Al-An'am 6:64
The Cattle · Juz 7 · Page 135
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤
Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 6:63–64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وكَمالِ الرَّحْمَةِ والفَضْلِ والإحْسانِ. وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ في الكَلِمَتَيْنِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الواحِدِيُّ: والتَّشْدِيدُ والتَّخْفِيفُ لُغَتانِ مَنقُولَتانِ مِن نَجا، فَإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِالهَمْزَةِ، وإنْ شِئْتَ نَقَلْتَ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ، مِثْلُ: أفْرَحْتُهُ وفَرَّحْتُهُ، وأغْرَمْتُهُ وغَرَّمْتُهُ، وفي القُرْآنِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ٧٢] وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فصلت: ١٨] ولَمّا جاءَ التَّنْزِيلُ بِاللُّغَتَيْنِ مَعًا ظَهَرَ اسْتِواءُ القِراءَتَيْنِ في الحُسْنِ، غَيْرَ أنَّ الِاخْتِيارَ التَّشْدِيدُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ كانَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وأيْضًا قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ”خِفْيَةً“ بِكَسْرِ الخاءِ والباقُونَ بِالضَّمِّ، وهُما لُغَتانِ، وعَلى هَذا الِاخْتِلافِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعَنِ الأخْفَشِ في ”خُفْيَةٍ وخِفْيَةٍ“ أنَّهُما لُغَتانِ، وأيْضًا الخُفْيَةُ مِنَ الإخْفاءِ، والخِيفَةُ مِنَ الرَّهَبِ، وأيْضًا ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ مِن هَذِهِ. قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (لَئِنْ أنْجانا) عَلى المُغايَبَةِ، والباقُونَ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ عَلى الخِطابِ، فَأمّا الأوَّلُونَ: وهُمُ الَّذِينَ قَرَءُوا عَلى المُغايَبَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا؛ قَرَأ عاصِمٌ بِالتَّفْخِيمِ، والباقُونَ بِالإمالَةِ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُغايَبَةِ أنَّ ما قَبْلَ هَذا اللَّفْظِ وما بَعْدَهُ مَذْكُورٌ بِلَفْظِ المُغايَبَةِ، فَأمّا ما قَبْلَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ وأمّا ما بَعْدَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ وأيْضًا فالقِراءَةُ بِلَفْظِ الخِطابِ تُوجِبُ الإضْمارَ، والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا، والإضْمارُ خِلافُ الأصْلِ. وحُجَّةُ مَن قَرَأ عَلى المُخاطَبَةِ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ مَجازٌ عَنْ مَخاوِفِهِما وأهْوالِهِما. يُقالُ لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ. ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أيِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى عادَتْ كاللَّيْلِ، وحَقِيقَةُ الكَلامِ فِيهِ أنَّهُ يَشْتَدُّ الأمْرُ عَلَيْهِ، ويَشْتَبِهُ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ الخُرُوجِ، ويُظْلِمُ عَلَيْهِ طَرِيقُ الخَلاصِ. ومِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقالَ: أمّا ظُلُماتُ البَحْرِ فَهي أنْ تَجْتَمِعَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ السَّحابِ، ويُضافُ الرِّياحُ الصَّعْبَةُ والأمْواجُ الهائِلَةُ إلَيْها، فَلَمْ يَعْرِفُوا كَيْفِيَّةَ الخَلاصِ وعِظَمَ الخَوْفِ، وأمّا ظُلُماتُ البَرِّ فَهي ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ والخَوْفُ الشَّدِيدُ مِن عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ، والمَقْصُودُ أنَّ عِنْدَ اجْتِماعِ هَذِهِ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ لا يَرْجِعُ الإنْسانُ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا الرُّجُوعُ يَحْصُلُ ظاهِرًا وباطِنًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ الحالَةِ يَعْظُمُ إخْلاصُهُ في حَضْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْقَطِعُ رَجاؤُهُ عَنْ كُلِّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إذا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ والخِلْقَةُ الأصْلِيَّةُ في هَذِهِ الحالَةِ بِأنَّهُ لا مَلْجَأ إلّا
صفحة ١٩
إلى اللَّهِ، ولا تَعْوِيلَ إلّا عَلى فَضْلِ اللَّهِ، وجَبَ أنْ يَبْقى هَذا الإخْلاصُ عِنْدَ كُلِّ الأحْوالِ والأوْقاتِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّ الإنْسانَ بَعْدَ الفَوْزِ بِالسَّلامَةِ والنَّجاةِ. يُحِيلُ تِلْكَ السَّلامَةَ إلى الأسْبابِ الجُسْمانِيَّةِ، ويُقْدِمُ عَلى الشِّرْكِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن يَقُولُ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الطَّعْنُ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ والأوْثانِ، وأنا أقُولُ: التَّعَلُّقُ بِشَيْءٍ مِمّا سِوى اللَّهِ في طَرِيقِ العُبُودِيَّةِ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ تَعَلُّقًا بِالوَثَنِ، فَإنَّ أهْلَ التَّحْقِيقِ يُسَمُّونَهُ بِالشِّرْكِ الخَفِيِّ، ولَفْظُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ الشَّدائِدِ يَأْتِي الإنْسانُ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: الدُّعاءُ.
وثانِيها: التَّضَرُّعُ.
وثالِثُها: الإخْلاصُ بِالقَلْبِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وخُفْيَةً﴾ .
ورابِعُها: التِزامُ الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُنَجِّيهِمْ مِن تِلْكَ المَخاوِفِ، ومِن سائِرِ مُوجِباتِ الخَوْفِ والكَرْبِ. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ يُقْدِمُ عَلى الشِّرْكِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ [الإسْراءِ: ٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [يُونُسَ: ٢٢] وبِالجُمْلَةِ فَعادَةُ أكْثَرِ الخَلْقِ ذَلِكَ، إذا شاهَدُوا الأمْرَ الهائِلَ أخْلَصُوا، وإذا انْتَقَلُوا إلى الأمْنِ والرَّفاهِيَةِ أشْرَكُوا بِهِ.
Page 135
6:60
وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٦٠
And it is He who takes your souls by night1 and knows what you have committed by day. Then He revives you therein [i.e., by day] that a specified term2 may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.
6:61
وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١
And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers [i.e., angels of death] take him, and they do not fail [in their duties].
6:62
ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ ٦٢
Then they [i.e., His servants] are returned to Allāh, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.
6:63
قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣
Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"
6:64
قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤
Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."
6:65
قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ ٦٥
Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects1 and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.
1 translator’s note
- Following your own inclinations rather than the truth, biased and hostile toward each other. ↩
6:66
وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ٦٦
But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager [i.e., authority]."
6:67
لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٦٧
For every news [i.e., happening] is a finality;1 and you are going to know.
1 translator’s note
- Other shades of meaning include "a permanence," "a realization" and "a time of stability." ↩
6:68
وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٦٨
And when you see those who engage in [offensive] discourse1 concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.
1 translator’s note
- i.e., denials or mockery. ↩