Al-Ghashiyah 88:19
The Overwhelming · Juz 30 · Page 592
وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩
And at the mountains - how they are erected?
Tafsir · in Arabic
Ibn al-Qayyim
Detailed
Change
Commentary on 88:17–20
(فصل)
ثمَّ تَأمل الحِكْمَة العجيبة في الجبال الَّذِي يحسبها الجاهِل الغافل فضلَة في الأرض لا حاجَة إليها وفيها من المَنافِع ما لا يُحْصِيه إلا خالِقها وناصبها وفي حَدِيث إسْلام ضمام بن ثَعْلَبَة قَوْله للنَّبِي بِالَّذِي نصب الجبال وأودع فِيها المَنافِع آللَّهُ أمرك بِكَذا وكَذا قالَ اللَّهُمَّ نعم.
فَمن مَنافِعها أن الثَّلج يسْقط عَلَيْها فَيبقى في قللها حاصِلا لشراب النّاس إلى حِين نقاذه وجعل فِيها ليذوب أولا فأولا فتجيء مِنهُ السُّيُول الغزيرة وتسيل مِنهُ الأنهار والأودية فينبت في المروج والوهاد والربا ضروب النَّبات والفواكه والأدوية الَّتِي لا يكون مثلها في السهل والرمل، فلولا الجبال لسقط الثَّلج على وجه الأرض فانحل جملَة وساح دفْعَة فَعدم وقت الحاجة إليه، وكانَ في انحلاله جملَة السُّيُول الَّتِي تهْلك ما مرت عَلَيْهِ، فَيضر بِالنّاسِ ضَرَرا لا يُمكن تلافيه ولا دَفعه لأذيته.
من مَنافِعها ما يكون في حصونها وقللها من المغارات والكهوف والمعاقل الَّتِي منزلَة الحُصُون والقلاع.
وَهِي أيضا أكنان للنّاس والحَيَوان.
وَمن مَنافِعها ما ينحت من أحجارها للأبنية على اخْتِلاف أصنافها والأرحية وغَيرها.
وَمن مَنافِعها ما يُوجد فِيها من المَعادِن على اخْتِلاف أصنافها من الذَّهَب والفِضَّة والنحاس والحَدِيد والرصاص والزبرجد والزمرد وأضعاف ذَلِك من أنواع المَعادِن الَّذِي يعجز البشر عَن مَعْرفَتها على التَّفْصِيل حَتّى إن فِيها ما يكون الشَّيْء اليَسِير مِنهُ تزيد قِيمَته ومنفعته على قيمَة الذَّهَب بأضعاف مضاعفة.
وفيها من المَنافِع ما لا يُعلمهُ إلا فاطرها ومبدعها سُبْحانَهُ.
وَمن مَنافِعها أيضا أنها ترد الرِّياح العاصِفَة وتكسر حدتها فَلا تدعها تصدم ما تحتها، ولِهَذا فالساكنون تحتها في أمان من الرِّياح العِظام المؤذية.
وَمن مَنافِعها أيضا أنها ترد عَنْهُم السُّيُول إذا كانَت في مجاريها فتصرفها عَنْهُم ذات اليَمين وذات الشمال، ولولاها خربت السُّيُول في مجاريها ما مرت بِهِ فَتكون لَهُم بِمَنزِلَة السد والسكن.
وَمن مَنافِعها أنها أعْلام يسْتَدلّ بها في الطرقات فَهي منزلَة الأدلة المنصوبة المرشدة إلى الطّرق، ولِهَذا سَمّاها الله أعلاما فَقالَ ﴿وَمن آياته الجَوارِ في البَحْر كالأعلام﴾
فالجواري هي السفن والأعلام الجبال واحِدها علم
قالَت الخنساء
؎وَإن صخرا لتأتم الهداة بِهِ ∗∗∗ كأنه علم في رأسه نار
فَسمى الجَبَل علما من العَلامَة والظهور.
وَمن مَنافِعها أيضا ما ينْبت فِيها من العقاقير والأدوية الَّتِي لا تكون في السهول والرمال كَما أن ما ينْبت في السهول والرمال لا ينْبت مثله في الجبال، وفي كل من هَذا وهَذا مَنافِع وحكم لا يُحِيط بِهِ إلا الخلاق العَلِيم.
وَمن مَنافِعها أنها تكون حصونا من الأعداء يتحرز فِيها عباد الله من أعدائهم كَما يتحصنون بالقلاع، بل تكون أبلغ وأحْصن من كثير من القلاع والمدن.
وَمن مَنافِعها ما ذكره الله تَعالى في كِتابه أن جعلها للْأرْض أوتادا تثبتها ورواسي بِمَنزِلَة مراسي السفن وأعظم بها من مَنفَعَة وحِكْمَة.
هَذا وإذا تَأمَّلت خلقتها العجيبة البديعة على هَذا الوَضع وجدتها في غايَة المُطابقَة للحكمة، فإنها لَو طالَتْ واستدفت كالحائط لتعذر الصعُود عَلَيْها والِانْتِفاع بها وسترت عَن النّاس الشَّمْس والهواء فَلم يتمكنوا من الِانْتِفاع بها، ولَو بسطت على وجه الأرض لضيقت عَلَيْهِم المزارِع والمساكن ولملأت السهل ولما حصل لَهُم بها الِانْتِفاع من التحصن والمغارات والأكنان، ولما سترت عَنْهُم الرِّياح، ولما حجبت السُّيُول ولَو جعلت مستديرة شكل الكرة لم يتمكنوا من صعودها ولما حصل لَهُم بها الِانْتِفاع التّام فَكانَ أولى الأشكال والأوضاع بها وأليقها وأوقعها على وفْق المصلحَة هَذا الشكل الَّذِي نصبت عَلَيْهِ.
وَلَقَد دَعانا الله سُبْحانَهُ في كِتابه إلى النّظر فِيها وفي كَيْفيَّة خلقها فَقالَ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾
فخلقها ومنافعها من أكبر الشواهد على قدره باريها وفاطرها وعلمه وحكمته ووحدانيته.
هَذا مَعَ أنها تسبح بِحَمْدِهِ وتخشع لَهُ وتسجد وتشقق وتهبط من خَشيته وهِي الَّتِي خافت من رَبها وفاطرها وخالقها على شدتها وعظم خلقها من الأمانة إذْ عرضها عَلَيْها وأشفقت من حملها.
وَمِنها الجَبَل الَّذِي كلم الله عَلَيْهِ مُوسى كليمه ونجيه.
وَمِنها الجَبَل الَّذِي تجلى لَهُ ربه فساخ وتدكدك.
وَمِنها الجَبَل الَّذِي حبب الله رَسُوله وأصحابه إليه وأحبه رَسُول الله وأصْحابه.
وَمِنها الجبلان اللَّذان جَعلهما الله سورا على نبيه وجعل الصَّفا في ذيل أحدهما والمروة في ذيل الآخر، وشرع لِعِبادِهِ السَّعْي بَينهما، وجعله من مناسكهم وتعبداتهم.
وَمِنها جبل الرَّحْمَة المَنصُوب عَلَيْهِ ميدان عَرَفات.
فَللَّه كم بِهِ من ذَنْب مغْفُور، وعثرة مقالَة، وزلة مَعْفُو عَنْها، وحاجة مقضية، وكربة مفروجة، وبلية مَرْفُوعَة، ونعمة متجددة، وسعادة مكتسبة، وشقاوة ممحوة.
كَيفَ وهو الجَبَل المَخْصُوص بذلك الجمع الأعظم، والوفد الأكرم الَّذين جاؤا من كل فج عميق وقوفا لرَبهم مستكينين لعظمته خاشعين لعزته شعثا غبرا حاسرين عَن رُؤْسهمْ يستقبلوله عثراتهم، ويسألونه حاجاتهم، فيدنو مِنهُم ثمَّ يباهي بهم المَلائِكَة.
فَللَّه ذاك الجَبَل وما ينزل عَلَيْهِ من الرَّحْمَة والتجاوز عَن الذُّنُوب العِظام.
وَمِنها جبل حراء الَّذِي كانَ رَسُول الله يَخْلُو فِيهِ بربه حَتّى أكرمه الله برسالته وهو في غارة فَهو الجَبَل الَّذِي فاض مِنهُ النُّور على أقطار العالم، فَإنَّهُ ليفخر على الجبال وحقّ لَهُ ذَلِك.
فسبحان من اخْتصَّ برحمته وتكريمه من شاءَ من الجبال والرِّجال فَجعل مِنها جبالا هي مغناطيس القُلُوب كَأنَّها مركبة مِنهُ فَهي تهوي إليها كلما ذكرتها، وتهفو نَحْوها كَما اخْتصَّ من الرِّجال من خصّه بكرامته وأتم عَلَيْهِ نعْمَته، ووضع عَلَيْهِ محبته مِنهُ فَأحبهُ وحببه إلى مَلائكَته وعباده المُؤمنِينَ، ووضع لَهُ القبُول في الأرض بَينهم
؎وَإذا تَأمَّلت البِقاع وجدتها ∗∗∗ تشقى كَما تشقى الرِّجال وتسعد
فدع عَنْك الجَبَل الفُلانِيّ وجبل بني فلان وجبل كَذا
؎خُذ ما تراهُ ودع شَيْئا سَمِعت بِهِ ∗∗∗ في طلعة الشَّمْس ما يُغْنِيك عَن زحل
هَذا وإنها لتعلم أن لَها موعدا ويوما تنسف فِيها نسفا، وتصير كالعهن من هوله وعظمه فَهي مشفقة من هول ذَلِك الموعد منتظرة لَهُ.
وَكانَت أم الدَّرْداء رضى الله عَنْها إذا سافَرت فَصَعدت على جبل تَقول لمن مَعها أسمعت الجبال ما وعدها رَبها؟
فَيُقال ما أسمعها فَتَقول ﴿ويسألونك عَن الجبال فَقل ينسفها رَبِّي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فِيها عوجا ولا أمتا﴾
فَهَذا حال الجبال وهِي الحِجارَة الصلبة وهَذِه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال رَبها وعظمته، وقد أخبر عَنْها فاطرها باريها أنه لَو أنْزلْ عَلَيْها كَلامه لخشعت ولتصدعت من خشيَة الله.
فيا عجبا من مُضْغَة لحم أقسى من هَذِه الجبال تسمع آيات الله تتلى عَلَيْها، ويذكر الرب تبارك وتَعالى فَلا تلين ولا تخشع ولا تنيب، فَلَيْسَ بمستنكر على الله عز وجل، ولا يُخالف حكمته أن يخلق لَها نارا تذيبها إذْ لم تلن بِكَلامِهِ وذكره وزواجره ومواعظه، فَمن لم يلن لله في هَذِه الدّار قلبه ولم ينب إليه ولم يذبه بحبه والبكاء من خَشيته فليتمتع قَلِيلا فإن أمامه الملين الأعظم، وسَيَرِدُ إلى عالم الغَيْب والشَّهادَة فَيرى ويعلم.
Page 592
87:16
بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ١٦
But you prefer the worldly life,
87:17
وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ١٧
While the Hereafter is better and more enduring.
87:18
إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٨
Indeed, this is in the former scriptures,
87:19
صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ١٩
The scriptures of Abraham and Moses.
سورة الغاشية
Al-Ghashiyah
The Overwhelming · Meccan · 26 ayahs
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
88:1
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ ١
Has there reached you the report of the Overwhelming [event]?
88:2
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ ٢
[Some] faces, that Day, will be humbled,
88:3
عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ ٣
Working [hard] and exhausted.1
1 translator’s note
- Another accepted meaning is "They were working hard and exhausted," i.e., doing deeds during worldly life which did not benefit them since they were not accompanied by faith or done for the acceptance of Allāh (subḥānahu wa taʿālā) . ↩
88:4
تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ ٤
They will [enter to] burn in an intensely hot Fire.
88:5
تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ ٥
They will be given drink from a boiling spring.
88:6
لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦
For them there will be no food except from a poisonous, thorny plant
88:7
لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧
Which neither nourishes nor avails against hunger.
88:8
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ ٨
[Other] faces, that Day, will show pleasure.
88:9
لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ ٩
With their effort [they are] satisfied
88:10
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ١٠
In an elevated garden,
88:11
لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ ١١
Wherein they will hear no unsuitable speech.1
1 translator’s note
- i.e., any insult, falsehood, immorality, idle or vain talk, etc. ↩
88:12
فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ ١٢
Within it is a flowing spring.
88:13
فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ ١٣
Within it are couches raised high
88:14
وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ ١٤
And cups put in place
88:15
وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ ١٥
And cushions lined up
88:16
وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ ١٦
And carpets spread around.
88:17
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧
Then do they not look at the camels - how they are created?
88:18
وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨
And at the sky - how it is raised?
88:19
وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩
And at the mountains - how they are erected?
88:20
وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ٢٠
And at the earth - how it is spread out?
88:21
فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ٢١
So remind, [O Muḥammad]; you are only a reminder.
88:22
لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ٢٢
You are not over them a controller.
88:23
إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ٢٣
However, he who turns away and disbelieves –
88:24
فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ ٢٤
Then Allāh will punish him with the greatest punishment.
88:25
إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥
Indeed, to Us is their return.
88:26
ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم ٢٦
Then indeed, upon Us is their account.