Al-Qalam 68:6
The Pen · Juz 29 · Page 564
بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ ٦
Which of you is the afflicted [by a devil].
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 68:5–6
﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾
الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] بِاعْتِبارِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٢] مِن إبْطالِ مَقالَةٍ قِيلَتْ في شَأْنِهِ قالَها أعْداؤُهُ في الدِّينِ، ابْتَدَأ بِإبْطالِ بُهْتانِهِمْ، وفَرَّعَ عَلَيْهِ أنَّهم إذا نَظَرُوا الدَّلائِلَ وتَوَسَّمُوا الشَّمائِلَ عَلِمُوا أيَّ الفَرِيقَيْنِ المَفْتُونَ. أهم مَفْتُونُونَ بِالانْصِرافِ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ، أمْ هو بِاخْتِلالِ العَقْلِ كَما اخْتَلَقُوا ؟
والمَقْصُودُ هو ما في قَوْلِهِ (ويُبْصِرُونَ) ولَكِنْ أُدْمِجَ فِيهِ قَوْلُهُ (فَسَتُبْصِرُ) لِيَتَأتّى بِذِكْرِ الجانِبَيْنِ إيقاعُ كَلامٍ مُنْصِفٍ (أيْ داعٍ إلى الإنْصافِ) عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] لِأنَّ القُرْآنَ يَبْلُغُ مَسامِعَهم ويُتْلى عَلَيْهِمْ.
وفِعْلا (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾)، بِمَعْنى البَصَرِ الحِسِّيِّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مَعْناهُ فَسَتَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ، فَجَعَلَهُ مِثْلَ اسْتِعْمالِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ في مَعْنى الظَّنِّ، فَلَعَلَّهُ أرادَ تَفْسِيرَ حاصِلِ المَعْنى إذْ قَدْ قِيلَ إنَّ الفِعْلَ المُشْتَقَّ مِن (أبْصَرَ) لا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الظَّنِّ والاعْتِقادُ عِنْدَ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ والنُّحاةِ خِلافًا لِهِشامٍ كَذا في التَّسْهِيلِ، فالمَعْنى: سَتَرى ويَرَوْنَ رَأْيَ العَيْنِ أيَّكُمُ المَفْتُونُ، فَإذا كانَ بِمَعْنى العِلْمِ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ رَأى ذَلِكَ. فالسِّينُ في قَوْلِهِ (فَسَتُبْصِرُ) لِلتَّأْكِيدِ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَسَيَرَوْنَ ذَلِكَ، أيْ يَعْلَمُونَ آثارَ فُتُونِهِمْ وذَلِكَ فِيما يَرَوْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ.
وإنْ كانَ بِمَعْنى البَصَرِ الحِسِّيِّ فالسِّينُ والتّاءُ في كِلا الفِعْلَيْنِ لِلْاسْتِقْبالِ.
وضَمِيرُ (يُبْصِرُونَ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ عِنْدَ السّامِعِ وهُمُ المُشْرِكُونَ القائِلُونَ: هو مَجْنُونٌ.
صفحة ٦٦
و(أيِّ) اسْمٌ مُبْهَمٌ يَتَعَرَّفُ بِما يُضافُ هو إلَيْهِ، ويَظْهَرُ أنَّ مَدْلُولَ (أيِّ) فَرْدٌ أوْ طائِفَةٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ مُشارِكٍ في طائِفَتِهِ مِن جَنْسٍ أوْ وصْفٍ بِمُمَيِّيزٍ واقِعِيٍّ أوْ جَعْلِيٍّ. فَهَذا مَدْلُولُ (أيِّ) في جَمِيعِ مَواقِعِهِ. ولَهُ مَواقِعُ كَثِيرَةٌ في الكَلامِ، فَقَدْ يُشْرِبُ (أيِّ) مَعْنى المَوْصُولِ، ومَعْنى الشَّرْطِ، ومَعْنى الاسْتِفْهامِ، ومَعْنى التَّنْوِيهِ بِكامِلٍ، ومَعْنى المُعَرَّفِ بِ (ألْ) إذا وصَلَ بِنِدائِهِ. وهو في جَمِيعِ ذَلِكَ يُفِيدُ شَيْئًا مُتَمَيِّزًا عَمّا يُشارِكُهُ في طائِفَتِهِ المَدْلُولَةِ بِما أُضِيفَ هو إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ مَعْناهُ: أيُّ رَجُلٍ، أوْ أيُّ فَرِيقٍ مِنكُمُ المَفْتُونُ، فَ (أيِّ) في مَوْقِعِهِ هُنا اسْمٌ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ لِ (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾) أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ تَعَلُّقَ المَجْرُورِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُ (أيِّ) في الاسْتِفْهامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
المَفْتُونُ: اسْمُ مَفْعُولٍ وهو الَّذِي أصابَتْهُ فِتْنَةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الجُنُونُ فَإنَّ الجُنُونَ يُعَدُّ في كَلامِ العَرَبِ مِن قَبِيلِ الفِتْنَةِ ”يَقُولُونَ لِلْمَجْنُونِ فَتَنَتْهُ الجِنُّ“ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما يَصْدُقُ عَلى المُضْطَرِبِ في أمْرِهِ المَفْتُونِ في عَقْلِهِ حَيْرَةً وتَقَلْقُلًا، بِإيثارِ هَذا اللَّفْظِ، دُونَ لَفْظِ المَجْنُونِ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ أوِ التَّوْرِيَةِ لِيَصِحَّ فَرْضُهُ لِلْجانِبَيْنِ.
فَإنْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ المُشْرِكِينَ بِمَنزِلَةِ المَجانِينِ الَّذِينَ يَنْدَفِعُونَ إلى مُقاوَمَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِدُونِ تَبَصُّرٍ يَكُنْ في فِتْنَةِ اضْطِرابِ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأضْرابِهِما الَّذِينَ أغْرَوُا العامَّةَ بِالطَّعْنِ في النَّبِيءِ ﷺ بِأقْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ.
والباءُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ، والأصْلُ: أيِّيكُمُ المَفْتُونُ، فَهي كالباءِ في قَوْلِهِ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ. والمَعْنى: في أيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكم يُوجَدُ المَجْنُونُ، أيْ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ هَذا الوَصْفُ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وغَيْرِهِما مِن مُدَبِّرِي السُّوءِ عَلى دَهْماءَ قُرَيْشٍ بِهَذِهِ الأقْوالِ الشَّبِيهَةِ بِأقْوالِ المَجانِينِ ذَلِكَ أنَّهم وصَفُوا رَجُلًا مَعْرُوفًا بَيْنَ العُقَلاءِ مَذْكُورًا بِرَجاحَةِ العَقْلِ والأمانَةِ في الجاهِلِيَّةِ فَوَصَفُوهُ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ فَكانُوا كَمَن زَعَمَ أنَّ النَّهارَ لَيْلٌ ومَن وصَفَ اليَوْمَ الشَّدِيدَ البَرْدِ بِالحَرارَةِ، فَهَذا شُبِّهَ بِالمَجْنُونِ ولِذَلِكَ يُجْعَلُ (المَفْتُونُ) في الآيَةِ وصْفًا ادِّعائِيًّا عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ كَما
صفحة ٦٧
جَعَلَ المُتَنَبِّي القَوْمَ الَّذِينَ تَرَكُوا نَزِيلَهم يَرْحَلُ عَنْهم مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى إمْساكِهِ راحِلِينَ عَنْ نَزِيلِهِمْ في قَوْلِهِ:
إذا تَرَحَّلَتَ عَنْ قَوْمٍ وقَدْ قَدَرُوا أنْ لا تُفارِقَهم فالرّاحِلُونَ هُمُو
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (المَفْتُونُ) مَصْدَرًا عَلى وزْنِ المَفْعُولِ مِثْلُ المَعْقُولِ بِمَعْنى العَقْلِ والمَجْلُودِ بِمَعْنى الجَلْدِ، والمَيْسُورِ لِلْيُسْرِ، والمَعْسُورِ لِضِدِّهِ، وفي المَثَلِ ”خُذْ مِن مَيْسُورِهِ ودَعْ مَعْسُورَهُ“ .
والباءُ عَلى هَذا لِلْمُلابَسَةِ في مَحَلِّ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ عَلى (المَفْتُونِ) وهو مُبْتَدَأٌ.
يُضَمَّنُ فِعْلُ (﴿تُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾) مَعْنى: تُوقِنُ ويُوقِنُونَ، عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ بِفِعْلِ الإبْصارِ عَنِ التَّحَقُّقِ؛ لِأنَّ أقْوى طُرُقِ الحِسِّ حاسَّةُ البَصَرِ ويَكُونُ الإتْيانُ بِالباءِ لِلْإشارَةِ إلى هَذا التَّضْمِينِ. والمَعْنى: فَسَتَعْلَمُ يَقِينًا ويَعْلَمُونَ يَقِينًا بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ، فالباءُ عَلى أصْلِها مِنَ التَّعْدِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ (يُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ) .
Page 564
67:27
فَلَمَّا رَأَوۡهُ زُلۡفَةٗ سِيٓـَٔتۡ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَدَّعُونَ ٢٧
But when they see it1 approaching, the faces of those who disbelieve will be distressed, and it will be said, "This is that for which you used to call."2
67:28
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَهۡلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوۡ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٨
Say, [O Muḥammad], "Have you considered:1 whether Allāh should cause my death and those with me or have mercy upon us, who can protect the disbelievers from a painful punishment?"
1 translator’s note
- i.e., inform me. ↩
67:29
قُلۡ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ءَامَنَّا بِهِۦ وَعَلَيۡهِ تَوَكَّلۡنَاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٩
Say, "He is the Most Merciful; we have believed in Him, and upon Him we have relied. And you will [come to] know who it is that is in clear error."
67:30
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۭ ٣٠
Say, "Have you considered: if your water was to become sunken [into the earth], then who could bring you flowing water?"
سورة القلم
Al-Qalam
The Pen · Meccan · 52 ayahs
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
68:1
نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١
Nūn.1 By the pen and what they inscribe,
1 translator’s note
- See footnote to 2:1. ↩
68:2
مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢
You are not, [O Muḥammad], by the favor of your Lord, a madman.
68:3
وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ ٣
And indeed, for you is a reward uninterrupted.
68:4
وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤
And indeed, you are of a great moral character.
68:5
فَسَتُبۡصِرُ وَيُبۡصِرُونَ ٥
So you will see and they will see
68:6
بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ ٦
Which of you is the afflicted [by a devil].
68:7
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٧
Indeed, your Lord is most knowing of who has gone astray from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.
68:8
فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٨
Then do not obey the deniers.
68:9
وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩
They wish that you would soften [in your position], so they would soften [toward you].
68:10
وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ ١٠
And do not obey every worthless habitual swearer
68:11
هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ ١١
[And] scorner, going about with malicious gossip -
68:12
مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢
A preventer of good, transgressing and sinful,
68:13
عُتُلِّۭ بَعۡدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ١٣
Cruel, moreover, and an illegitimate pretender.1
1 translator’s note
- i.e., claiming a particular lineage falsely. The description given in these verses is of al-Waleed bin al-Mugheerah (see also 74:11-25) or possibly, as asserted by Ibn Katheer, al-Akhnas bin Shurayq. ↩
68:14
أَن كَانَ ذَا مَالٖ وَبَنِينَ ١٤
Because he is a possessor of wealth and children,
68:15
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٥
When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."