Al-Hashr 59:3
The Exile · Juz 28 · Page 545
وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣
And if not that Allāh had decreed for them evacuation, He would have punished them in [this] world, and for them in the Hereafter is the punishment of the Fire.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Atiyya
Detailed
Change
Commentary on 59:3–6
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النارِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللهَ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أو تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ ﴿وَما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللهُ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مِن يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ جَلاءً، وكانَتْ بَنُو النَضِيرِ مِمَّنْ حَلَّ بِالحِجازِ عِنْدَ مَوْتِ مُوسى عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِيَسِيرٍ؛ لِأنَّهم كانُوا مِنَ الجَيْشِ الَّذِي (p-٢٦٢)رَجَعَ وقَدْ عَصَوْا في أنْ لَمْ يَقْتُلُوا الغُلامَ ابْنَ مَلَكِ العَمالِيقِ لِجِمالِهِ وعَقْلِهِ، وقَدْ كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُمْ: لا تَسْتَحْيُوا أحَدًا، فَلَمّا رَجَعَ ذَلِكَ الجَيْشُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالشامِ وجَدُوا مُوسى مَيِّتًا، وقالَ لَهم بَنُو إسْرائِيلَ أنْتُمْ عُصاةٌ واللهِ لا دَخَلْتُمْ عَلَيْنا بِلادَنا، فَقالَ أهْلُ ذَلِكَ الجَيْشِ إلى بَنُو إسْرائِيلَ: لَيْسَ لَنا أحَبُّ مِنَ البِلادِ الَّتِي غَلَبْنا أهْلَها، فانْصَرَفُوا إلى الحِجازِ فَكانُوا فِيهِ، فَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمُ الجَلاءُ الَّذِي أجْراهُ بُخْتِنَصَّرُ عَلى أهْلِ الشامِ، وقَدْ كانَ اللهُ تَعالى كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ جَلاءً فَنالَهم هَذا الجَلاءَ عَلى يَدِي مُحَمَّدٍ ﷺ، ولَوْلا ذَلِكَ لَعَذَّبَهُمُ اللهُ في الدُنْيا بِالسَيْفِ والقَتْلِ كَأهْلِ بَدْرٍ وغَيْرِهِمْ، ويُقالُ: جَلا الرَجُلُ، وأجْلاهُ غَيْرُهُ، وقَدْ يُقالُ: أجْلى الرَجُلُ نَفْسَهُ، بِمَعْنى: جَلا.
و"المُشاقَّةُ": كَوْنُ الإنْسانِ في شِقٍّ ومُخالِفِهِ في شَقٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ سَبَبُها أنَّ بَعْضَ أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ وضَعُوا أيْدِيَهم في نَخْلِ بَنِي النَضِيرِ يَقْطَعُونَ ويَحْرِقُونَ، فَقالَ بَنُو النَضِيرِ: ما هَذا الإفْسادُ يا مُحَمَّدُ وأنْتَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ؟ فَكَفَّ عن ذَلِكَ بَعْضُ الصَحابَةِ، وذَلِكَ في صَدْرِ الحَرْبِ مَعَهُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً أنَّ جَمِيعَ ما جَرى مِن قَطْعٍ أو إمْساكٍ فَبِإذْنِ اللهِ تَعالى، ورَدَّتِ الآيَةُ عَلى قَوْلِ بَنِي النَضِيرِ إنَّْ مُحَمَّدًا يَنْهى عَنِ الفَسادِ وها هو ذا يُفْسِدُ، فَأعْلَمَ اللهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ بِإذْنِهِ ولِيُجْزِيَ بِهِ الفاسِقِينَ مِن بَنِي النَضِيرِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "اللِينَةُ" فَقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: اللِينَةُ: النَخْلَةُ، اسْمانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وجَمْعُها لِينٌ ولِيانٌ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ وسالِفَةٌ كَسُحُوقِ اللِيانِ أضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السُعُرْ
(p-٢٦٣)وَقالَ الآخَرُ:
؎ طِراقُ الخَوافِي واقِعٌ فَوْقَ لِينَةٍ ∗∗∗ نَدى لَيْلِهِ في رِيشِهِ يَتَرَقْرَقُ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: اللِينَةُ مِنَ النَخْلِ ما لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً، وقالَ سُفْيانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَوْرِيُّ: اللِينَةُ: الكَرِيمَةُ مِنَ النَخْلِ، وقالَ أبُو -عُبَيْدَةَ فِيما رُوِيَ عنهُ- وسُفْيانُ: اللِينَةُ: ما تَمْرُها لَوِنٌ، وهو نَوْعٌ مِنَ التَمْرِ يُقالُ لَهُ: اللَوْنُ، قالَ سُفْيانُ: هو شَدِيدُ الصُفْرَةِ يَشِفُّ عن نَواةٍ فَيُرى مِن خارِجٍ، وأصْلُها "لِوْنَةٌ" فَأُبْدِلَتْ لِمُوافَقَةِ الكَسْرَةِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ أيْضًا اللِينُ: ألْوانُ النَخْلِ المُخْتَلِطَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيها عَجْوَةٌ ولا نَوًى. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ: "أو تَرَكْتُمُوها قُوَّمًا عَلى أُصُولِها"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ﴾ الآيَةُ...إعْلامٌ أنَّ ما أُخِذَ مِن بَنِي النَضِيرِ ومِن فَدَكٍ فَهو خاصٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولَيْسَ عَلى حُكْمِ الغَنِيمَةِ الَّتِي يُوجِفُ عَلَيْها ويُقاتِلُ فِيها، بَلْ عَلى حُكْمِ خُمْسِ الغَنائِمِ، وذَلِكَ أنْ بَنِي النَضِيرِ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْها ولا قُوتِلَتْ كَبِيرَ قِتالٍ، فَأخَذَ مِنها رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ قُوتَ عِيالِهِ، وقَسَّمَ سائِرَها في المُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطَ الأنْصارُ شَيْئًا غَيْرَ أنَّ أبا دُجانَةَ سَمّاكَ بْنَ خَرَشَةَ وسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ شَكَيا فاقَةً عَظِيمَةً فَأعْطاهُما، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وفي ذَلِكَ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «كانَتْ أمْوالُ بَنِي النَضِيرِ مِمّا أفاءَ اللهُ تَعالى عَلى (p-٢٦٤)رَسُولِ اللهِ ﷺ مِمّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْفِقُ مِنها عَلى أهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وما بَقِيَ مِنها جَعَلَهُ في السِلاحِ والكُراعِ عِدَّةً في سَبِيلِ اللهِ تَعالى،» قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وكَذَلِكَ كَلُّ ما فَتَحَ عَلى الأئِمَّةِ مِمّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ فَهو لَهم خاصَّةً، والوَجِيفُ دُونَ التَضْرِيبِ، يُقالُ وجَفَ الفُرْسُ وأوجَفَهُ الراكِبُ، والإيجافُ: سُرْعَةُ السَيْرِ والِاجْتِهادِ فِيهِ.
Page 545
58:22
لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٢٢
You will not find a people who believe in Allāh and the Last Day having affection for those who oppose Allāh and His Messenger, even if they were their fathers or their sons or their brothers or their kindred. Those - He has decreed within their hearts faith and supported them with spirit1 from Him. And We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Allāh is pleased with them, and they are pleased with Him - those are the party of Allāh. Unquestionably, the party of Allāh - they are the successful.
1 translator’s note
- i.e., "that which gives life," explained as the guidance of the Qur’ān or victory over their opponents. ↩
سورة الحشر
Al-Hashr
The Exile · Medinan · 24 ayahs
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
59:1
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and whatever is on the earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
1 translator’s note
- See footnote to 57:1. ↩
59:2
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٢
It is He who expelled the ones who disbelieved among the People of the Scripture1 from their homes at the first gathering.2 You did not think they would leave, and they thought that their fortresses would protect them from Allāh; but [the decree of] Allāh came upon them from where they had not expected, and He cast terror into their hearts [so] they destroyed their houses by their [own] hands and the hands of the believers. So take warning, O people of vision.
59:3
وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣
And if not that Allāh had decreed for them evacuation, He would have punished them in [this] world, and for them in the Hereafter is the punishment of the Fire.