Al-Ma'idah 5:79
The Table Spread · Juz 6 · Page 121
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩
They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.
Tafsir · in Arabic
Al-Qasimi
Detailed
Change
Commentary on 5:79
(p-٢١١١)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٧٩] ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾
﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ أيْ: لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ ارْتِكابِ المَآثِمِ والمَحارِمِ. ثُمَّ ذَمَّهم عَلى ذَلِكَ لِيُحَذِّرَ مِنَ ارْتِكابِ مِثْلِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ فَقالَ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مُؤَكَّدًا بِلامِ القَسَمِ. تَعْجِيبًا مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ، كَيْفَ وقَدْ أدّاهم إلى ما شُرِحَ مِنَ اللَّعْنِ الكَبِيرِ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ لَعْنِهِمْ.
الثّانِي: دَلَّتِ الآيَةُ أيْضًا عَلى المَنعِ مِنَ الذَّرائِعِ الَّتِي تُبْطِلُ مَقاصِدَ الشَّرْعِ. لِما رَواهُ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، أنَّ الَّذِينَ لَعَنَهم داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ أهْلُ أيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ واصْطادُوا الحِيتانَ فِيهِ. وسَتَأْتِي قِصَّتُهم في (الأعْرافِ).
الثّالِثُ: دَلَّتْ أيْضًا عَلى وُجُوبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
قالَ الحاكِمُ: وتَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ النَّهْيِ مِنَ الكَبائِرِ.
الرّابِعُ: رَوى الإمامُ أحْمَدُ في مَعْنى الآيَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ (p-٢١١٢)ﷺ: «لَمّا وقَعَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في المَعاصِي نَهَتْهم عُلَماؤُهم فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجالَسُوهم في مَجالِسِهِمْ، أوْ في أسْواقِهِمْ، وواكَلُوهم وشارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقالَ: «لا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! حَتّى تَأْطِرُوهم عَلى الحَقِّ أطْرًا» . أيْ: تَعْطِفُوهم عَلَيْهِ». ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ عَنْهُ فَقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ، ودَعْ ما تَصْنَعُ؛ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ. فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ، ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٨] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] ثُمَّ قالَ: كَلّا واللَّهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ. ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ، ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا، أوْ تَقْصُرْنَهُ عَلى الحَقِّ قَصْرًا»» .
زادَ في رِوايَةٍ: «أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكم بِبَعْضٍ، ثُمَّ يَلْعَنُكم كَما لَعَنَهم».
وكَذا رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ. وابْنُ ماجَهْ.
والأحادِيثُ في (الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ) كَثِيرَةٌ، ومِمّا يُناسِبُ مِنها هَذا المَقامَ:
ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عِقابًا مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ»» .
(p-٢١١٣)وفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ. فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ. فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ. وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ»» .
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ العامَّةَ بِعَمَلِ الخاصَّةِ حَتّى يَرَوُا المُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ. وهم قادِرُونَ عَلى أنْ يُنْكِرُوهُ فَلا يُنْكِرُوهُ. فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الخاصَّةَ والعامَّةَ»» .
ورَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ اللَّهَ لَيَسْألُ العَبْدَ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يَقُولَ: ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَ المُنْكَرَ أنْ تُنْكِرَهُ؟ فَإذا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قالَ: يا رَبِّ! رَجَوْتُكَ وفَرِقْتُ النّاسَ»» .
قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ ماجَهْ. وإسْنادُهُ لا بَأْسَ بِهِ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ. قِيلَ: وكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قالَ: يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلاءِ ما لا يُطِيقُ»» .
قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
(p-٢١١٤)ورَوى ابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! مَتى نَتْرُكُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ؟ قالَ: «إذا ظَهَرَ فِيكم ما ظَهَرَ في الأُمَمِ قَبْلَكم. قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! وما ظَهَرَ في الأُمَمِ قَبْلَنا؟ قالَ: المُلْكُ في صِغارِكُمْ، الفاحِشَةُ في كِبارِكُمْ، والعِلْمُ في رُذالَتِكُمْ»» .
قالَ زَيْدُ بْنُ يَحْيى الخُزاعِيُّ، أحَدُ رُواتِهِ: مَعْنى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ (والعِلْمُ في رُذالَتِكُمْ) إذا كانَ العِلْمُ في الفُسّاقِ.
تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ ماجَهْ. ولَهُ شاهِدٌ في حَدِيثِ أبِي ثَعْلَبَةَ يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ - أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
أقُولُ: هَذِهِ الأحادِيثُ إنَّما يَتَرَوَّحُ بِها الضَّعَفَةُ، مِن نَحْوِ العُلَماءِ والقادَةِ. وأمّا مَن كانَ لَهُمُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والوَجاهَةُ التّامَّةُ فَهَيْهاتَ أنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ، وهَذِهِ المَواعِيدُ الهائِلَةُ تَخْفُقُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ؛ ولِذا قالَ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَيا حَسْرَةً عَلى المُسْلِمِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ بابِ التَّناهِي عَنِ المَناكِيرِ، وقِلَّةِ عِبْئِهِمْ بِهِ. كَأنَّهُ لَيْسَ مِن مِلَّةِ الإسْلامِ في شَيْءٍ. مَعَ ما يَتْلُونَ مِن كِتابِ اللَّهِ، وما فِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ في هَذا البابِ. وقَدْ مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ﴾ [المائدة: ٦٣] ما يُؤَيِّدُ ما هُنا، فَتَذَكَّرْ.
الخامِسُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ وقَعَ تَرْكُ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ تَفْسِيرًا لِلْمَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ؟ قُلْتُ: مِن قِبَلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِالتَّناهِي. فَكانَ الإخْلالُ بِهِ مَعْصِيَةً، وهو اعْتِداءٌ.
ولَمّا وصَفَ تَعالى أسْلافَهم بِما مَضى، وصَفَ الحاضِرِينَ بِقَوْلِهِ:
Page 121
5:77
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧
Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."
5:78
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨
Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.
5:79
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩
They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.
5:80
تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠
You see many of them becoming allies of those who disbelieved [i.e., the polytheists]. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allāh has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.
5:81
وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١
And if they had believed in Allāh and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.
5:82
۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢
You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allāh; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.