Al-Hadid 57:28
The Iron · Juz 27 · Page 541
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٨
O you who have believed, fear Allāh and believe in His Messenger; He will [then] give you a double portion of His mercy and make for you a light by which you will walk and forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 57:27–28
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ أيْ لَمْ نَفْرِضْها نَحْنُ عَلَيْهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. أيْ ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى أنّا ما تَعَبَّدْناهم بِها إلّا عَلى وجْهِ ابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، والمُرادُ أنَّها لَيْسَتْ واجِبَةً، فَإنَّ المَقْصُودَ مِن فِعْلِ الواجِبِ دَفْعُ العِقابِ وتَحْصِيلُ رِضا اللَّهِ، أمّا المَندُوبُ فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِن فِعْلِهِ دَفْعُ العِقابِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ لَيْسَ إلّا تَحْصِيلَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ فَفِيهِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا هَذِهِ الرَّهْبانِيَّةَ ما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، بَلْ ضَمُّوا إلَيْها التَّثْلِيثَ والِاتِّحادَ، وأقامَ أُناسٌ مِنهم عَلى دِينِ عِيسى حَتّى أدْرَكُوا مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -فَآمَنُوا بِهِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ .
وثانِيها: أنّا ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الرَّهْبانِيَّةَ إلّا لِيَتَوَسَّلُوا بِها إلى مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهم أتَوْا بِتِلْكَ الأفْعالِ، لَكِنْ لا لِهَذا الوَجْهِ، بَلْ لِوَجْهٍ آخَرَ، وهو طَلَبُ الدُّنْيا والرِّياءِ والسُّمْعَةِ.
وثالِثُها: أنّا لَمّا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ تَرَكُوها، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَمًّا لَهم مِن حَيْثُ إنَّهم تَرَكُوا الواجِبَ.
صفحة ٢١٥
ورابِعُها: أنَّ الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوْها حَقَّ رِعايَتِها هُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا مُحَمَّدًا -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم أجْرَهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«مَن آمَنَ بِي وصَدَّقَنِي واتَّبَعَنِي فَقَدْ رَعاها حَقَّ رِعايَتِها، ومَن لَمْ يُؤْمِن بِي فَأُولَئِكَ هُمُ الهالِكُونَ» “ .
وخامِسُها: أنَّ الصّالِحِينَ مِن قَوْمِ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -ابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ وانْقَرَضُوا عَلَيْها، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهم قَوْمٌ اقْتَدَوْا بِهِمْ في اللِّسانِ، وما كانُوا مُقْتَدِينَ بِهِمْ في العَمَلِ، فَهُمُ الَّذِينَ ما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، قالَ عَطاءٌ: لَمْ يَرْعَوْها كَما رَعاها الحَوارِيُّونَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ والمَعْنى أنَّ بَعْضَهم قامَ بِرِعايَتِها وكَثِيرٌ مِنهم أظْهَرَ الفِسْقَ وتَرَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةَ ظاهِرًا وباطِنًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ﴾ أيْ مِن قَوْمِ عِيسى: ﴿أجْرَهُمْ﴾ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمُرادُ بِهِ أُولَئِكَ، فَأمَرَهم أنْ يَتَّقُوا اللَّهَ ويُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثُمَّ قالَ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ﴾ أيْ نَصِيبَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ لِإيمانِكم أوَّلًا بِعِيسى، وثانِيًا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] . عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ نَزَلَ في قَوْمٍ جاءُوا مِنَ اليَمَنِ مِن أهْلِ الكِتابِ إلى الرَّسُولِ وأسْلَمُوا، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهم أجْرَيْنِ. وهَهُنا سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الكِفْلُ في اللُّغَةِ ؟ (الجَوابُ) قالَ المُؤَرِّجُ: الكِفْلُ: النَّصِيبُ بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ هَذِهِ لُغَةُ الحَبَشَةِ، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ مَسْلَمَةَ: الكِفْلُ كِساءٌ يُدِيرُهُ الرّاكِبُ حَوْلَ السَّنامِ حَتّى يَتَمَكَّنَ مِنَ القُعُودِ عَلى البَعِيرِ.
السُّؤالُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا آتاهم كِفْلَيْنِ وأعْطى المُؤْمِنِينَ كِفْلًا واحِدًا كانَ حالُهم أعْظَمَ (والجَوابُ) رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ افْتَخَرُوا بِهَذا السَّبَبِ عَلى المُسْلِمِينَ. وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ النَّصِيبُ الواحِدُ أزْيَدَ قَدْرًا مِنَ النَّصِيبَيْنِ، فَإنَّ المالَ إذا قُسِّمَ بِنِصْفَيْنِ كانَ الكِفْلُ الواحِدُ نِصْفًا، وإذا قُسِّمَ بِمِائَةِ قِسْمٍ كانَ الكِفْلُ الواحِدُ جُزْءًا مِن مِائَةِ جُزْءٍ، فالنَّصِيبُ الواحِدُ مِنَ القِسْمَةِ الأُولى أزْيَدُ مِن عِشْرِينَ نَصِيبًا مِنَ القِسْمَةِ الثّانِيَةِ، فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلْ لَكُمْ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ وهو النُّورُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْعى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢] ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما أسْلَفْتُمْ مِنَ المَعاصِي ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
Page 541
57:25
لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢٥
We have already sent Our messengers with clear evidences and sent down with them the Scripture and the balance that the people may maintain [their affairs] in justice. And We sent down iron, wherein is great military might and benefits for the people, and so that Allāh may make evident those who support Him and His messengers unseen. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
57:26
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٦
And We have already sent Noah and Abraham and placed in their descendants prophethood and scripture; and among them is he who is guided, but many of them are defiantly disobedient.
57:27
ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٢٧
Then We sent following their footsteps [i.e., traditions] Our messengers and followed [them] with Jesus, the son of Mary, and gave him the Gospel. And We placed in the hearts of those who followed him compassion and mercy and monasticism, which they innovated; We did not prescribe it for them except [that they did so] seeking the approval of Allāh. But they did not observe it with due observance. So We gave the ones who believed among them their reward, but many of them are defiantly disobedient.
57:28
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٨
O you who have believed, fear Allāh and believe in His Messenger; He will [then] give you a double portion of His mercy and make for you a light by which you will walk and forgive you; and Allāh is Forgiving and Merciful.
57:29
لِّئَلَّا يَعۡلَمَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَلَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩
[This is] so that the People of the Scripture may know that they are not able [to obtain] anything from the bounty of Allāh1 and that [all] bounty is in the hand2 of Allāh; He gives it to whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.