Al-Waqi'ah 56:39
The Inevitable · Juz 27 · Page 535
ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٩
A company of the former peoples
Tafsir · in Arabic
Ibn al-Jawzi
Medium
Change
Commentary on 56:27–40
وَقَدْ شَرَحْنا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقِعَةِ: ٩] . وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أصْحابُ اليَمِينِ: أطْفالُ المُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ المُسْلِمِينَ نَظَرُوا إلى وجٍّ. وهو وادٍ بِالطّائِفِ مُخْصِبٌ. فَأعْجَبَهم سِدْرُهُ، فَقالُوا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ هَذا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ.
وَفِي المَخْضُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي لا شَوْكَ فِيهِ، رَواهُ أبُو طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وقُسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنَّهُ خُضِدَ شَوْكُهُ، أيْ: قُلِعَ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ في المَدِينَةِ: «لا يُخْضَدُ شَوْكُها" .»
(p-١٤٠)والثّانِي: أنَّهُ المُوقَرُ حِمْلًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ المُوقَرُ الَّذِي لاشَوْكَ فِيهِ، ذَكَرَهُ قَتادَةُ.
وَفِي الطَّلْحِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْزُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، [والحَسَنُ]، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ شَجَرٌ عِظامٌ كِبارُ الشَّوْكِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا هو الطَّلْحُ عِنْدَ العَرَبِ، قالَ الحادِي:
؎ بَشَّرَها دَلِيلُها وقالا غَدًا تَرَيْنَ الطَّلْحَ والجِبالا
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في الطَّلْحِ؟ .
فالجَوابُ أنَّ لَهُ نَوْرًا ورِيحًا طَيِّبَةً، فَقَدْ وعَدَهم ما يَعْرِفُونَ ويَمِيلُونَ إلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَقَعِ التَّساوِي بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَعْجَبُونَ بِـ "وَجٍّ" وظِلالِهِ مِن طَلْحِهِ وسِدْرِهِ. فَأمّا المَنضُودُ، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الَّذِي قَدْ نُضِدَ بِالحَمْلِ أوْ بِالوَرَقِ والحَمْلُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، فَلَيْسَ لَهُ ساقٌ بارِزَةٌ، وقالَ مَسْرُوقٌ: شَجَرُ الجَنَّةِ نَضِيدٌ مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أيْ: دائِمٌ لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ.
﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ أيْ: جارٍ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.
(p-١٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لا مَقْطُوعَةٌ في حِينٍ دُونَ حِينٍ، ولا مَمْنُوعَةٌ بِالحِيطانِ والنَّواطِيرِ، إنَّما هي مُطْلَقَةٌ لِمَن أرادَها، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. ولَخَّصَهُ بَعْضُهم فَقالَ: لا مَقْطُوعَةٌ بِالأزْمانِ، ولا مَمْنُوعَةٌ بِالأثْمانِ.
والثّانِي: لا تَنْقَطِعُ إذا جُنِيَتْ، ولا تُمْنَعُ مِن أحَدٍ إذا أُرِيدَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: لا مَقْطُوعَةٌ بِالفَناءِ، ولا مَمْنُوعَةٌ بِالفَسادِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ فِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الحَشايا المَفْرُوشَةُ لِلْجُلُوسِ والنَّوْمِ. وفي رَفْعِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: [أنَّها] مَرْفُوعَةٌ فَوْقَ السُّرُرِ. والثّانِي: أنَّ رَفْعَها: زِيادَةُ حَشْوِها لِيَطِيبَ الِاسْتِمْتاعُ بِها.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالفِراشِ: النِّساءُ؛ والعَرَبُ تُسَمِّي المَرْأةَ: فِراشًا وإزارًا ولِباسًا؛ وفي مَعْنى رَفْعِهِنَّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُنَّ رُفِعْنَ بِالجَمالِ عَلى نِساءِ أهْلِ الدُّنْيا، والثّانِي: رُفِعْنَ عَنِ الأدْناسِ. والثّالِثُ: في القُلُوبِ لِشِدَّةِ المَيْلِ إلَيْهِنَّ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ يَعْنِي النِّساءَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اكْتَفى بِذِكْرِ الفُرُشِ لِأنَّها مَحَلُّ النِّساءِ عَنْ ذِكْرِهِنَّ. وفي المُشارِ إلَيْهِنَّ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُنَّ نِساءُ أهْلِ الدُّنْيا المُؤْمِناتُ؛ ثُمَّ في إنْشائِهِنَّ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ إنْشاؤُهُنَّ مِنَ القُبُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: إعادَتُهُنَّ بَعْدَ الشَّمَطِ والكِبَرِ أبْكارًا صِغارًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
(p-١٤٢)والثّانِي: أنَّهُنَّ الحُورُ العِينُ، وإنْشاؤُهُنَّ: إيجادُهُنَّ عَنْ غَيْرِ وِلادَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والصَّوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ الإنْشاءَ عَمَّهُنَّ كُلَّهُنَّ، فالحُورُ أُنْشِئْنَ ابْتِداءً، والمُؤْمِناتُ أُنْشِئْنَ بِالإعادَةِ وتَغْيِيرِ الصِّفاتِ؛ وقَدْ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ مِنَ المُنْشَآتِ اللّاتِي كُنَّ في الدُّنْيا عَجائِزَ عُمْشًا رُمْصًا" .»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ أيْ: عَذارى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَأْتِيها زَوْجُها إلّا وجَدَها بِكْرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُرُبًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: بِضَمِّ الرّاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ: بِإسْكانِ الرّاءِ؛ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ وبَكْرٍ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى "عُرُبًا" خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُنَّ المُتَحَبِّباتُ إلى أزْواجِهِنَّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ العَواشِقُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والمُبَرِّدُ؛ وعَنْ مُجاهِدٍ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: الحَسَنَةُ التَّبَعُّلِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
والرّابِعُ: الغَنِجاتُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. (p-١٤٣)والخامِسَةُ: الحَسَنَةُ الكَلامِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَأمّا الأتْرابُ فَقَدْ ذَكَرْناهُنَّ في [ص: ٥٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ هَذا مِن نَعْتِ أصْحابِ اليَمِينِ. وفي الأوَّلِينَ والآخِرِينَ خِلافٌ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [الواقِعَةِ: ١٣] . وقَدْ زَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وجَدَ المُؤْمِنُونَ مِن ذَلِكَ وجْدًا شَدِيدًا حَتّى أُنْزِلَتْ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ فَنَسَخَتْها. ورُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ رُوَيْمٍ نَحْوُ هَذا المَعْنى.
قُلْتُ: وادِّعاءُ النَّسْخِ ها هُنا لا وجْهَ لَهُ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّ عُلَماءَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ لَمْ يُوافِقُوا عَلى هَذا.
والثّانِي: أنَّ الكَلامَ في الآيَتَيْنِ خَبَرٌ، والخَبَرُ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ، [فَهُوَ ها هُنا لا وجْهَ لَهُ] .
والثّالِثُ: أنَّ الثُّلَّةَ بِمَعْنى الفِرْقَةِ والفِئَةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: اشْتِقاقُهُما مِنَ القِطْعَةِ، والثَّلُّ: الكَسْرُ والقَطْعُ. فَعَلى هَذا قَدْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثُّلَّةُ في مَعْنى القَلِيلِ.
Page 535
56:17
يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ١٧
There will circulate among them young boys made eternal
56:18
بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ١٨
With vessels, pitchers and a cup [of wine] from a flowing spring -
56:19
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩
No headache will they have therefrom, nor will they be intoxicated -
56:20
وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠
And fruit of what they select
56:21
وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢١
And the meat of fowl, from whatever they desire.
56:22
وَحُورٌ عِينٞ ٢٢
And [for them are] fair women with large, [beautiful] eyes,
56:23
كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ ٢٣
The likenesses of pearls well-protected,
56:24
جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
As reward for what they used to do.
56:25
لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا ٢٥
They will not hear therein ill speech or commission of sin -
56:26
إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا ٢٦
Only a saying [of] peace, peace.
56:27
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ ٢٧
The companions of the right - what are the companions of the right?
56:28
فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ ٢٨
[They will be] among lote trees with thorns removed
56:29
وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ ٢٩
And [banana] trees layered [with fruit]
56:30
وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ ٣٠
And shade extended
56:31
وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ ٣١
And water poured out
56:32
وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ ٣٢
And fruit, abundant [and varied],
56:33
لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ ٣٣
Neither limited [to season] nor forbidden,
56:34
وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ ٣٤
And [upon] beds raised high.
56:35
إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ٣٥
Indeed, We have produced them [i.e., the women of Paradise] in a [new] creation
56:36
فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا ٣٦
And made them virgins,
56:37
عُرُبًا أَتۡرَابٗا ٣٧
Devoted [to their husbands] and of equal age,
56:38
لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٣٨
For the companions of the right [who are]
56:39
ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٩
A company of the former peoples
56:40
وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ٤٠
And a company of the later peoples.
56:41
وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١
And the companions of the left - what are the companions of the left?
56:42
فِي سَمُومٖ وَحَمِيمٖ ٤٢
[They will be] in scorching fire and scalding water
56:43
وَظِلّٖ مِّن يَحۡمُومٖ ٤٣
And a shade of black smoke,
56:44
لَّا بَارِدٖ وَلَا كَرِيمٍ ٤٤
Neither cool nor beneficial.
56:45
إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ ٤٥
Indeed they were, before that, indulging in affluence,
56:46
وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ٤٦
And they used to persist in the great violation,1
1 translator’s note
- i.e., shirk (association with Allāh) or disbelief. ↩
56:47
وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٤٧
And they used to say, "When we die and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
56:48
أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ٤٨
And our forefathers [as well]?"
56:49
قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ٤٩
Say, [O Muḥammad], "Indeed, the former and later peoples
56:50
لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٥٠
Are to be gathered together for the appointment of a known Day."