Al-Hujurat 49:8
The Rooms · Juz 26 · Page 516
فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨
[It is] as bounty from Allāh and favor. And Allāh is Knowing and Wise.
Tafsir · in Arabic
Ibn al-Qayyim
Detailed
Change
Commentary on 49:7–8
يَقُولُ سُبْحانَهُ لَمْ تَكُنْ مَحَبَّتُكم لِلْإيمانِ وإرادَتُكم لَهُ، وتَزْيِينُهُ في قُلُوبِكم مِنكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ هو الَّذِي جَعَلَهُ في قُلُوبِكم كَذَلِكَ، فَآثَرْتُمُوهُ ورَضِيتُمُوهُ، فَلِذَلِكَ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِي، ولا تَقُولُوا حَتّى يَقُولَ، ولا تَفْعَلُوا حَتّى يَأْمُرَ، فالَّذِي حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ أعْلَمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ مِنكُمْ، وأنْتُمْ فَلَوْلا تَوْفِيقُهُ لَكم لَما أذْعَنَتْ نُفُوسُكم لِلْإيمانِ، فَلَمْ يَكُنِ الإيمانُ بِمَشُورَتِكم وتَوْفِيقِ أنْفُسِكُمْ، ولا تَقَدَّمْتُمْ بِهِ إلَيْها، فَنُفُوسُكم تَقْصُرُ وتَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ ولا تَبْلُغُهُ، فَلَوْ أطاعَكم رَسُولِي في كَثِيرٍ مِمّا تُرِيدُونَ لَشَقَّ عَلَيْكم ذَلِكَ ولَهَلَكْتُمْ وفَسَدَتْ مَصالِحُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، ولا تَظُنُّوا أنَّ نُفُوسَكم تُرِيدُ لَكُمُ الرُّشْدَ والصَّلاحَ كَما أرَدْتُمُ الإيمانَ، فَلَوْلا أنِّي حَبَّبْتُهُ إلَيْكم وزَيَّنْتُهُ في قُلُوبِكُمْ، وكَرَّهْتُ إلَيْكم ضِدَّهُ لَما وقَعَ مِنكُمْ، ولا سَمَحَتْ بِهِ أنْفُسُكم.
فَهَذا الحُبُّ وهَذِهِ الكَراهَةُ لَمْ يَكُونا في النَّفْسِ ولا بِها، ولَكِنْ هو اللَّهُ الَّذِي مَنَّ بِهِما، فَجَعَلَ العَبْدَ بِسَبَبِهِما مِنَ الرّاشِدِينَ.
﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
(عَلِيمٌ) بِمَن يَصْلُحُ لِهَذا الفَضْلِ ويَزْكُو عَلَيْهِ وبِهِ، ويُثْمِرُ عِنْدَهُ.
(حَكِيمٌ) فَلا يَضَعُهُ عِنْدَ غَيْرِ أهْلِهِ فَيُضَيِّعُهُ بِوَضْعِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وقال في (شفاء العليل)
قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾
فتحبيبه سبحانه الإيمان إلى عباده المؤمنين هو إلقاء محبته في قلوبهم وهذا لا يقدر عليه سواه وأما تحبيب العبد الشيء إلى غيره فإنما هو بتزيينه وذكر أوصافه وما يدعو إلى محبته فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين حبه وحسنه الداعي إلى حبه وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان وإن ذلك محض فضله ومنته عليهم حيث لم يكلهم إلى أنفسهم بل تولى هو سبحانه هذا التحبيب والتزيين وتكريه ضده فجاد عليهم به فضلا منه ونعمة والله عليم بمواقع فضله ومن يصلح له ومن لا يصلح حكيم بجعله في مواضعه.
[فَصْلٌ الفُسُوقُ]
وَأمّا الفُسُوقُ: فَهو في كِتاب اللَّهِ نَوْعانِ: مُفْرَدٌ مُطْلَقٌ، ومَقْرُونٌ بِالعِصْيانِ.
والمُفْرَدُ نَوْعانِ أيْضًا: فُسُوقُ كُفْرٍ، يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ، وفُسُوقٌ لا يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ، فالمَقْرُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].
والمُفْرَدُ الَّذِي هو فُسُوقُ كُفْرٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦] الآيَةَ.
وَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] الآيَةَ.
فَهَذا كُلُّهُ فَسُوقُ كُفْرٍ.
وَأمّا الفُسُوقُ الَّذِي لا يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ فَكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَةَ،
وَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآيَةَ.
والمَقْصُودُ ذِكْرُ الفُسُوقِ الَّذِي لا يَخْرُجُ إلى الكُفْرِ.
والفُسُوقُ الَّذِي تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنهُ أعَمُّ مِنَ الفُسُوقِ الَّذِي تُرَدُّ بِهِ الرِّوايَةُ والشَّهادَةُ.
وَكَلامُنا الآنَ فِيما تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنهُ، وهو قِسْمانِ: فِسْقٌ مِن جِهَةِ العَمَلِ، وفِسْقٌ مِن جِهَةِ الِاعْتِقادِ.
فَفِسْقُ العَمَلِ نَوْعانِ: مَقْرُونٌ بِالعِصْيانِ ومُفْرَدٌ.
فالمَقْرُونَ بِالعِصْيانِ: هو ارْتِكابُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، والعِصْيانُ: هو عِصْيانُ أمْرِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]
وَقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٢] وقالَ الشّاعِرُ:
؎أمَرْتُكَ أمْرًا جازِمًا فَعَصَيْتَنِي ∗∗∗ فَأصْبَحْتَ مَسْلُوبَ الإمارَةِ نادِمًا
فالفِسْقُ أخَصُّ بِارْتِكابِ النَّهْيِ، ولِهَذا يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والمَعْصِيَةُ أخَصُّ بِمُخالَفَةِ الأمْرِ كَما تَقَدَّمَ، ويُطْلَقُ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]
فَسَمّى مُخالَفَتَهُ لِلْأمْرِ فِسْقًا، وقالَ ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١]
فَسَمّى ارْتِكابَهُ لِلنَّهْيِ مَعْصِيَةً، فَهَذا عِنْدَ الإفْرادِ، فَإذا اقْتَرَنا كانَ أحَدُهُما لِمُخالَفَةِ الأمْرِ، والآخَرُ لِمُخالَفَةِ النَّهْيِ.
والتَّقْوى اتِّقاءُ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وبِتَحْقِيقِها تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنَ الفُسُوقِ والعِصْيانِ، بِأنْ يَعْمَلَ العَبْدُ بِطاعَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَرْجُو ثَوابَ اللَّهِ، ويَتْرُكُ مَعْصِيَةَ اللَّهِ، عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَخافُ عِقابَ اللَّهِ.
وَفِسْقُ الِاعْتِقادِ كَفِسْقِ أهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، ويُوجِبُونَ ما أوْجَبَ اللَّهُ، ولَكِنْ يَنْفُونَ كَثِيرًا مِمّا أثْبَتَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، جَهْلًا وتَأْوِيلًا، وتَقْلِيدًا لِلشُّيُوخِ، ويُثْبِتُونَ ما لَمْ يُثْبِتْهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ.
وَهَؤُلاءِ كالخَوارِجِ المارِقَةِ، وكَثِيرٍ مِنَ الرَّوافِضِ، والقَدَرِيَّةِ، والمُعْتَزِلَةِ، وكَثِيرٍ مِنَ الجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ لَيْسُوا غُلاةً في التَّجَهُّمِ.
وَأمّا غالِيَّةُ الجَهْمِيَّةِ فَكَغُلاةِ الرّافِضَةِ، لَيْسَ لِلطّائِفَتَيْنِ في الإسْلامِ نَصِيبٌ.
Page 516
49:5
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
And if they had been patient until you [could] come out to them, it would have been better for them. But Allāh is Forgiving and Merciful.
49:6
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦
O you who have believed, if there comes to you a disobedient one with information, investigate, lest you harm a people out of ignorance and become, over what you have done, regretful.
49:7
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧
And know that among you is the Messenger of Allāh. If he were to obey you in much of the matter, you would be in difficulty, but Allāh has endeared to you the faith and has made it pleasing in your hearts and has made hateful to you disbelief, defiance and disobedience. Those are the [rightly] guided.
49:8
فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨
[It is] as bounty from Allāh and favor. And Allāh is Knowing and Wise.
49:9
وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩
And if two factions among the believers should fight, then make settlement between the two. But if one of them oppresses the other, then fight against the one that oppresses until it returns to the ordinance of Allāh. And if it returns, then make settlement between them in justice and act justly. Indeed, Allāh loves those who act justly.
49:10
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠
The believers are but brothers, so make settlement between your brothers. And fear Allāh that you may receive mercy.
49:11
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١
O you who have believed, let not a people ridicule [another] people; perhaps they may be better than them; nor let women ridicule [other] women; perhaps they may be better than them. And do not insult one another and do not call each other by [offensive] nicknames. Wretched is the name [i.e., mention] of disobedience after [one's] faith. And whoever does not repent - then it is those who are the wrongdoers.