Al-Waqi'ah 56:51
The Inevitable · Juz 27 · Page 536
ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ٥١
Then indeed you, O those astray [who are] deniers,
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 56:51–55
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ .
فِي تَفْسِيرِ الآياتِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الخِطابُ مَعَ مَن ؟ نَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَعَ أهْلِ مَكَّةَ، والظّاهِرُ أنَّهُ عامٌّ مَعَ كُلِّ ضالٍّ مُكَذِّبٍ وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في مَواضِعَ، وهو تَمامُ كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ كَأنَّهُ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ: قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ ثُمَّ إنَّكم تُعَذَّبُونَ بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ العَذابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ هَهُنا: ﴿الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ بِتَقْدِيمِ الضّالِّ وقالَ في آخِرِ السُّورَةِ: ﴿وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ [الواقعة: ٩٢] بِتَقْدِيمِ المُكَذِّبِينَ، فَهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وذَلِكَ أنَّ المُرادَ مِنَ الضّالِّينَ هَهُنا هُمُ الَّذِينَ صَدَرَ مِنهُمُ الإصْرارُ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ، فَضَلُّوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يَصِلُوا إلَيْهِ ولَمْ
صفحة ١٥٢
يُوَحِّدُوهُ، وذَلِكَ ضَلالٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ كَذَّبُوا رُسُلَهُ وقالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا﴾ فَكَذَّبُوا بِالحَشْرِ، فَقالَ: ﴿أيُّها الضّالُّونَ﴾ الَّذِينَ أشْرَكْتُمْ ﴿المُكَذِّبُونَ﴾ الَّذِينَ أنْكَرْتُمُ الحَشْرَ لَتَأْكُلُونَ ما تَكْرَهُونَ، وأمّا هُناكَ فَقالَ لَهم: أيُّها المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبْتُمْ بِالحَشْرِ، ﴿الضّالُّونَ﴾ في طَرِيقِ الخَلاصِ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى النَّعِيمِ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الخِطابَ هُنا مَعَ الكُفّارِ فَقالَ: يا أيُّها الَّذِينَ ضَلَلْتُمْ أوَّلًا وكَذَّبْتُمْ ثانِيًا، والخِطابُ في آخِرِ السُّورَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ يُبَيِّنُ لَهُ حالَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ. فَقالَ: المُقَرَّبُونَ في رَوْحٍ ورَيْحانٍ وجَنَّةِ نَعِيمٍ، وأصْحابُ اليَمِينِ في سَلامٍ، وأمّا المُكَذِّبُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَقَدْ ضَلُّوا فَقَدَّمَ تَكْذِيبَهم إشارَةً إلى كَرامَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ بَيَّنَ أنَّ أقْوى سَبَبٍ في عِقابِهِمْ تَكْذِيبُهم والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ هُناكَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْلُهُ: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٩١] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما الزَّقُّومُ ؟ نَقُولُ: قَدْ بَيَّنّاهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ واخْتَلَفَ فِيهِ أقْوالُ النّاسِ ومَآلُ الأقْوالِ إلى كَوْنِ ذَلِكَ في الطَّعْمِ مُرًّا وفي اللَّمْسِ حارًّا، وفي الرّائِحَةِ مُنْتِنًا، وفي المَنظَرِ أسْوَدَ لا يَكادُ آكِلُهُ يُسِيغُهُ فَيُكْرَهُ عَلى ابْتِلاعِهِ، والتَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ فِيهِ أنَّ الزَّقُّومَ لُغَيَّةٌ عَرَبِيَّةٌ دَلَّنا تَرْكِيبُهُ عَلى قُبْحِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ ”ز ق“ لَمْ يَجْتَمِعْ إلّا في مُهْمَلٍ أوْ في مَكْرُوهٍ مِنهُ مَزَقَ، ومِنهُ زَمَقَ شَعْرُهُ إذا نَتَفَهُ، ومِنهُ القَزْمُ لِلدَّناءَةِ، وأقْوى مِن هَذا أنَّ القافَ مَعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنَ الحَرْفَيْنِ الباقِيَيْنِ يَدُلُّ عَلى المَكْرُوهِ في أكْثَرِ الأمْرِ، فالقافُ مَعَ المِيمِ قُمامَةٌ وقُمْقُمَةٌ، وبِالعَكْسِ مُقامِقٌ الغَلِيظُ الصَّوْتِ والقُمْقُمَةُ هو السُّورُ، وأمّا القافُ مَعَ الزّايِ فالزَّقُّ رَمْيُ الطّائِرِ بِذَرْقِهِ، والزَّقْزَقَةُ الخِفَّةُ، وبِالعَكْسِ القَزْنُوبُ، فَيَنْفِرُ الطَّبْعُ مِن تَرْكِيبِ الكَلِمَةِ مِن حُرُوفٍ اجْتِماعُها دَلِيلُ الكَراهَةِ والقُبْحِ، ثُمَّ قُرِنَ بِالأكْلِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ طَعامٌ ذُو غُصَّةٍ، وأمّا ما يُقالُ بِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: زَقَمْتَنِي بِمَعْنى أطْعَمْتَنِي الزُّبْدَ والعَسَلَ واللَّبَنَ، فَذَلِكَ لِلْمَجانَةِ كَقَوْلِهِمْ: أرْشَقَنِي بِثَوْبٍ حَسَنٍ، وأرْجَمَنِي بِكِيسٍ مِن ذَهَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن شَجَرٍ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ تَناوُلُكم مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ زِيادَةٌ في بَيانِ العَذابِ أيْ لا يُكْتَفى مِنكم بِنَفْسٍ كَما الأكْلُ يَكْتَفِي مَن يَأْكُلُ الشَّيْءَ لِتَحِلَّةِ القَسَمِ، بَلْ يُلْزَمُونَ بِأنْ تَمْلَئُوا مِنها البُطُونَ والهاءُ عائِدَةٌ إلى الشَّجَرَةِ، والبُطُونُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ أيْ يَمْلَأُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم بَطْنَهُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم يَمْلَأُ البُطُونَ، والبُطُونُ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُطُونَ الأمْعاءِ، لِتَخَيُّلِ وصْفِ المِعى في باطِنِ الإنْسانِ لَهُ، كَيَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ، فَيَمْلَئُونَ بُطُونَ الأمْعاءِ وغَيْرِها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والثّانِي أدْخَلُ في التَّعْذِيبِ والوَعِيدِ، قَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَقِيبَ الأكْلِ تَجُرُّ مَرارَتُهُ وحَرارَتُهُ إلى شُرْبِ الماءِ فَيَشْرَبُونَ عَلى ذَلِكَ المَأْكُولِ وعَلى ذَلِكَ الزَّقُّومِ مِنَ الماءِ الحارِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الحَمِيمِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ بَيانٌ أيْضًا لِزِيادَةِ العَذابِ أيْ لا يَكُونُ أمْرُكم أمْرَ مَن شَرِبَ ماءً حارًّا مُنْتِنًا فَيُمْسِكُ عَنْهُ بَلْ يَلْزَمُكم أنْ تَشْرَبُوا مِنهُ مِثْلَ ما تَشْرَبُ الهِيمُ وهي الجِمالُ الَّتِي أصابَها العَطَشُ فَتَشْرَبُ ولا تَرْوى، وهَذا البَيانُ في الشُّرْبِ لِزِيادَةِ العَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾ في الأكْلِ، فَإنْ قِيلَ: الأهْيَمُ إذا شَرِبَ الماءَ الكَثِيرَ يَضُرُّهُ ولَكِنْ في الحالِ يَلْتَذُّ بِهِ، فَهَلْ لِأهْلِ الجَحِيمِ مِن شُرْبِ الحَمِيمِ الحارِّ في النّارِ لَذَّةٌ ؟ قُلْنا: لا، وإنَّما ذَلِكَ لِبَيانِ زِيادَةِ العَذابِ، ووَجْهُهُ أنْ يُقالَ: يُلْزَمُونَ بِشُرْبِ الحَمِيمِ ولا يُكْتَفى مِنهم بِذَلِكَ الشُّرْبِ بَلْ يُلْزَمُونَ أنْ يَشْرَبُوا كَما يَشْرَبُ الجَمَلُ الأهْيَمُ الَّذِي بِهِ الهُيامُ، أوْ هم إذا شَرِبُوا تَزْدادُ حَرارَةُ الزَّقُّومِ في جَوْفِهِمْ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مِنَ الزَّقُّومِ لا مِنَ الحَمِيمِ فَيَشْرَبُونَ مِنهُ شَيْئًا كَثِيرًا بِناءً عَلى وهْمِ الرِّيِّ، والقَوْلُ في الهِيمِ كالقَوْلِ في البِيضِ، أصْلُهُ هُومٌ، وهَذا مِن هامَ يَهِيمُ كَأنَّهُ مِنَ العَطَشِ يَهِيمُ، والهُيامُ ذَلِكَ الدّاءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ كالهائِمِ مِنَ العَطَشِ.
Page 536
56:51
ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ٥١
Then indeed you, O those astray [who are] deniers,
56:52
لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ ٥٢
Will be eating from trees of zaqqūm
56:53
فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٥٣
And filling with it your bellies
56:54
فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡحَمِيمِ ٥٤
And drinking on top of it from scalding water
56:55
فَشَٰرِبُونَ شُرۡبَ ٱلۡهِيمِ ٥٥
And will drink as the drinking of thirsty camels.
56:56
هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٥٦
That is their accommodation on the Day of Recompense.
56:57
نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧
We have created you, so why do you not believe?
56:58
أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ٥٨
Have you seen that which you emit?1
1 translator’s note
- i.e., semen, which contains the potential for human life. ↩
56:59
ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩
Is it you who creates it, or are We the Creator?
56:60
نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠
We have decreed death among you, and We are not to be outdone
56:61
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١
In that We will change your likenesses and produce you in that [form] which you do not know.1
1 translator’s note
- An alternative meaning has also been given: "...in that We will replace the likes of you [with others upon the earth] and create you [in the Hereafter] in that which you do not know." ↩
56:62
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢
And you have already known the first creation, so will you not remember?
56:63
أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ ٦٣
And have you seen that [seed] which you sow?
56:64
ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤
Is it you who makes it grow, or are We the grower?
56:65
لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥
If We willed, We could make it [dry] debris, and you would remain in wonder,1
1 translator’s note
- At what had happened or remain in a state of shock. Another meaning is "in regret." ↩
56:66
إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ ٦٦
[Saying], "Indeed, we are [now] in debt;
56:67
بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٦٧
Rather, we have been deprived."
56:68
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨
And have you seen the water that you drink?
56:69
ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩
Is it you who brought it down from the clouds, or is it We who bring it down?
56:70
لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠
If We willed, We could make it bitter, so why are you not grateful?
56:71
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ٧١
And have you seen the fire that you ignite?
56:72
ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢
Is it you who produced its tree, or are We the producer?
56:73
نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣
We have made it a reminder1 and provision for the travelers,2
56:74
فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤
So exalt the name of your Lord, the Most Great.
56:75
۞ فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ٧٥
Then I swear by the setting of the stars,1
1 translator’s note
- Allāh (subḥānahu wa taʿālā) confirms absolutely by oath. ↩
56:76
وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦
And indeed, it is an oath - if you could know - [most] great.