Al-Ma'idah 5:113
The Table Spread · Juz 7 · Page 126
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣
They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 5:113–114
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ .
والمَعْنى: كَأنَّهم لَمّا طَلَبُوا ذَلِكَ قالَ عِيسى لَهم: إنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ فاتَّقُوا اللَّهَ في طَلَبِ
صفحة ١٠٩
هَذِهِ المُعْجِزَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، فَأجابُوا وقالُوا: إنّا لا نَطْلُبُ هَذِهِ المائِدَةَ لِمُجَرَّدِ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً بَلْ لِمَجْمُوعِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ:
أحَدُها: أنّا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها فَإنَّ الجُوعَ قَدْ غَلَبَنا ولا نَجِدُ طَعامًا آخَرَ.
وثانِيها: أنّا وإنْ عَلِمْنا قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى بِالدَّلِيلِ، ولَكِنّا إذا شاهَدْنا نُزُولَ هَذِهِ المائِدَةِ ازْدادَ اليَقِينُ وقَوِيَتِ الطُّمَأْنِينَةُ.
وثالِثُها: أنّا وإنْ عَلِمْنا بِسائِرِ المُعْجِزاتِ صِدْقَكَ، ولَكِنّا إذا شاهَدْنا هَذِهِ المُعْجِزَةَ ازْدادَ اليَقِينُ والعِرْفانُ وتَأكَّدَتِ الطُّمَأْنِينَةُ.
ورابِعُها: أنَّ جَمِيعَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي أوْرَدْتَها كانَتْ مُعْجِزاتٍ أرْضِيَّةً، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ سَماوِيَّةٌ وهي أعْجَبُ وأعْظَمُ، فَإذا شاهَدْناها كُنّا عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ، نَشْهَدُ عَلَيْها عِنْدَ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوها مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِكَمالِ القُدْرَةِ، ولَكَ بِالنُّبُوَّةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) فَقَدْ تَقَدَّمَ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٦] فَقَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ) نِداءٌ، وقَوْلُهُ: (رَبَّنا) نِداءٌ ثانٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا﴾ صِفَةٌ لِلْمائِدَةِ ولَيْسَ بِجَوابٍ لِلْأمْرِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (تَكُنْ) لِأنَّهُ جَعَلَهُ جَوابَ الأمْرِ. قالَ الفَرّاءُ: وما كانَ مِن نَكِرَةٍ قَدْ وقَعَ عَلَيْها أمْرٌ جازَ في الفِعْلِ بَعْدَهُ الجَزْمُ والرَّفْعُ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي﴾ [مَرْيَمَ: ٦] بِالجَزْمِ والرَّفْعِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القَصَصِ: ٣٤] بِالجَزْمِ والرَّفْعِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ أيْ نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي تَنْزِلُ فِيهِ المائِدَةُ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن يَأْتِي بَعْدَنا، ونَزَلَتْ يَوْمَ الأحَدِ فاتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا، والعِيدُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِما عادَ إلَيْكَ في وقْتٍ مَعْلُومٍ، واشْتِقاقُهُ مِن عادَ يَعُودُ، فَأصْلُهُ هو العَوْدُ، فَسُمِّيَ العِيدُ عِيدًا لِأنَّهُ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ بِفَرَحٍ جَدِيدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ أيْ دَلالَةً عَلى تَوْحِيدِكَ وصِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِكَ ﴿وارْزُقْنا﴾ أيْ وارْزُقْنا طَعامًا نَأْكُلُهُ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَأمَّلْ في هَذا التَّرْتِيبِ فَإنَّ الحَوارِيِّينَ لَمّا سَألُوا المائِدَةَ ذَكَرُوا في طَلَبِها أغْراضًا، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الأكْلِ فَقالُوا: ﴿نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ وأخَّرُوا الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، فَأمّا عِيسى فَإنَّهُ لَمّا طَلَبَ المائِدَةَ وذَكَرَ أغْراضَهُ فِيها قَدَّمَ الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ وأخَّرَ غَرَضَ الأكْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿وارْزُقْنا﴾ وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ لَكَ مَراتِبُ دَرَجاتِ الأرْواحِ في كَوْنِ بَعْضِها رُوحانِيَّةً وبَعْضِها جُسْمانِيَّةً، ثُمَّ إنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِشِدَّةِ صَفاءِ دِينِهِ وإشْراقِ رُوحِهِ لَمّا ذَكَرَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْنا﴾ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ بَلِ انْتَقَلَ مِنَ الرِّزْقِ إلى الرَّزّاقِ فَقالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: (رَبَّنا) ابْتِداءٌ مِنهُ بِذِكْرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: (أنْزِلْ عَلَيْنا) انْتِقالٌ مِنَ الذّاتِ إلى الصِّفاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ إشارَةٌ إلى ابْتِهاجِ الرُّوحِ بِالنِّعْمَةِ لا مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها صادِرَةٌ عَنِ المُنْعِمِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ هَذِهِ المائِدَةِ دَلِيلًا لِأصْحابِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وقَوْلُهُ: ﴿وارْزُقْنا﴾ إشارَةٌ إلى حِصَّةِ النَّفْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ نُزُولٌ مِن حَضْرَةِ الجَلالِ. فانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأ بِالأشْرَفِ فالأشْرَفِ نازِلًا إلى الأدْوَنِ فالأدْوَنِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ وهو عُرُوجٌ مَرَّةً أُخْرى مِنَ الخَلْقِ إلى الخالِقِ ومِن غَيْرِ اللَّهِ إلى اللَّهِ ومِنَ الأخَسِّ إلى الأشْرَفِ، وعِنْدَ ذَلِكَ تَلُوحُ لَكَ شَمَّةٌ مِن كَيْفِيَّةِ عُرُوجِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ النُّورانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ ونُزُولِها، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أهْلِهِ.
صفحة ١١٠
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قِراءَةِ زَيْدٍ (يَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا) والتَّأْنِيثُ بِمَعْنى الآيَةِ.
Page 126
5:109
۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩
[Be warned of] the Day when Allāh will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen" -
5:110
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١١٠
[The Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel] and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind [from birth] and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."
5:111
وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١
And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger [i.e., Jesus]." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allāh]."
5:112
إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١١٢
[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord1 send down to us a table [spread with food] from the heaven?" [Jesus] said, "Fear Allāh, if you should be believers."
1 translator’s note
- i.e., will Allāh consent to. (His ability is undoubted.) ↩
5:113
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣
They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."