Al-Ahqaf 46:35
The Wind-Curved Sandhills · Juz 26 · Page 506
فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٣٥
So be patient, [O Muḥammad], as were those of determination among the messengers and do not be impatient for them.1 It will be - on the Day they see that which they are promised - as though they had not remained [in the world] except an hour of a day. [This is] notification. And will [any] be destroyed except the defiantly disobedient people?
1 translator’s note
- i.e., for Allāh's punishment of the disbelievers. ↩
Tafsir · in Arabic
Al-Biqa'i
Detailed
Change
Commentary on 46:35
ولَمّا عُلِمَ بِما قامَ مِنَ الأدِلَّةِ وانْتَصَبَ مِنَ القَواطِعِ أنَّ هَذا مَآلُهُمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ رَدًّا عَلى ما بَعْدَ خَلْقِ الخافِقَيْنِ في مَطْلَعِها مِن أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ ونِسْبَتَهم لَهُ إلى الِافْتِراءِ وما بَعْدَهُ: ﴿فاصْبِرْ﴾ أيْ: عَلى مَشاقِّ ما تَرى في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والصَّبْرُ (p-١٩٠)هُوَ الوُقُوفُ بِحُكْمِ اللَّهِ والثَّباتُ مِن غَيْرِ بَثٍّ ولا اسْتِكْراهٍ.
﴿كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ﴾ أيِ: الجِدِّ في الأمْرِ والحَزْمِ في الجِدِّ والإرادَةِ المَقْطُوعِ بِها والثَّباتِ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، الَّذِينَ مَضَوْا في أمْرِ اللَّهِ مُضِيًّا كَأنَّهم أقْسَمُوا عَلَيْهِ فَصارُوا كالأسَدِ في جِبِلَّتِهِ والرَّجُلِ الشَّدِيدِ الشُّجاعِ المَحْفُوفِ بِقَبِيلَتِهِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: فارَقَتْ نُفُوسُهُمُ الشَّهَواتِ والمُنى؛ فَبَذَلُوا نُفُوسَهم لِلَّهِ صِدْقًا لِاتِّفاقِ النَّفْسِ القَلْبَ عَلى البَذْلِ.
ولَمّا تَشَوَّفَ [السّامِعُ] إلى بَيانِهِمْ قالَ: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: وهو ظاهِرٌ جِدًّا: أنَّ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ بِهِمْ أصْحابُ الشَّرائِعِ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا في تَأْسِيسِ قَواعِدِها وتَثْبِيتِ مَعاقِدِها، ومَشاهِيرُهم نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ وقَدْ نَظَمَهم بَعْضُهم في قَوْلِهِ:
؎أُولُو العَزْمِ نُوحٌ والخَلِيلُ بْنُ آزَرَ ومُوسى وعِيسى والحَبِيبُ مُحَمَّدُ
والخِلافُ في تَعْيِينِهِمْ كَثِيرٌ مُنْتَشِرٌ، هَذا القَوْلُ أشْهَرُ ما فِيهِ، وكُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ وهو الظّاهِرُ، والقَوْلُ بِأنَّهم جَمِيعُ الرُّسُلِ (p-١٩١)-قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ - قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ واخْتارَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ وقالَ: ”مِن“ لِلتَّجْنِيسِ لا لِلتَّبْعِيضِ، وفي قَوْلٍ أنَّهم جَمِيعُ الأنْبِياءِ إلّا يُونُسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
ولَمّا أمَرَهُ بِالصَّبْرِ الَّذِي هو مِن أعْلى الفَضائِلِ، نَهاهُ عَنِ العَجَلَةِ الَّتِي هي مِن أُمَّهاتِ الرَّذائِلِ، لِيَصِحَّ التَّحَلِّي بِفَضِيلَةِ الصَّبْرِ الضّامِنَةِ لِلْفَوْزِ والنَّصْرِ فَقالَ: ﴿ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أيْ: تَطْلُبُ العَجَلَةَ وتُوجِدُها بِأنْ تَفْعَلَ شَيْئًا مِمّا يَسُوءُهم في غَيْرِ حِينِهِ الألْيَقِ بِهِ. ولَمّا كانَ ما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، سَهَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ مَثَلًا أوْ في الآخِرَةِ وقْتَ العَرْضِ والحِسابِ والهَوْلِ الأعْظَمِ الأكْبَرِ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ جِدًّا والتَّحْذِيرُ مِنهُ لِأهْلِ المَعاصِي والبِشارَةُ فِيهِ لِأهْلِ الطّاعَةِ، فَأمّا هَذِهِ الطّائِفَةُ فَإذا رَأوْا ﴿ما يُوعَدُونَ﴾ مِن ظُهُورِ الدِّينِ في الدُّنْيا والبَعْثِ في الآخِرَةِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُنْكَأ هو الإيعادُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ: في الدُّنْيا حَيْثُ كانُوا عالِينَ ﴿إلا ساعَةً﴾
ولَمّا كانَتِ السّاعَةُ قَدْ يُرادُ بِها الجِنْسُ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الزَّمَنِ الطَّوِيلِ، حَقَّقَ أمْرَها وحَقَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَهارٍ﴾ ولَمّا تَكَفَّلَ ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الحُجَجِ الظّاهِرَةِ والبَراهِينِ الباهِرَةِ بِبَيانِ ما هو (p-١٩٢)مَقْصُودُها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ لَبْسٌ، وكانَ مَقْصُودُها آئِلًا إلى سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو التَّوْحِيدُ اللّازِمُ مِنهُ إحاطَةُ العِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ وشُمُولُ القُدْرَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ خُتِمَتْ بِما خُتِمَتْ بِهِ إبْراهِيمُ إلّا أنَّ لِحَوامِيمَ لُبابًا، حُذِفَ المُبْتَدَأُ ومُتَعَلِّقُ الخَبَرِ وقِيلَ: ﴿بَلاغٌ﴾ أيْ: هَذا [الَّذِي] ذُكِرَ هُنا [هُوَ] مِنَ الظُّهُورِ وانْتِشارِ النُّورِ بِحَيْثُ يَرُدُّ المُنْذَرِينَ ويُوصِلُهم إلى رِضى العَزِيزِ الحَكِيمِ الكافِلِ بِالنُّورِ الدّائِمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ، ومَن لَمْ يُوصِلْهُ فَذَلِكَ الَّذِي حَكَمَ العَزِيزُ بِشَقائِهِ فَلا حِيلَةَ لِغَيْرِهِ في شِفائِهِ مِن عَظِيمِ دائِهِ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ كَوْنِهِ بَلاغًا قَوْلَهُ زِيادَةً عَلى خِتامِ إبْراهِيمَ ما يُناسِبُ مَطْلَعَها: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ مِن أهْلَكَ، لِأنَّ المَحْذُورَ الهَلاكُ وإنْ لَمْ يُعَيَّنِ المُهْلِكُ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إهْلاكَهم عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى يَسِيرٌ جِدًّا ﴿إلا القَوْمُ﴾ الَّذِينَ فِيهِمْ أهْلِيَّةُ القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ مِنَ اللَّدَدِ ﴿الفاسِقُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في إدامَةِ الخُرُوجِ مِن مُحِيطِ ما يَدْعُو إلَيْهِ هادِي العَقْلِ والفِطْرَةِ الأُولى مِنَ الطّاعَةِ الآتِي بِها النَّقْلُ إلى مُضِلِّ المَعْصِيَةِ النّاهِي عَنْها النَّقْلُ والعَقْلُ، وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا والَّذِينَ يَفْسُقُونَ فَإنَّ هادِيَ هَذِهِ السُّورَةِ يَرُدُّهم ويُوصِلُهم إلى المَقْصُودِ، فَهَذا الآخَرُ نَتِيجَةُ قَوْلِهِ أوَّلَها ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] (p-١٩٣)وذِكْرُ اليَوْمِ المَوْعُودِ هو الأجَلُ الَّذِي أُوجِدَ الخافِقانِ لِأجْلِهِ وبِسَبَبِهِ والدَّلالَةُ عَلى القُدْرَةِ بِخَلْقِهِما مِن غَيْرِ إعْياءٍ هو ذِكْرُهُ أوَّلَهُما أنَّهُما ما خُلِقا إلّا بِالحَقِّ، وذِكْرُ البَلاغِ هو تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ وحُكْمُهُ عَلى العَرِيقِ بِالفِسْقِ بِالهَلاكِ مَعَ الهادِي الشَّفِيقِ ولِغَيْرِهِ بِالنَّجاةِ بَعْدَ انْسِيابِهِ في الفِسْقِ مَعَ التَّكَرُّرِ هو مِن ثَمَراتِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ، فَقَدِ التَحَمَ هَذا الآخِرُ بِذاكَ الأوَّلِ أيَّ التِحامٍ، واتَّصَلَ بِمَعْناهُ اتِّصالَ الجَوْهَرِ النَّفِيسِ في مَتِينِ النِّظامِ، والتَأمَ بِأوَّلِ الَّتِي تَلِيها أحْسَنَ التِئامٍ فَسُبْحانَ مَن جَعَلَهُ أشْرَفَ الكَلامِ، لِكَوْنِهِ صِفَةَ المَلِكِ العَلّامِ، مُنْزَلًا عَلى خاتَمِ الرُّسُلِ الكِرامِ، ورَسُولِ - المَلِكِ العَلّامِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وأصْحابِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ الكِرامِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
Page 506
46:29
وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ ٢٩
And [mention, O Muḥammad], when We directed to you a few of the jinn, listening to the Qur’ān. And when they attended it, they said, "Listen attentively." And when it was concluded, they went back to their people as warners.
46:30
قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٣٠
They said, "O our people, indeed we have heard a [recited] Book revealed after Moses confirming what was before it which guides to the truth and to a straight path.
46:31
يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٣١
O our people, respond to the Caller [i.e., Messenger] of Allāh1 and believe in him; He [i.e., Allāh] will forgive for you your sins and protect you from a painful punishment.
1 translator’s note
- Prophet Muḥammad (ﷺ). ↩
46:32
وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٣٢
But he who does not respond to the Caller of Allāh will not cause failure [to Him] upon earth, and he will not have besides Him any protectors. Those are in manifest error."
46:33
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٣٣
Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth and did not fail in their creation, is able to give life to the dead? Yes. Indeed, He is over all things competent.
46:34
وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٤
And the Day those who disbelieved are exposed to the Fire [it will be said], "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will say, "Then taste the punishment for what you used to deny."1
1 translator’s note
- Or "because you used to disbelieve." ↩
46:35
فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٣٥
So be patient, [O Muḥammad], as were those of determination among the messengers and do not be impatient for them.1 It will be - on the Day they see that which they are promised - as though they had not remained [in the world] except an hour of a day. [This is] notification. And will [any] be destroyed except the defiantly disobedient people?
1 translator’s note
- i.e., for Allāh's punishment of the disbelievers. ↩