Al-Waqi'ah 56:46
The Inevitable · Juz 27 · Page 535
وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ٤٦
And they used to persist in the great violation,1
1 translator’s note
- i.e., shirk (association with Allāh) or disbelief. ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 56:45–48
﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوْ آباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ .
تَعْلِيلٌ لِما يَلْقاهُ أصْحابُ الشَّمالِ مِنَ العَذابِ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ ما تَضَمَّنَهُ هَذا التَّعْلِيلُ كانَ مِن أحْوالِ كُفْرِهِمْ وأنَّهُ مِمّا لَهُ أثَرٌ في إلْحاقِ العَذابِ بِهِمْ بِقَرِينَةِ عَطْفِ ﴿وكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ.
فَأمّا إصْرارُهم عَلى الحِنْثِ وإنْكارُهُمُ البَعْثَ فَلا يَخْفى تَسَبُّبُهُ في العَذابِ لِأنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَهم عَلَيْهِ فَلَمْ يُقْلِعُوا عَنْهُ، وإنَّما يَبْقى النَّظَرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ فَإنَّ التَّرَفَ في العَيْشِ لَيْسَ جَرِيمَةً في ذاتِهِ وكَمْ مِن مُؤْمِنٍ عاشَ في تَرَفٍ، ولَيْسَ كُلُّ كافِرٍ مُتْرَفًا في عَيْشِهِ، فَلا يَكُونُ التَّرَفُ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا في تَسَبُّبِ الجَزاءِ الَّذِي عُومِلُوا بِهِ.
فَتَأْوِيلُ هَذا التَّعْلِيلِ: إمّا بِأنْ يَكُونُ الإتْرافُ سَبَبًا بِاعْتِبارِ ضَمِيمَةِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ إلَيْهِ بِأنْ كانَ إصْرارُهم عَلى الحِنْثِ وتَكْذِيبُهم بِالبَعْثِ جَرِيمَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ لِأنَّهُما مَحْفُوفَتانِ بِكُفْرِ نِعْمَةِ التَّرَفِ الَّتِي خَوَّلَهُمُ اللَّهُ إيّاها عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] فَيَكُونُ الإتْرافُ جُزْءَ سَبَبٍ ولَيْسَ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا، وفي هَذا مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] .
وإمّا أنْ يُرادَ بِأنَّ التَّرَفَ في العَيْشِ عَلَّقَ قُلُوبَهم بِالدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها فَكانَ ذَلِكَ مُمْلِيًا عَلى خَواطِرِهِمْ إنْكارَ الحَياةِ الآخِرَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ التَّرَفَ الَّذِي هَذا الإنْكارُ عارِضٌ لَهُ وشَدِيدُ المُلازَمَةِ لَهُ، فَوازِنُهُ وازِنُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] .
صفحة ٣٠٦
وفَسَّرَ مُتْرَفِينَ بِمَعْنى مُتَكَبِّرِينَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ. والمُتْرَفُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مَن أتْرَفَهُ، أيْ جَعْلِهِ ذا تُرْفَةٍ بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ الرّاءِ، أيْ نِعْمَةٍ واسِعَةٍ، وبِناؤُهُ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ الإحاطَةِ بِالفاعِلِ الحَقِيقِيِّ لِلْإتْرافِ كَشَأْنِ الأفْعالِ الَّتِي التُزِمَ فِيها الإسْنادُ المَجازِيُّ العَقْلِيُّ الَّذِي لَيْسَ لِمِثْلِهِ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، ولا يُقَدَّرُ بِنَحْوِ: أتْرَفَهُ اللَّهُ، لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَكُونُوا يُقَدِّرُونَ ذَلِكَ فَهَذا مِن بابِ: قالَ قائِلٌ، وسَألَ سائِلٌ.
وإنَّما جُعِلَ أهْلُ الشَّمالِ مُتْرَفِينَ لِأنَّهم لا يَخْلُو واحِدٌ مِنهم عَنْ تَرَفٍ ولَوْ في بَعْضِ أحْوالِهِ وأزْمانِهِ مِن نَعَمِ الأكْلِ والشُّرْبِ والنِّساءِ والخَمْرِ، وكُلِّ ذَلِكَ جَدِيرٌ بِالشُّكْرِ لِواهِبِهِ، وهم قَدْ لابَسُوا ذَلِكَ بِالإشْراكِ في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ، أوْ لِأنَّهم لَمّا قَصَرُوا أنْظارَهم عَلى التَّفْكِيرِ في العِيشَةِ العاجِلَةِ صَرْفَهم ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ والاِسْتِدْلالِ عَلى صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ فَهَذا وجْهُ جَعْلِ التَّرَفِ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ جَزائِهِمُ الجَزاءَ المَذْكُورَ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ إلى ﴿سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٢] ﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٣] بِتَأْوِيلِها بِالمَذْكُورِ، أيْ كانُوا قَبْلَ اليَوْمِ وهو ما كانُوا عَلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
والحِنْثُ: الذَّنْبُ والمَعْصِيَةُ وما يَتَحَرَّجُ مِنهُ، ومِنهُ قَوْلُهم: حَنِثَ في يَمِينِهِ، أيْ أهْمَلَ ما حَلَفَ عَلَيْهِ فَجَرَّ لِنَفْسِهِ حَرَجًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحِنْثُ حِنْثَ اليَمِينِ فَإنَّهم كانُوا يُقْسِمُونَ عَلى أنْ لا بَعْثَ، قالَ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، فَذَلِكَ مِنَ الحِنْثِ العَظِيمِ، وقالَ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقَدْ جاءَتْهم آيَةُ إعْجازِ القُرْآنِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.
والعَظِيمُ: القَوِيُّ في نَوْعِهِ، أيِ الذَّنْبِ الشَّدِيدِ والحِنْثُ العَظِيمِ هو الإشْراكُ بِاللَّهِ. وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ ؟ قالَ: أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ» وقالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
صفحة ٣٠٧
ومَعْنى يُصِرُّونَ: يَثْبُتُونَ عَلَيْهِ لا يَقْبَلُونَ زَحْزَحَةً عَنْهُ، أيْ لا يَضَعُونَ لِلدَّعْوَةِ إلى النَّظَرِ في بُطْلانِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في يُصِرُّونَ ويَقُولُونَ تُفِيدُ تَكَرُّرَ الإصْرارِ والقَوْلُ مِنهُ. وذِكْرُ فِعْلِ كانُوا لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُهم.
والمُرادُ مِن قَوْلِهِ وكانُوا يَقُولُونَ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا إلَخْ أنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ اسْتِحالَةَ البَعْثِ بَعْدَ تِلْكَ الحالَةِ.
ويُناظِرُونَ في ذَلِكَ بِأنَّ القَوْلَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ اسْتِحالَةَ البَعْثِ.
والاِسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ كِنايَةٌ عَنِ الإحالَةِ والاِسْتِبْعادِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا إلَخْ في سُورَةِ الصّافّاتِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أإذا مِتْنا بِإثْباتِ الاِسْتِفْهامِ الأوَّلِ والثّانِي، أيْ إذا مِتْنا أإنّا. وقَرَأهُ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ بِالاِسْتِفْهامِ في أإذا مِتْنا والإخْبارُ في (إنّا لَمَبْعُوثُونَ) .
وقَرَأ الجُمْهُورُ أوَآباؤُنا بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّها واوَ عَطْفٍ عَطَفَتِ اسْتِفْهامًا عَلى اسْتِفْهامٍ، وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الاِسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ عَطْفٍ لِصَدارَةِ الاِسْتِفْهامِ، وأُعِيدَ الاِسْتِفْهامُ تَوْكِيدًا لِلْاِسْتِبْعادِ. والمُرادُ بِالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿وكانُوا يَقُولُونَ﴾ إلَخْ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ اسْتِجابَةَ مَدْلُولِ ذَلِكَ الاِسْتِفْهامِ.
Page 535
56:17
يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ١٧
There will circulate among them young boys made eternal
56:18
بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ١٨
With vessels, pitchers and a cup [of wine] from a flowing spring -
56:19
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩
No headache will they have therefrom, nor will they be intoxicated -
56:20
وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠
And fruit of what they select
56:21
وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢١
And the meat of fowl, from whatever they desire.
56:22
وَحُورٌ عِينٞ ٢٢
And [for them are] fair women with large, [beautiful] eyes,
56:23
كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ ٢٣
The likenesses of pearls well-protected,
56:24
جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
As reward for what they used to do.
56:25
لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا ٢٥
They will not hear therein ill speech or commission of sin -
56:26
إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا ٢٦
Only a saying [of] peace, peace.
56:27
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ ٢٧
The companions of the right - what are the companions of the right?
56:28
فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ ٢٨
[They will be] among lote trees with thorns removed
56:29
وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ ٢٩
And [banana] trees layered [with fruit]
56:30
وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ ٣٠
And shade extended
56:31
وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ ٣١
And water poured out
56:32
وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ ٣٢
And fruit, abundant [and varied],
56:33
لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ ٣٣
Neither limited [to season] nor forbidden,
56:34
وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ ٣٤
And [upon] beds raised high.
56:35
إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ٣٥
Indeed, We have produced them [i.e., the women of Paradise] in a [new] creation
56:36
فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا ٣٦
And made them virgins,
56:37
عُرُبًا أَتۡرَابٗا ٣٧
Devoted [to their husbands] and of equal age,
56:38
لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٣٨
For the companions of the right [who are]
56:39
ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٩
A company of the former peoples
56:40
وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ٤٠
And a company of the later peoples.
56:41
وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١
And the companions of the left - what are the companions of the left?
56:42
فِي سَمُومٖ وَحَمِيمٖ ٤٢
[They will be] in scorching fire and scalding water
56:43
وَظِلّٖ مِّن يَحۡمُومٖ ٤٣
And a shade of black smoke,
56:44
لَّا بَارِدٖ وَلَا كَرِيمٍ ٤٤
Neither cool nor beneficial.
56:45
إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ ٤٥
Indeed they were, before that, indulging in affluence,
56:46
وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ٤٦
And they used to persist in the great violation,1
1 translator’s note
- i.e., shirk (association with Allāh) or disbelief. ↩
56:47
وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٤٧
And they used to say, "When we die and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
56:48
أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ٤٨
And our forefathers [as well]?"
56:49
قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ٤٩
Say, [O Muḥammad], "Indeed, the former and later peoples
56:50
لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٥٠
Are to be gathered together for the appointment of a known Day."