At-Tawbah 9:73
The Repentance · Juz 10 · Page 199
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣
O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 9:73
﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
لَمّا أشْعَرَ قَوْلُهُ - تَعالى - في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨]، بِأنَّ لَهم عَذابَيْنِ عَذابًا أُخْرَوِيًّا وهو نارُ جَهَنَّمَ، تَعَيَّنَ أنَّ العَذابَ الثّانِيَ عَذابٌ دُنْيَوِيٌّ وهو عَذابُ القَتْلِ، فَلَمّا أعْقَبَ ذَلِكَ بِشَنائِعِ المُنافِقِينَ وبِضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِالأُمَمِ البائِدَةِ، أمَرَ نَبِيَّهُ بِجِهادِ المُنافِقِينَ وهَذا هو الجِهادُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ في سُورَةِ الأحْزابِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] فَبَعْدَ أنْ أنْذَرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَرْتَدِعُوا ومَضى عَلَيْهِمْ مِنَ المُدَّةِ ما كُشِفَتْ فِيهِ دَخِيلَتُهم بِما تَكَرَّرَ مِنهم مِن بَوادِرِ الكُفْرِ والكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ، أنْجَزَ اللَّهُ ما أنْذَرَهم بِهِ بِأنْ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِجِهادِهِمْ. والجِهادُ القِتالُ لِنَصْرِ الدِّينِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] في سُورَةِ العُقُودِ.
وقُرِنَ المُنافِقُونَ هُنا بِالكُفّارِ: تَنْبِيهًا عَلى أنَّ سَبَبَ الأمْرِ بِجِهادِ الكُفّارِ قَدْ تَحَقَّقَ في المُنافِقِينَ، فَجِهادُهم كَجِهادِ الكُفّارِ، ولِأنَّ اللَّهَ لَمّا قَرَنَهم في الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ إذْ قالَ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] وأوْمَأ قَوْلُهُ هُنالِكَ بِأنَّ لَهم عَذابًا آخَرَ، لا جَرَمَ جَمْعَهم عِنْدَ شَرْعِ هَذا العَذابِ الآخَرِ لَهم.
صفحة ٢٦٦
فالجِهادُ المَأْمُورُ لِلْفَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفٌ، ولَفْظُ الجِهادِ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وفائِدَةُ القَرْنِ بَيْنَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في الجِهادِ إلْقاءُ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَخْشى أنْ يَظْهَرَ أمْرُهُ فَيُعامَلَ مُعامَلَةَ الكُفّارِ المُحارِبِينَ فَيَكُونَ ذَلِكَ خاضِدًا شَوْكَتَهم.
وأمّا جِهادُهم بِالفِعْلِ فَمُتَعَذِّرٌ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُظْهِرِينَ الكُفْرَ، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ الجِهادَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُنافِقِينَ بِالمُقاوَمَةِ بِالحُجَّةِ وإقامَةِ الحُدُودِ عِنْدَ ظُهُورِ ما يَقْتَضِيها، وكانَ غالِبُ مَن أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ في عَهْدِ النُّبُوءَةِ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: جِهادُهم يَنْتَهِي إلى الكَشْرِ في وُجُوهِهِمْ. وحَمَلَها الزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ عَلى ظاهِرِ الأمْرِ بِالجِهادِ، ونَسَبَهُ الطَّبَرِيُّ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ولَكِنَّهُما لَمْ يَأْتِيا بِمَقْنَعٍ مِن تَحْقِيقِ المَعْنى.
وهَذِهِ الآيَةُ إيذانٌ لِلْمُنافِقِينَ بِأنَّ النِّفاقَ يُوجِبُ جِهادَهم قَطْعًا لِشَأْفَتِهِمْ مِن بَيْنِ المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهم ويُعَرِّفُهم لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَعْرِفُونَ مِنهم مَن تَكَرَّرَتْ بَوادِرُ أحْوالِهِ، وفَلَتاتُ مَقالِهِ. وإنَّما كانَ النَّبِيءُ مُمْسِكًا عَنْ قَتْلِهِمْ سَدًّا لِذَرِيعَةِ دُخُولِ الشَّكِّ في الأمانِ عَلى الدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما قالَ لِعُمَرَ «لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ» لِأنَّ العامَّةَ والغائِبِينَ عَنِ المَدِينَةِ لا يَبْلُغُونَ بِعِلْمِهِمْ إلى مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأُمُورِ الجارِيَةِ بِالمَدِينَةِ، فَيَسْتَطِيعُ دُعاةُ الفِتْنَةِ أنْ يُشَوِّهُوا الأعْمالَ النّافِعَةَ بِما فِيها مِن صُورَةٍ بَشِيعَةٍ عِنْدَ مَن لا يَعْلَمُ الحَقِيقَةَ، فَلَمّا كَثُرَ الدّاخِلُونَ في الإسْلامِ واشْتَهَرَ مِن أمانِ المُسْلِمِينَ ما لا شَكَّ مَعَهُ في وفاءِ المُسْلِمِينَ، وشاعَ مِن أمْرِ المُنافِقِينَ وخِيانَتِهِمْ ما تَسامَعَتْهُ القَبائِلُ وتَحَقَّقَهُ المُسْلِمُ والكافِرُ، تَمَحَّضَتِ المَصْلَحَةُ في اسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِمْ، وانْتَفَتْ ذَرِيعَةُ تَطَرُّقِ الشَّكِّ في أمانِ المُسْلِمِينَ، وعَلِمَ اللَّهُ أنَّ أجَلَ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدِ اقْتَرَبَ، وأنَّهُ إنْ بَقِيَتْ بَعْدَهُ هَذِهِ الفِئَةُ ذاتُ الفِتْنَةِ تَفاقَمَ أمْرُها وعَسُرَ تَدارُكُها، واقْتَدى بِها كُلُّ مَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، لا جَرَمَ آذَنَهم بِحَرْبٍ لِيَرْتَدِعُوا ويُقْلِعُوا عَنِ النِّفاقِ. والَّذِي يُوجِبُ قِتالَهم أنَّهم صَرَّحُوا بِكَلِماتِ الكُفْرِ، أيْ صَرَّحَ كُلُّ واحِدٍ بِما يَدُلُّ عَلى إبْطانِهِ الكُفْرَ وسَمِعَها الآخَرُونَ فَرَضُوا بِها، وصَدَرَتْ مِن فَرِيقٍ مِنهم أقْوالٌ وأفْعالٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْتَخِفُّونَ بِالدِّينِ،
صفحة ٢٦٧
وقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُرْبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ مِن حِكْمَةِ الإعْلامِ بِهَذا الجِهادِ تَهْيِئَةَ المُسْلِمِينَ لِجِهادِ كُلِّ قَوْمٍ يَنْقُضُونَ عُرى الإسْلامِ وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم مُسْلِمُونَ، كَما فَعَلَ الَّذِينَ مَنَعُوا الزَّكاةَ وزَعَمُوا أنَّهم لَمْ يَكْفُرُوا وإنَّما الزَّكاةُ حَقُّ الرَّسُولِ في حَياتِهِ، وما ذَلِكَ إلّا نِفاقٌ مِن قادَتِهِمُ اتَّبَعَهُ دَهْماؤُهم، ولَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ كانَتْ سَبَبًا في انْزِجارِ مُعْظَمِ المُنافِقِينَ عَنِ النِّفارِ وإخْلاصِهِمُ الإيمانَ كَما ورَدَ في قِصَّةِ الجُلاسِ بْنِ سُوَيْدٍ. وكانَ قَدْ كَفى اللَّهُ شَرَّ مُتَوَلِّي كِبْرِ النِّفاقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ بِمَوْتِهِ فَكانَ كُلُّ ذَلِكَ كافِيًا عَنْ إعْمالِ الأمْرِ بِجِهادِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ. ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]
وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى التَّكْفِيرِ بِما يَدُلُّ عَلى الكُفْرِ مِن قائِلِهِ أوْ فاعِلِهِ دَلالَةً بَيِّنَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ أعْلَنَ الكُفْرَ.
﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يَكُونَ غَلِيظًا مَعَهم. والغِلْظَةُ يَأْتِي مَعْناها: عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وإنَّما وُجِّهَ هَذا الأمْرُ إلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ جُبِلَ عَلى الرَّحْمَةِ فَأُمِرَ بِأنْ يَتَخَلّى عَنْ جِبِلَّتِهِ في حَقِّ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ وأنْ لا يُغْضِي عَنْهم كَما كانَ شَأْنُهُ مِن قَبْلُ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي نَسْخَ إعْطاءِ الكُفّارِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم عَلى الإسْلامِ وإنَّما يَبْقى ذَلِكَ لِلدّاخِلِينَ في الإسْلامِ حَدِيثًا.
وجُمْلَةُ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ تَذْيِيلٌ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ مَرّاتٍ. والمَأْوى ما يَأْوِي إلَيْهِ المَرْءُ مِنَ المَكانِ، أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ.
والمَصِيرُ المَكانُ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ المَرْءُ، أيْ يَرْجِعُ فالِاخْتِلافُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَأْوى بِالِاعْتِبارِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما هُنا تَفَنُّنٌ.
Page 199
9:73
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣
O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
9:74
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤
They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.1 And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.2 So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.
9:75
۞ وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥
And among them are those who made a covenant with Allāh, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."
9:76
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦
But when He gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.
9:77
فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧
So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allāh in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.
9:78
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨
Did they not know that Allāh knows their secrets and their private conversations and that Allāh is the Knower of the unseen?
9:79
ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩
Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allāh will ridicule them, and they will have a painful punishment.