Al-Anfal 8:47
The Spoils of War · Juz 10 · Page 183
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧
And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.
1 translator’s note
- In knowledge. See footnote to 2:19. ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Atiyya
Detailed
Change
Commentary on 8:45–47
(p-٢٠٧)قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللهَ مَعَ الصابِرِينَ﴾ ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ الناسِ ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ واللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
هَذا أمْرٌ بِما فِيهِ داعِيَةُ النَصْرِ وسَبَبُ العِزِّ، وهي وصِيَّةٌ مِنَ اللهِ مُتَوَجِّهَةٌ بِحَسَبِ التَقْيِيدِ الَّذِي في آيَةِ الضَعْفِ، ويَجْرِي مَعَ مَعْنى الآيَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ، واسْألُوا اللهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم فاثْبُتُوا".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُسْلِمُ في وِلايَةِ الإمارَةِ والقَضاءِ لا يَطْلُبُ ولا يَتَمَنّى، فَإنِ ابْتُلِيَ صَبَرَ عَلى إقامَةِ الحَقِّ.
و"الفِئَةُ": الجَماعَةُ، أصْلُها فِئْوَةٌ وهي مِن فَأوتُ أيْ جَمَعْتُ.
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِإكْثارِ ذِكْرِهِ هُنالِكَ إذْ هو عِصْمَةُ المُسْتَنْجِدِ ووَزَرُ المُسْتَعِينِ، قالَ قَتادَةُ: افْتَرَضَ اللهُ ذِكْرَهُ عِنْدَ أشْغَلِ ما يَكُونُونَ، عِنْدَ الضِرابِ بِالسُيُوفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ذِكْرٌ خَفِيٌّ لِأنَّ رَفْعَ الأصْواتِ في مَوْطِنِ القِتالِ رَدِيءٌ مَكْرُوهٌ إذا كانَ إلْفاظًا. (p-٢٠٨)فَأمّا إنْ كانَ مِنَ الجَمِيعِ عِنْدَ الحَمْلَةِ فَحَسَنٌ فاتٌّ في عَضُدِ العَدُوِّ، وقالَ قَيْسُ بْنُ عَبّادٍ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَكْرَهُونَ الصَوْتَ عِنْدَ ثَلاثٍ: عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، وعِنْدَ الجِنازَةِ، والقِتالِ. وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "اطْلُبُوا إجابَةَ الدُعاءِ عِنْدَ القِتالِ، وإقامَةِ الصَلاةِ، ونُزُولِ الغَيْثِ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُكْرَهُ التَلَثُّمُ عِنْدَ القِتالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولِهَذا -واللهُ أعْلَمُ- يَتَسَنَّنُ المُرابِطُونَ بِطَرْحِهِ عِنْدَ القِتالِ عَلى ضَنانَتِهِمْ بِهِ.
و﴿تُفْلِحُونَ﴾: تَنالُونَ بُغْيَتَكم وتَبْلُغُونَ آمالَكُمْ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضَعْفِ وقَدْ يُخْدَعُ الأرِيبُ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةُ، اسْتِمْرارٌ عَلى الوَصِيَّةِ والأخْذِ عَلى أيْدِيهِمْ في اخْتِلافِهِمْ في أمْرِ بَدْرٍ وتَنازُعِهِمْ، و﴿فَتَفْشَلُوا﴾ نَصْبٌ بِالفاءِ في جَوابِ النَهْيِ، قالَ أبُو حاتِمٍ في كِتابِ "إبْراهِيمَ": "فَتَفْشَلُوا" بِكَسْرِ الشِينِ، وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَتَذْهَبَ" بِالتاءِ مِن فَوْقُ ونَصْبِ الباءِ، وقَرَأ هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ: "وَتَذْهَبْ" بِالتاءِ وجَزْمِ الباءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَيَذْهَبْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ وبِجَزْمِ "يَذْهَبْ"، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ: "وَيَذْهَبَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ ونَصْبِ الباءِ، ورَواها أبانُ، وعِصْمَةُ عن عاصِمٍ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الرِيحَ هُنا مُسْتَعارَةٌ (p-٢٠٨)والمُرادُ بِها النَصْرُ والقُوَّةُ، كَما تَقُولُ: "الرِيحُ لِفُلانٍ" إذا كانَ غالِبًا في أمْرٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ وهو عُبَيْدُ بْنُ الأبْرَصِ:
؎ كَما حَمَيْناكَ يَوْمَ النَعْفِ مِن شَطِبِ ∗∗∗ ∗∗∗ والفَضْلُ لِلْقَوْمِ مِن رِيحٍ ومِن عَدَدِ
وقالَ مُجاهِدٌ: الرِيحُ: النَصْرُ والقُوَّةُ، وذَهَبَتْ رِيحُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ نازَعُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ مَعْناهُ: الرُعْبُ مِن قُلُوبِ عَدُوِّكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا حَسَنٌ بِشَرْطِ أنْ يَعْلَمَ العَدُوُّ بِالتَنازُعِ، وإذا لَمْ يَعْلَمْ فالذاهِبُ قُوَّةُ المُتَنازِعِينَ فَيَنْهَزِمُونَ، وقالَ شاعِرُ الأنْصارِ:
؎ قَدْ عَوَّدَتْهم ظُباهم أنْ تَكُونَ لَهم ∗∗∗ ∗∗∗ رِيحُ القِتالِ وأسْلابُ الَّذِينَ لَقُوا
ومِنِ اسْتِعارَةِ الرِيحِ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ إذا هَبَّتْ رِياحُكَ فاغْتَنِمْها ∗∗∗ ∗∗∗ فَإنْ لِكُلِّ عاصِفَةٍ سُكُونُ
وهَذا كَثِيرٌ مُسْتَعْمَلٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: الرِيحُ عَلى بابِها، ورُوِيَ أنَّ النَصْرَ لَمْ يَكُنْ قَطُّ إلّا بِرِيحٍ تَهُبُّ فَتَضْرِبُ في وُجُوهِ الكُفّارِ، واسْتَنَدَ بَعْضُهم في هَذِهِ المَقالَةِ إلى قَوْلِهِ ﷺ: « "نُصِرْتُ بِالصَبا"». وقالَ الحَكَمُ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ يَعْنِي: الصَبا إذْ بِها نَصْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ.
(p-٢١٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا إنَّما كانَ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ خاصَّةً، وقَوْلُهُ: ﴿واصْبِرُوا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، تَتْمِيمٌ في الوَصِيَّةِ وعِدَةٌ مُؤْنِسَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ الآيَةُ، آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الطَعْنَ عَلى المُشارِ إلَيْهِمْ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ النَهْيِ عن سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ، والإشارَةُ هي إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ بِإجْماعٍ، والبَطَرُ: الأشَرُ وغَمْطُ النِعْمَةِ والشُغْلُ بِالمَرَحِ فِيها عن شُكْرِها، والرِياءُ: المُباهاةُ والتَصَنُّعُ بِما يَراهُ غَيْرُكَ، وهو فِعالٌ مِن: رائى يُرائِي، سُهِّلَتْ هَمْزَتُهُ، ورُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا أحَسَّ أنَّهُ تَجاوَزَ بَعِيرُهُ الخَوْفَ مِنَ النَبِيِّ ﷺ، وأصْحابِهِ بَعَثَ إلى قُرَيْشٍ فَقالَ: "إنَّ اللهَ قَدْ سَلَّمَ عِيرَكُمُ الَّتِي خَرَجْتُمْ إلى نُصْرَتِها فارْجِعُوا سالِمِينَ قَدْ بَلَغْتُمْ مُرادَكُمْ"، فَأتى رَأْيُ الجَماعَةِ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللهِ لا نَفْعَلُ حَتّى نَأْتِيَ بَدْرًا، -وَكانَتْ بَدْرٌ سُوقًا مِن أسْواقِ العَرَبِ لَها يَوْمُ مَوْسِمٍ- فَنَنْحَرَ عَلَيْها الإبِلَ، ونَشْرَبَ الخَمْرَ، وتُعْزَفَ عَلَيْنا القِيانُ، ويَسْمَعَ بِنا العَرَبُ، ويَهابَنا الناسُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرِئاءَ الناسِ﴾ ولِهَذا قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "اللهُمَّ، إنَّ قُرَيْشًا أقْبَلَتْ بِفَخْرِها وخُيَلائِها تُحادُّكَ وتُكَذِّبُ رَسُولَكَ، اللهُمَّ، فَأحِنْها الغَداةَ"»، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: خَرَجَتْ قُرَيْشٌ بِالقِيانِ والدُفُوفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ﴾ أيْ: غَيْرَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لِأنَّهم أحْرى بِذَلِكَ مِن أنْ يَقْتَصِرَ صَدُّهم عَلى أنْفُسِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ بِما يَعْمَلُونَ (p-٢١١)مُحِيطٌ﴾ آيَةٌ تَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ والتَهْدِيدَ لِمَن بَقِيَ مِنَ الكُفّارِ، ونُفُوذَ القَدَرِ فِيمَن مَضى بِالقَتْلِ.
Page 183
8:46
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦
And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.
8:47
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧
And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.
1 translator’s note
- In knowledge. See footnote to 2:19. ↩
8:48
وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨
And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."
8:49
إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩
[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
8:50
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠
And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.
1 translator’s note
- This sentence is left incomplete for additional effect. Its conclusion is left to the imagination of the reader or listener and estimated as "...you would see a dreadful sight." ↩
8:51
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١
That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
8:52
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٥٢
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allāh, so Allāh seized them for their sins. Indeed, Allāh is Powerful and severe in penalty.