Al-An'am 6:127
The Cattle · Juz 8 · Page 144
۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧
For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 6:127
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَظِيمَ نِعَمِهِ في الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى مَعَدٌّ مُهَيَّأٌ لِمَن يَكُونُ مِنَ المَذْكُورِينَ بَيَّنَ الفائِدَةَ الشَّرِيفَةَ الَّتِي تَحْصُلُ مِنَ التَمَسُّكِ بِذَلِكَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَقالَ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفاتٌ.
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ وهَذا يُوجِبُ الحَصْرَ، فَمَعْناهُ: لَهم دارُ السَّلامِ لا لِغَيْرِهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿دارُ السَّلامِ﴾ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ السَّلامَ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَدارُ السَّلامِ هي الدّارُ المُضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى، كَما قِيلَ لِلْكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ تَعالى ولِلْخَلِيفَةِ عَبْدُ اللَّهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ السَّلامَ صِفَةُ الدّارِ، ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى دارُ السَّلامَةِ، والعَرَبُ تُلْحِقُ هَذِهِ الهاءَ في كَثِيرٍ مِنَ المَصادِرِ وتَحْذِفُها، يَقُولُونَ ضَلالٌ وضَلالَةٌ، وسَفاهٌ وسَفاهَةٌ، ولَذاذٌ ولَذاذَةٌ، ورَضاعٌ ورَضاعَةٌ.
الثّانِي: أنَّ السَّلامَ جَمْعُ السَّلامَةِ، وإنَّما سُمِّيَتِ الجَنَّةُ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّ أنْواعَ السَّلامَةِ حاصِلَةٌ فِيها بِأسْرِها.
إذا عَرَفْتَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ: فالقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ قالُوا بِهِ؛ لِأنَّهُ أوْلى؛ لِأنَّ إضافَةَ الدّارِ إلى اللَّهِ تَعالى نِهايَةٌ في تَشْرِيفِها وتَعْظِيمِها وإكْبارِ قَدْرِها، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ الإضافَةِ مُبالَغَةً في تَعْظِيمِ الأمْرِ والقائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي رَجَّحُوا قَوْلَهم مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ وصْفَ الدّارِ بِكَوْنِها دارَ السَّلامَةِ أدْخَلُ في التَّرْغِيبِ مِن إضافَةِ الدّارِ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: أنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ السَّلامُ في الأصْلِ مَجازٌ، وإنَّما وُصِفَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ
صفحة ١٥٥
تَعالى ذُو السَّلامِ، فَإذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ أوْلى.
النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الفَوائِدِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: المُرادُ أنَّهُ مَعَدٌّ عِنْدَهُ تَعالى كَما تَكُونُ الحُقُوقُ مُعَدَّةً مُهَيَّأةً حاضِرَةً، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وذَلِكَ نِهايَةٌ في بَيانِ وُصُولِهِمْ إلَيْها، وكَوْنِهِمْ عَلى ثِقَةٍ مِن ذَلِكَ.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو الأقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ أنَّ قَوْلَهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يُشْعِرُ بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُدَّخَرَ مَوْصُوفٌ بِالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا القُرْبُ لا يَكُونُ بِالمَكانِ والجِهَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ بِالشَّرَفِ والعُلُوِّ والرُّتْبَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ بَلَغَ في الكَمالِ والرِّفْعَةِ إلى حَيْثُ لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] .
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] وقالَ في صِفَةِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا ”«أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم لِأجْلِي» “ وقالَ أيْضًا ”«أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» “ وقالَ في صِفَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وقالَ في دارِهِمْ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وقالَ في ثَوابِهِمْ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البينة: ٨] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُصُولَ كَمالِ صِفَةِ العُبُودِيَّةِ بِواسِطَةِ صِفَةِ العِنْدِيَّةِ.
النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ التَّشْرِيفاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ والوَلِيُّ مَعْناهُ القَرِيبُ، فَقَوْلُهُ: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يَدُلُّ عَلى قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى قُرْبِ اللَّهِ مِنهم، ولا نَرى في العَقْلِ دَرَجَةً لِلْعَبْدِ أعْلى مِن هَذِهِ الدَّرَجَةِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيْ لا ولِيَّ لَهم إلّا هو، وكَيْفَ وهَذا التَّشْرِيفُ إنَّما حَصَلَ عَلى التَّوْحِيدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ فَهَؤُلاءِ الأقْوامُ قَدْ عَرَفُوا مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُدَبِّرَ والمُقَدِّرَ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّ النّافِعَ والضّارَّ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّ المُسْعِدَ والمُشْقِيَ لَيْسَ إلّا هو، وأنَّهُ لا مُبْدِئَ لِلْكائِناتِ والمُمْكِناتِ إلّا هو، فَلَمّا عَرَفُوا هَذا انْقَطَعُوا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، فَما كانَ رُجُوعُهم إلّا إلَيْهِ، وما كانَ تَوَكُّلُهم إلّا عَلَيْهِ، وما كانَ أُنْسُهم إلّا بِهِ، وما كانَ خُضُوعُهم إلّا لَهُ، فَلَمّا صارُوا بِالكُلِّيَّةِ، لا جَرَمَ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ ولِيُّهُمْ﴾ وهَذا إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى مُتَكَفِّلٌ بِجَمِيعِ مَصالِحِهِمْ في الدِّينِ والدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيها الحِفْظُ والحِراسَةُ والمَعُونَةُ والنُّصْرَةُ وإيصالُ الخَيْراتِ ودَفْعُ الآفاتِ والبَلِيّاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ لِئَلّا يَنْقَطِعَ المَرْءُ عَنِ العَمَلِ، فَإنَّ العَمَلَ لا بُدَّ مِنهُ، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ بَيْنَ النَّفْسِ والبَدَنِ تَعَلُّقًا شَدِيدًا، فَكَما أنَّ الهَيْئاتِ النَّفْسانِيَّةَ قَدْ تَنْزِلُ مِنَ النَّفْسِ إلى البَدَنِ، مِثْلَ ما إذا تَصَوَّرَ أمْرًا مُغْضِبًا ظَهَرَ الأثَرُ عَلَيْهِ في البَدَنِ، فَيَسْخَنُ البَدَنُ ويَحْمى، فَكَذَلِكَ الهَيْئاتُ البَدَنِيَّةُ قَدْ تَصْعَدُ مِنَ البَدَنِ إلى النَّفْسِ، فَإذا واظَبَ الإنْسانُ عَلى أعْمالِ البِرِّ والخَيْرِ ظَهَرَتِ الآثارُ المُناسِبَةُ لَها في جَوْهَرِ النَّفْسِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ السّالِكَ لا بُدَّ لَهُ مِنَ العَمَلِ، وأنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى تَرْكِهِ البَتَّةَ.
Page 144
6:125
فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥
So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.
1 translator’s note
- As a result of the person's arrogance and persistence in sin. ↩
6:126
وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦
And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.
6:127
۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧
For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.
6:128
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."
6:129
وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩
And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1
1 translator’s note
- Another interpretation pertaining to this world is "And thus do We make some of the wrongdoers allies of others for what they have been earning." ↩
6:130
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ ١٣٠
"O company of jinn and mankind,1 did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.
1 translator’s note
- They will be reproached thus at the Judgement. ↩
6:131
ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ ١٣١
That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing1 while their people were unaware.
1 translator’s note
- Or "unjustly." ↩