَعَ الوالِدَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَساكِرَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ التَّوْحِيدَ والِاسْتِقامَةَ عَطَفَ الوَصِيَّةَ بِالوالِدَيْنِ كَما هو مَقْرُونٌ في غَيْرِ ما آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ. وكِلا هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ غَيْرُ مُقْنِعٍ في وجْهِ الِاتِّصالِ.
ووَجْهُ الِاتِّصالِ عِنْدِي أنَّ هَذا الِانْتِقالَ إلى قَوْلٍ آخَرَ مِن أقْوالِ المُشْرِكِينَ وهو كَلامُهم في إنْكارِ البَعْثِ وجِدالِهِمْ فِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أُصُولِ كُفْرِهِمْ بِمَحَلِّ القَصْدِ، مِن هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾ [الأحقاف: ١٧] إلى قَوْلِهِ خاسِرِينَ.
وصِيغَ هَذا في أُسْلُوبِ قِصَّةِ جِدالٍ بَيْنَ والِدَيْنِ مُؤْمِنَيْنِ ووَلَدٍ كافِرٍ، وقِصَّةِ جِدالٍ بَيْنَ ولَدٍ مُؤْمِنٍ ووالِدَيْنِ كافِرَيْنِ لِأنَّ لِذَلِكَ الأُسْلُوبِ وقْعًا في أنْفُسِ السّامِعِينَ مَعَ ما رُوِيَ إنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى جِدالٍ جَرى بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَبْلَ إسْلامِهِ وبَيْنَ والِدَيْهِ كَما سَيَأْتِي. ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَهُ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِذِكْرِ هَذا الجِدالِ.
وقَدْ رَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا إلى قَوْلِهِ يُوعَدُونَ نَزَلَ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُ واحِدٍ: نَزَلَتْ في
صفحة ٢٩
أبِي بَكْرٍ وأبِيهِ أبِي قُحافَةَ وأُمِّهِ أُمِّ الخَيْرِ أسْلَمَ أبَواهُ جَمِيعًا.
وقَدْ تَكَرَّرَتِ الوِصايَةُ بِبِرِّ الوالِدَيْنِ في القُرْآنِ وحَرَّضَ عَلَيْها النَّبِيءُ ﷺ في مَواطِنَ عَدِيدَةٍ فَكانَ البِرُّ بِالوالِدَيْنِ أجْلى مَظْهَرًا في هَذِهِ الأُمَّةِ مِنهُ في غَيْرِها وكانَ مِن بَرَكاتِ أهْلِها بِحَيْثُ لَمْ يَبْلُغُ بِرُّ الوالِدَيْنِ مَبْلَغًا في أُمَّةٍ مَبْلَغَهُ في المُسْلِمِينَ.
وتَقَدَّمَ ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.
والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ، أيْ وصَّيْنا النّاسَ وهو مُرادٌ بِهِ خُصُوصُ النّاسِ الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِوَصايا اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَلِكَ هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ في آخِرِها (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنُ ما عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٦]) الآيَةَ.
وكَذَلِكَ هو فِيما ورَدَ مِنَ الآياتِ في هَذا الغَرَضِ كَما في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ وفي سُورَةِ لُقْمانَ بِصِيغَةٍ واحِدَةٍ.
والحُسْنُ: مَصْدَرُ حَسُنَ، أيْ وصَّيْناهُ بِحُسْنِ المُعامَلَةِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ كَذَلِكَ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (إحْسانًا) . والنَّصْبُ عَلى القِراءَتَيْنِ إمّا بِنَزْعِ الخافِضِ وهو الباءُ وإمّا بِتَضْمِينِ وصَّيْنا مَعْنى: ألْزَمْنا.
والكُرْهُ: بِفَتْحِ الكافِ وبِضَمِّها مَصْدَرُ أكْرَهُ، إذا امْتَعَضَ مِن شَيْءٍ، أيْ كانَ حَمْلُهُ مَكْرُوهًا لَهُ، أيْ حالَةَ حَمْلِهِ ووِلادَتِهِ لِذَلِكَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”كَرْهًا“ في المَوْضِعَيْنِ بِفَتْحِ الكافِ. وقَرَأهُ عاصِمُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ ذِكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِضَمِّ الكافِ في المَوْضِعَيْنِ. وانْتَصَبَ ”كَرْهًا“ عَلى الحالِ، أيْ كارِهَةً أوْ ذاتَ كُرْهٍ.
والمَعْنى: أنَّها حَمَلَتْهُ في بَطْنِها مُتْعَبَةً مِن حَمْلِهِ تَعَبًا يَجْعَلُها كارِهَةً لِأحْوالِ ذَلِكَ الحَمْلِ.
ووَضَعَتْهُ بِأوْجاعٍ وآلامٍ جَعَلَتْها كارِهَةً لِوَضْعِهِ. وفي ذَلِكَ الحَمْلِ والوَضْعِ فائِدَةٌ لَهُ هي فائِدَةُ وُجُودِهِ الَّذِي هو كَمالُ حالِ المُمْكِنِ وما تَرَتَّبَ عَلى وُجُودِهِ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي بِهِ حُصُولُ النِّعَمِ الخالِدَةِ.
وأُشِيرَ إلى ما بَعْدَ الحَمْلِ مِن إرْضاعِهِ الَّذِي بِهِ عِلاجُ حَياتِهِ ودَفْعُ ألَمِ الجُوعِ عَنْهُ
صفحة ٣٠
وهُوَ عَمَلٌ شاقٌّ لِأُمِّهِ فَذُكِرَتْ مُدَّةُ الحَمْلِ والإرْضاعِ لِأنَّها لِطُولِها تَسْتَدْعِي صَبْرَ الأُمِّ عَلى تَحَمُّلِ كُلْفَةِ الجَنِينِ والرَّضِيعِ.
والفِصالُ: الفِطامُ، وذُكِرَ الفِصالُ لِأنَّهُ انْتِهاءُ مُدَّةِ الرِّضاعِ فَذَكَرَ مَبْدَأ مُدَّةِ الحَمْلِ بِقَوْلِهِ ”وحَمْلُهُ“ وانْتِهاءَ الرِّضاعِ بِقَوْلِهِ ”وفِصالُهُ“ . والمَعْنى: وحَمْلُهُ وفِصالُهُ بَيْنَهُما ثَلاثُونَ شَهْرًا.
وقَرَأ يَعْقُوبُ ”وفَصْلُهُ“ بِسُكُونِ الصّادِ، أيْ فَصْلُهُ عَنِ الرَّضاعَةِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.
ومِن بَدِيعِ مَعْنى الآيَةِ جَمْعُ مُدَّةِ الحَمْلِ إلى الفِصالِ في ثَلاثِينَ شَهْرًا لِتُطابِقَ مُخْتَلَفَ مُدَدِ الحَمْلِ إذْ قَدْ يَكُونُ الحَمْلُ سِتَّةَ أشْهُرٍ وسَبْعَةَ أشْهُرٍ وثَمانِيَةَ أشْهُرٍ وتِسْعَةً وهو الغالِبُ، قِيلَ: كانُوا إذا كانَ حَمْلُ المَرْأةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ وهو الغالِبُ أرْضَعَتِ المَوْلُودَ أحَدَ وعِشْرِينَ شَهْرًا، وإذا كانَ الحَمْلُ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ أرْضَعَتِ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ شَهْرًا، وإذا كانَ الحَمْلُ سَبْعَةَ أشْهُرٍ أرْضَعَتْ ثَلاثَةً وعِشْرِينَ شَهْرًا، وإذا كانَ الحَمْلُ سِتَّةَ أشْهُرٍ أرْضَعَتْ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ شَهْرًا، وذَلِكَ أقْصى أمَدُ الإرْضاعِ فَعَوَّضُوا عَنْ نَقْصِ كُلِّ شَهْرٍ مِن مُدَّةِ الحَمْلِ شَهْرًا زائِدًا في الإرْضاعِ لِأنَّ نُقْصانَ مُدَّةِ الحَمْلِ يُؤَثِّرُ في الطِّفْلِ هُزالًا.
ومِن بَدِيعِ هَذا الطَّيِّ في الآيَةِ أنَّها صالِحَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ قَدْ تَكُونُ دُونَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ ولَوْلا أنَّها تَكُونُ دُونَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ لَحَدَّدَتْهُ بِتِسْعَةِ أشْهُرٍ لِأنَّ الغَرَضَ إظْهارُ حَقِّ الأُمِّ في البِرِّ بِما تَحَمَّلَتْهُ مِن مَشَقَّةِ الحَمْلِ فَإنَّ مَشَقَّةَ مُدَّةِ الحَمْلِ أشَدُّ مِن مَشَقَّةِ الإرْضاعِ فَلَوْلا قَصْدُ الإيماءِ إلى هَذِهِ الدَّلالَةِ لَكانَ التَّحْدِيدُ بِتِسْعَةِ أشْهُرٍ أجْدَرَ بِالمَقامِ.
وقَدْ جَعَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذِهِ الآيَةَ مَعَ آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] دَلِيلًا عَلى أنَّ الوَضْعَ قَدْ يَكُونُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، ونُسِبَ مِثْلُهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوَوْا عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الجُهَنِيِّ قالَ: تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنّا امْرَأةً مِن جُهَيْنَةَ فَوَلَدَتْ لِتَمامِ سِتَّةِ أشْهُرٍ فانْطَلَقَ زَوْجُها إلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ فَذَكَرَ لَهُ فَبَعَثَ إلَيْها عُثْمانُ، فَلَمّا أُتِيَ بِها أمَرَ بِرَجْمِها فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا
صفحة ٣١
فَأتاهُ فَقالَ: أما تَقْرَأُ القُرْآنَ قالَ: بَلى. أما سَمِعْتَ قَوْلَهُ وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا، وقالَ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ فَلَمْ نَجِدْهُ بَقِيَ إلّا سِتَّةَ أشْهُرٍ. فَرَجَعَ عُثْمانُ إلى ذَلِكَ وهو اسْتِدْلالٌ بُنِيَ عَلى اعْتِبارِ أنَّ شُمُولَ الصُّوَرِ النّادِرَةِ الَّتِي يَحْتَمِلُها لَفْظُ القُرْآنِ هو اللّائِقُ بِكَلامِ عَلّامِ الغُيُوبِ الَّذِي أنْزَلَهُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِن مِثْلِ هَذا.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أحْكامِ الحَمْلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِيَ أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ وإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ ومَعْناها مَعْنى فاءُ التَّفْرِيعِ عَلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ، وإذْ كانَتْ (حَتّى) لا يُفارِقُها مَعْنى الغايَةِ كانَتْ مُؤْذِنَةً هُنا بِأنَّ الإنْسانَ تَدَرَّجَ في أطْوارِهِ مِن وقْتِ فِصالِهِ إلى أنْ بَلَغَ أشُدَّهُ، أيْ هو مُوصًى بِوالِدَيْهِ حُسْنًا في الأطْوارِ المُوالِيَةِ لِفِصالِهِ، أيْ يُوصِيهِ ولِيُّهُ في أطْوارِ طُفُولَتِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ مُراعاةُ وصِيَّةِ اللَّهِ في وقْتِ تَكْلِيفِهِ.
ووُقُوعُ (إذا) بَعْدَ (حَتّى) لِيُرَتَّبَ عَلَيْها تَوْقِيتُ ما بَعْدَ الغايَةِ مِنَ الخَبَرِ، أيْ كانَتِ الغايَةُ وقْتَ بُلُوغِهِ الأشُدَّ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُ ذَلِكَ قَرِيبًا وبَعِيدًا مِنها قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
ولَمّا كانَ (إذا) ظَرْفًا لِزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ كانَ الفِعْلُ الماضِي بَعْدَها مُنْقَلِبًا إلى الِاسْتِقْبالِ، وإنَّما صِيغَ بِصِيغَةِ الماضِي تَشْبِيهًا لِلْمُؤَكَّدِ تَحْصِيلُهُ بِالواقِعِ، فَهو اسْتِعارَةٌ.
و(إذا) تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ، والمَعْنى: حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ، أيْ يَسْتَمِرَّ عَلى الإحْسانِ إلَيْهِما إلى أنْ يَبْلُغَ أشُدَّهُ فَإذا بَلَغَهُ ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾، أيْ طَلَبَ العَوْنَ مِنَ اللَّهِ عَلى زِيادَةِ الإحْسانِ إلَيْهِما بِأنْ يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ عَلى نِعَمِهِ عَلَيْهِ وعَلى والِدَيْهِ.
ومِن جُمْلَةِ النِّعَمِ عَلَيْهِ أنْ ألْهَمَهُ الإحْسانَ لِوالِدَيْهِ.
صفحة ٣٢
ومِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ عَلى والِدَيْهِ أنْ سَخَّرَ لَهُما هَذا الوَلَدَ لِيُحْسِنَ إلَيْهِما، فَهاتانِ النِّعْمَتانِ أوَّلُ ما يَتَبادَرُ عَنْ عُمُومِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى والِدَيْهِ لِأنَّ المَقامَ لِلْحَدِيثِ عَنْهُما.
وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الفِعْلَ المُؤَقَّتَ بِبُلُوغِ الأشُدِّ وهو فِعْلُ ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ مِن جُمْلَةِ ما وُصِّيَ بِهِ الإنْسانُ، أيْ أنْ يُحْسِنَ إلى والِدَيْهِ في وقْتِ بُلُوغِهِ الأشُدَّ. فالمَعْنى: ووَصَّيْنا الإنْسانَ حُسْنًا بِوالِدَيْهِ حَتّى في زَمَنِ بُلُوغِهِ الأشُدَّ، أيْ أنْ لا يَفْتُرَ عَنِ الإحْسانِ إلَيْهِما بِكُلِّ وجْهٍ حَتّى بِالدُّعاءِ لَهُما.
Page 504
46:15
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥
And We have enjoined upon man, to his parents, good treatment. His mother carried him with hardship and gave birth to him with hardship, and his gestation and weaning [period] is thirty months. [He grows] until, when he reaches maturity and reaches [the age of] forty years, he says, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to work righteousness of which You will approve and make righteous for me my offspring. Indeed, I have repented to You, and indeed, I am of the Muslims."
1 translator’s note
- Literally, "gather within me the utmost strength and ability." ↩
46:16
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦
Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.
46:17
وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧
But one who says to his parents, "Uff1 to you; do you promise me that I will be brought forth [from the earth] when generations before me have already passed on [into oblivion]?" while they call to Allāh for help [and to their son], "Woe to you! Believe! Indeed, the promise of Allāh is truth." But he says, "This is not but legends of the former peoples" -
1 translator’s note
- An expression of distaste and irritation. ↩
46:18
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ١٨
Those are the ones upon whom the word [i.e., decree] has come into effect, [who will be] among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.
46:19
وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٩
And for all there are degrees [of reward and punishment] for what they have done, and [it is] so that He may fully compensate them for their deeds, and they will not be wronged.
46:20
وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ ٢٠
And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "You exhausted your pleasures during your worldly life and enjoyed them, so this Day you will be awarded the punishment of [extreme] humiliation because you were arrogant upon the earth without right and because you were defiantly disobedient."