Al-An'am 6:24
The Cattle · Juz 7 · Page 130
ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.
Tafsir · in Arabic
Al-Qasimi
Detailed
Change
Commentary on 6:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٢٤] ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: بِنَفْيِ الإشْراكِ عَنْها أمامَ عَلّامِ الغُيُوبِ، بِحَضْرَةِ مَن لا يَنْحَصِرُ مِنَ الشُّهُودِ: ﴿وضَلَّ﴾ أيْ: وكَيْفَ ضاعَ وغابَ: ﴿عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: مِنَ الشُّرَكاءِ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، فَفَقَدُوا ما رَجَوْا مِن شَفاعَتِها ونُصْرَتِها لَهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ [الأعراف: ٣٧] فَ (ما) مَوْصُولَةٌ، كِنايَةً عَنِ الشُّرَكاءِ. وإيقاعِ الِافْتِراءِ عَلَيْها، مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ عَلى أحْوالِها مِنَ الإلَهِيَّةِ، والشَّرِكَةِ والشَّفاعَةِ ونَحْوِها - لِلْمُبالَغَةِ في أمْرِها، كَأنَّها نَفْسُ المُفْتَرى.
(p-٢٢٧٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ جَوابِهِمْ بِالفِتْنَةِ هو الأظْهَرُ. فالمُرادُ: الجَوابُ بِما هو كَذِبٌ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الفِتْنَةِ، فَتَجُوزُ بِها إطْلاقًا لِلْمُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ. وقِيلَ: الفِتْنَةُ بِمَعْنى العُذْرِ، لِأنَّها التَّخْلِيصُ مِنَ الغِشِّ لُغَةً، والعُذْرُ يُخَلِّصُ مِنَ الذَّنْبِ، فاسْتُعِيرَتْ لَهُ. وقِيلَ: بِمَعْنى الكُفْرِ؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ ما تَفْتَتِنُ بِهِ ويُعْجِبُكَ، وهم كانُوا مُعْجَبِينَ بِكُفْرِهِمْ مُفْتَخِرِينَ بِهِ، ويَظُنُّونَهُ شَيْئًا، فَلَمْ تَكُنْ عاقِبَتُهُ إلّا الخُسْرانَ، والتَّبَرُّؤَ مِنهُ، ولَيْسَ هَذا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، بَلْ جَعَلَ عاقِبَةَ الشَّيْءُ عَيْنَهُ، ادِّعاءً.
قالَ الزَّجّاجُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ حَسَنٌ في اللُّغَةِ، لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن عَرَفَ مَعانِيَ الكَلامِ، وتَصَرُّفَ العَرَبِ في ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ المُشْرِكِينَ مَفْتُونِينَ بِشِرْكِهِمْ، مُتَهالِكِينَ عَلى حُبِّهِ، فَأعْلَمَ في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ لَمْ يَكُنِ افْتِتانُهم بِشِرْكِهِمْ، وإقامَتِهِمْ عَلَيْهِ، إلّا أنْ تَبَرَّؤُوا مِنهُ وتَباعَدُوا عَنْهُ، فَحَلَفُوا أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ. ومِثالُهُ: أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا مَذْمُومَ الطَّرِيقَةِ، فَإذا وقَعَ في مِحْنَةٍ بِسَبَبِهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَيُقالُ: لَهُ ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنِ انْتَفَيْتَ مِنهُ.
قالَ الخَفاجِيُّ - بَعْدَ نَقْلِهِ ما ذُكِرَ -: ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ عِتابِكَ السَّيْفَ، ولا مِن تَقْدِيرِ المُضافِ، وإنْ صَحَّ فاحْفَظْهُ، فَإنَّهُ مِنَ البَدائِعِ الرَّوائِعِ.
الثّانِي: ما بَيَّناهُ مِن أنَّ (ما) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ، كِنايَةً عَنِ الشُّرَكاءِ، بِمَعْنى عَدَمِ إغْنائِها عَنْهم - هو المُوافِقُ لِلْآيَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي سُقْناها. وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً. أيِ: انْظُرْ كَيْفَ ذَهَبَ وزالَ عَنْهُمُ افْتِراؤُهم مِنَ الإشْراكِ، حَتّى نَفَوْا صُدُورَهُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، وتَبَرَّؤُوا مِنهُ بِالمَرَّةِ.
هَذا، وجَعَلَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": ضَلَّ بِمَعْنى سُلِبُوا عِلْمَهُ، فَكَأنَّهم نَسُوهُ وذَهَلُوهُ دَهَشًا. هو بَعِيدٌ لِعَدَمِ مُلاقاتِهِ لِلْآيَةِ الأُخْرى. والتَّنْزِيلُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وعِبارَتُهُ: (p-٢٢٧٥)فِي الآيَةِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ الإخْبارَ بِالشَّيْءِ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ، كَذِبٌ، وإنْ لَمْ يَعْلَمِ المُخْبِرُ مُخالَفَةَ خَبَرِهِ بِمُخْبَرِهِ. ألا تَراهُ جَعَلَ إخْبارَهم وتَبِرِّيَهم كَذِبًا، مَعَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم ضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ. أيْ: سُلِبُوا عِلْمَهُ حِينَئِذٍ دَهَشًا وحَيْرَةً. فَلَمْ يَرْفَعْ ذَلِكَ إطْلاقَ الكَذِبِ عَلَيْهِمْ. انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُكَذِّبُوا حِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ، وعَلى أنَّ الكَذِبَ والجُحُودَ لا وجْهَ لِمَنفَعَتِهِ؟
قُلْتُ: المُمْتَحَنُ يَنْطِقُ بِما يَنْفَعُهُ وبِما لا يَنْفَعُهُ، مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَهُما، حَيْرَةً ودَهَشًا، ألا تَراهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ؟ وقَدْ أيَقْنُو بِالخُلُودِ، ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ.
وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ: مَعْناهُ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، وما عَلِمْنا أنّا عَلى خَطَأٍ في مُعْتَقَدِنا، وحَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا - فَتَمَحُّلٌ وتَعَسُّفٌ وتَحْرِيفٌ لِأفْصَحِ الكَلامِ، إلى ما هو عِيٌّ وإفْحامٌ؛ لِأنَّ المَعْنى الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ، لَيْسَ هَذا الكَلامُ بِمُتَرْجِمٍ عَنْهُ، ولا مُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ، وهو نابٍ عَنْهُ أشَدَّ النُّبُوِّ. وما أدْرِي ما يَصْنَعُ مَن ذَلِكَ تَفْسِيرُهُ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤] فَشُبِّهَ كَذِبُهم في الآخِرَةِ بِكَذِبِهِمْ في الدُّنْيا. انْتَهى.
والقَوْلُ المَذْكُورُ، والحَمْلُ الَّذِي ناقَشَ فِيهِ، أصْلُهُ لِأبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ والقاضِي. فَإنَّهُما (p-٢٢٧٦)ذَهَبا إلى أنَّ أهْلَ القِيامَةِ لا يَجُوزُ إقْدامُهم عَلى الكَذِبِ، واعْتَلّا بِوُجُوهٍ واهِيَةٍ ساقَها الرّازِيُّ. فَلْتُنْظَرْ ثَمَّتَ؛ فَإنّا لا نُسَوِّدُ وُجُوهَ صَحائِفِنا بِما فِيهِ تَحْكِيمُ العَقْلِ عَلى النَّقْلِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بَعْضَ ما كانَ يَصْدُرُ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ، مِمّا طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ:
Page 130
6:19
قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ١٩
Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allāh is witness between me and you. And this Qur’ān was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches.1 Do you [truly] testify that with Allāh there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."
1 translator’s note
- At every time and place until the Day of Judgement. ↩
6:20
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠
Those to whom We have given the Scripture recognize it1 as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.
1 translator’s note
- The Qur’ān. Also interpreted as "him," meaning Muḥammad (ﷺ). ↩
6:21
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢١
And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.
6:22
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٢٢
And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allāh, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"
6:23
ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ ٢٣
Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allāh, our Lord, we were not those who associated."
6:24
ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.
6:25
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٥
And among them are those who listen to you,1 but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."
1 translator’s note
- When you recite the Qur’ān. ↩
6:26
وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.
6:27
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧
If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."