Al-Mulk 67:16
The Sovereignty · Juz 29 · Page 563
ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ١٦
Do you feel secure that He who is above1 would not cause the earth to swallow you and suddenly it would sway?2
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 67:16
صفحة ٣٣
﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ انْتِقالٌ مِنَ الاسْتِدْلالِ إلى التَّخْوِيفِ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ خالِقُ الأرْضِ ومُذَلِّلُها لِلنّاسِ وتَقَرَّرَ أنَّهم ما رَعَوْا خالِقَها حَقَّ رِعايَتِهِ فَقَدِ اسْتَحَقُّوا غَضَبَهُ وتَسْلِيطَ عِقابِهِ بِأنْ يُصَيِّرَ مَشْيِهِمْ في مَناكِبِ الأرْضِ إلى تَجَلْجُلٍ في طَبَقاتِ الأرْضِ. فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ والاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ وتَحْذِيرٌ.
و(مَن) اسْمٌ مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ صادِقٌ عَلى مَوْجُودٍ ذِي إدْراكٍ كائِنٍ في السَّماءِ. وظاهِرُ وُقُوعِ هَذا المَوْصُولِ عَقِبَ جُمَلِ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥] إلى قَوْلِهِ (﴿وإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]) أنَّ الإتْيانَ بِالمَوْصُولِ مِن قَبِيلِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ أأمِنتُمُوهُ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ؛ فَيَتَأتّى أنَّ الإتْيانَ بِالمَوْصُولِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن عَظِيمِ تَصَرُّفِهِ في العالَمِ العُلْوِيِّ الَّذِي هو مَصْدَرُ القُوى والعَناصِرَ وعَجائِبَ الكائِناتِ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ ﴿مَن في السَّماءِ﴾ في المَوْضِعَيْنِ مِن قَبِيلِ المُتَشابِهِ الَّذِي يُعْطِي ظاهِرُهُ مَعْنى الحُلُولِ في مَكانٍ، وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ، ويَجِيءُ فِيهِ ما في أمْثالِهِ مِن طَرِيقَتَيِ التَّفْوِيضِ لِلسَّلَفِ والتَّأْوِيلِ لِلْخَلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ.
وقَدْ أوَّلُوهُ بِمَعْنى: مَن في السَّماءِ عَذابُهُ أوْ قُدْرَتُهُ أوْ سُلْطانُهُ عَلى نَحْوِ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] وأمْثالِهِ، وخُصَّ ذَلِكَ بِالسَّماءِ؛ لِأنَّ إثْباتَهُ لِلَّهِ تَعالى يَنْفِيهِ عَنْ أصْنامِهِمْ.
ولَكِنَّ هَذا المَوْصُولَ غَيْرُ مَكِينٍ في بابِ المُتَشابِهِ؛ لِأنَّهُ مُجْمَلٌ قابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ بِما يَحْتَمِلُهُ (مَن) أنْ يَكُونَ ماصْدَقُهُ مَخْلُوقاتٍ ذاتَ إدْراكٍ مَقَرُّها السَّماءُ وهي المَلائِكَةُ فَيَصِحُّ أنْ تَصْدُقَ (مَن) عَلى طَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ في السَّماءِ والأرْضِ قالَ تَعالى ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِاسْمِ المَوْصُولِ مَلَكٌ واحِدٌ مُعَيَّنٌ وظِيفَتُهُ فِعْلُ هَذا الخَسْفِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ هو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالعَذابِ.
وإسْنادُ فِعْلِ (يَخْسِفَ) إلى المَلائِكَةِ أوْ إلى واحِدٍ مِنهم حَقِيقَةٌ لِأنَّهُ
صفحة ٣٤
فاعِلُ الخَسْفِ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنِ المَلائِكَةِ ﴿قالُوا إنّا مُهْلِكُوا أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١] إلى ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ [العنكبوت: ٣٤] .
وإفْرادُ ضَمِيرِ يَخْسِفَ مُراعاةٌ لِلَفْظِ (مَن) إذا أُرِيدَ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مُراعاةٌ لِلَّفْظِ والمَعْنى إذا كانَ ماصَدَقَ (مَن) مَلَكًا واحِدًا.
والمَعْنى: تَوْبِيخُهم عَلى سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ رَبَّهم كَأنَّهم آمِنُونَ مِن أنْ يَأْمُرَ اللَّهُ مَلائِكَتَهُ بِأنْ يَخْسِفُوا الأرْضَ بِالمُشْرِكِينَ.
والخَسْفُ: انْقِلابُ ظاهِرِ السَّطْحِ مِن بَعْضِ الأرْضِ باطِنًا وباطِنُهُ ظاهِرًا وهو شِدَّةُ الزِّلْزالِ.
وفِعْلُ خَسَفَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا وهو مِن بابِ ضَرَبَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ﴾ [النحل: ٤٥] سُورَةِ النَّحْلِ.
والباءُ في قَوْلِهِ (بِكُمُ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ يَخْسِفُ الأرْضَ مُصاحِبَةً لِذَواتِكم. وفي الجَمْعِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ﴿أنْ يَخْسِفَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ؛ لِأنَّ الخَسْفَ مِن شَأْنِ مَن في السَّماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو مُطَّرِدٌ مَعَ (أنْ)، والخافِضُ المَحْذُوفُ حَرْفُ (مِن) .
وفُرِّعَ عَلى الخَسْفِ المُتَوَقَّعِ المُهَدَّدِ بِهِ أنْ تَمُورَ الأرْضُ تَفْرِيعَ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ؛ لِأنَّ الخَسْفَ يُحْدِثُ المَوْرَ، فَإذا خُسِفَتِ الأرْضُ فاجَأها المَوْرُ لا مَحالَةَ، لَكِنَّ نَظْمَ الكَلامِ جَرى عَلى ما يُناسِبُ جَعْلَ التَّهْدِيدِ بِمَنزِلَةِ حادِثٍ وقَعَ فَلِذَلِكَ جِيءَ بَعْدَهُ بِالحَرْفِ الدّالِّ عَلى المُفاجَأةِ؛ لِأنَّ حَقَّ المُفاجَأةِ أنْ تَكُونَ حاصِلَةً زَمَنَ الحالِ لا الاسْتِقْبالِ كَما في مُغْنِيِ اللَّبِيبِ فَإذا أُرِيدَ تَحْقِيقُ حُصُولِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الواقِعِ في الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥]، وإذا أُرِيدَ اسْتِحْضارُ حالَةَ فِعْلٍ حَصَلَ فِيما مَضى نُزِّلَ كَذَلِكَ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ في الحالِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ [يونس: ٢١] فَكانَ قَوْلُهُ ﴿فَإذا هي تَمُورُ﴾ مُؤْذِنًا بِتَشْبِيهِ حالَةِ الخَسْفِ المُتَوَقَّعِ المُهَدَّدِ بِهِ بِحالَةِ خَسْفٍ حَصَلَ بِجامِعِ التَّحَقُّقِ كَما قالُوا في التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ
صفحة ٣٥
الماضِي، وحُذِفَ المُرَكَّبُ الدّالُّ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها ورُمِزَ إلَيْهِ بِما هو مِن آثارِهِ ويَتَفَرَّعُ عَنْهُ فَكانَ في الكَلامِ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ.
والمَوْرُ: الارْتِجاجُ والاضْطِرابُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ [الطور: ٩] في سُورَةِ الطُّورِ.
Page 563
67:13
وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣
And conceal your speech or publicize it; indeed, He is Knowing of that within the breasts.
67:14
أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤
Does He who created not know,1 while He is the Subtle, the Aware?
1 translator’s note
- Another accepted meaning is "Does He not know those whom He created...?" ↩
67:15
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ ١٥
It is He who made the earth tame1 for you - so walk among its slopes and eat of His provision - and to Him is the resurrection.
1 translator’s note
- i.e., stable and subservient. ↩
67:16
ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ١٦
Do you feel secure that He who is above1 would not cause the earth to swallow you and suddenly it would sway?2
67:17
أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ ١٧
Or do you feel secure that He who is above would not send against you a storm of stones? Then you would know how [severe] was My warning.
67:18
وَلَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ١٨
And already had those before them denied, and how [terrible] was My reproach.
67:19
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحۡمَٰنُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءِۭ بَصِيرٌ ١٩
Do they not see the birds above them with wings outspread and [sometimes] folded in? None holds them [aloft] except the Most Merciful. Indeed He is, of all things, Seeing.
67:20
أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٞ لَّكُمۡ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ إِنِ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ٢٠
Or who is it that could be an army for you to aid you other than the Most Merciful? The disbelievers are not but in delusion.
67:21
أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي يَرۡزُقُكُمۡ إِنۡ أَمۡسَكَ رِزۡقَهُۥۚ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ ٢١
Or who is it that could provide for you if He withheld His provision? But they have persisted in insolence and aversion.
67:22
أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٢
Then is one who walks fallen on his face better guided or one who walks erect on a straight path?
67:23
قُلۡ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُمۡ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٢٣
Say, "It is He who has produced you and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful."
67:24
قُلۡ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤
Say, "It is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered."
67:25
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٥
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
67:26
قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٢٦
Say, "The knowledge is only with Allāh, and I am only a clear warner."