Абу ХайянЮнус · 10:101–109

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Юнус 10:101–109

10:101–102Страница 220

قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ١٠١

Скажи: «Понаблюдайте за тем, что на небесах и на земле». Но знамения и увещевания не приносят пользы тем, кто не уверовал!

فَهَلۡ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثۡلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ قُلۡ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ١٠٢

Неужели они ждут дней, подобных тем, которые наступили для их предшественников? Скажи: «Ждите, и я подожду вместе с вами».

(p-١٩٤)﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾: أمَرَ تَعالى بِالفِكْرِ فِيما أوْدَعَهُ تَعالى في السَّماواتِ والأرْضِ، إذِ السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَتِهِ تَعالى هو بِالتَّفَكُّرِ في مَصْنُوعاتِهِ، فَفي العالَمِ العُلْوِيِّ في حَرَكاتِ الأفْلاكِ ومَقادِيرِها وأوْضاعِها والكَواكِبِ، وما يَخْتَصُّ بِذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ، وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ في أحْوالِ العَناصِرِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وخُصُوصًا حالُ الإنْسانِ. وكَثِيرًا ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ الحَضَّ عَلى الفِكْرِ في مَخْلُوقاتِهِ تَعالى وقالَ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ، والعاقِلُ يَتَنَبَّهُ لِتَفاصِيلِها وأقْسامِها. ثُمَّ لَمّا أمَرَ بِالنَّظَرِ أخْبَرَ أنَّهُ مَن لا يُؤْمِنُ لا تُغْنِيهِ الآياتُ.

والنُّذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ، إمّا مَصْدَرٌ فَمَعْناهُ: الإنْذاراتُ، وإمّا بِمَعْنى: مُنْذِرٌ فَمَعْناهُ: المُنْذِرُونَ والرُّسُلُ. وما: الظّاهِرُ أنَّها لِلنَّفْيِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ تُغْنِي الآياتُ وهي الدَّلائِلُ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ. وفي الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ والكِسائِيُّ: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ بِضَمِّ اللّامِ، وقُرِئَ: ﴿وما تُغْنِي﴾ بِالتّاءِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وبِالياءِ. وماذا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: (في السَّماواتِ) . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ: ذا بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ (في السَّماواتِ) . وانْظُرُوا مُعَلَّقَةٌ، فالجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَبْعُدُ أنْ تَكُونَ ماذا كُلُّهُ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، ويَكُونُ مَفْعُولًا لِقَوْلِهِ: انْظُرُوا؛ لِأنَّهُ إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً تَعَدَّتْ بِإلى، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً تَعَدَّتْ بِفي.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما في قَوْلِهِ: وما تُغْنِي، مَفْعُولَةً لِقَوْلِهِ: (انْظُرُوا)، مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ماذا، أيْ: تَأمَّلُوا نُذُرَ غِنى الآياتِ والنُّذُرِ عَنِ الكُفّارِ إذا قَبِلُوا ذَلِكَ كَفِعْلِ قَوْمِ يُونُسَ، فَإنَّهُ يَرْفَعُ العَذابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ويُنْجِي مِنَ الهَلَكاتِ.

والآيَةُ عَلى هَذا تَحْرِيضٌ عَلى الإيمانِ، وتَجَوُّزُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إنَّما هو في قَوْلِهِ: لا يُؤْمِنُونَ، انْتَهى. وهَذا احْتِمالٌ فِيهِ ضَعْفٌ. وفي قَوْلِهِ: مَفْعُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ (ماذا) تَجَوُّزٌ يَعْنِي أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ الَّتِي هي ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، لِأنَّ ماذا مَنصُوبٌ وحْدَهُ بِانْظُرُوا، فَيَكُونُ ماذا مَوْصُولَةً، وانْظُرُوا بَصَرِيَّةً لِما تَقَدَّمَ، والأيّامُ هُنا: وقائِعُ اللَّهِ فِيهِمْ، كَما يُقالُ أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِها.

وفِي الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرٌ وتَوَعَّدٌ وحَضٌّ عَلى الإيمانِ، والمَعْنى: إذا لَجُّوا في الكُفْرِ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ، وإذا آمَنُوا نَجَوْا، هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ.

قُلْ فانْتَظِرُوا: أمْرُ تَهْدِيدٍ، أيِ: انْتَظِرُوا ما يَحِلُّ بِكم كَما حَلَّ بِمَن قَبْلَكم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ.

10:103Страница 220

ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيۡنَا نُنجِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٣

Потом Мы спасем Наших посланников и тех, которые уверовали. Так Нам надлежит спасать верующих.

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] وكانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِما حَلَّ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ المُكَذِّبَةِ ومُصَرِّحًا بِهَلاكِهِمْ في غَيْرِ ما آيَةٍ، أخْبَرَ تَعالى عَنْ حِكايَةِ حالِهِمُ الماضِيَةِ فَقالَ: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا، والمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ خَلَوْا أهْلَكْناهم لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ، ثُمَّ نَجَّيْنا الرُّسُلَ والمُؤْمِنِينَ. ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ نُنَجِّي مَعْطُوفٌ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ الأُمَمَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا عَلى مِثْلِ الحِكاياتِ الماضِيَةِ.

والظّاهِرُ أنَّ كَذَلِكَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ تَقْدِيرُهُ: مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ الَّذِي نَجَّيْنا الرُّسُلَ ومُؤْمِنِيهِمْ، نُنَجِّي مَن آمَنَ بِكَ يا مُحَمَّدُ، ويَكُونُ حَقًّا عَلى تَقْدِيرِ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.

وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقًّا بَدَلًا مِنَ المَحْذُوفِ النّائِبِ عَنْهُ الكافُ تَقْدِيرُهُ: إنْجاءُ مِثْلِ ذَلِكَ حَقًّا. وأجازَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وحَقًّا مَنصُوبَيْنِ (p-١٩٥)بِنُنْجِي الَّتِي بَعْدَهُما، وأنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مَنصُوبًا بِـ (نُنَجِّي) الأُولى، وحَقًّا بِـ (نُنْجِي) الثّانِيَةِ، وأجازَ هو تابِعًا لِـ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقَدَّرَهُ الأمْرُ كَذَلِكَ، وحَقًّا مَنصُوبٌ بِما بَعْدَها.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ نُنَجِّي المُؤْمِنِينَ مِنكم ونُهْلِكُ المُشْرِكِينَ، وحَقًّا عَلَيْنا: اعْتِراضٌ يَعْنِي: حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا. قالَ القاضِي: حَقًّا عَلَيْنا المُرادُ بِهِ: الوُجُوبُ، لِأنَّ تَخْلِيصَ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ إلى الثَّوابِ واجِبٌ، ولَوْلاهُ ما حَسُنَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُلْزِمَهُمُ الأفْعالَ الشّاقَّةَ.

وإذا ثَبَتَ لِهَذا السَّبَبِ جَرى مَجْرى قَضاءِ الدَّيْنِ لِلسَّبَبِ المُتَقَدِّمِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ حَقٌّ بِحَسَبِ الوَعْدِ والحُكْمِ لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ، لِما ثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى خالِقِهِ شَيْئًا. وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَفْصٌ: ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] بِالتَّخْفِيفِ مُضارِعُ أنْجى، وخَطُ المُصْحَفِ نُنْجِ بِغَيْرِ ياءٍ.

10:104–107Страница 220

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي شَكّٖ مِّن دِينِي فَلَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنۡ أَعۡبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُمۡۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٤

Скажи: «О люди! Если вы сомневаетесь в моей религии, то ведь я не поклоняюсь тем, кому вы поклоняетесь вместо Аллаха. Я поклоняюсь Аллаху, Который умертвит вас, и мне приказано быть одним из верующих».

وَأَنۡ أَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٥

Искренне обрати свой лик к религии и не будь одним из многобожников.

وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٦

Не взывай вместо Аллаха к тому, что не приносит тебе пользы и не причиняет тебе вреда. Если же ты поступишь так, то окажешься в числе беззаконников.

وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٧

Если Аллах коснется тебя вредом, то никто, кроме Него, не избавит тебя от него. Если Он пожелает одарить тебя добром, то никто не отвратит Его милости. Он одаряет ею того из Своих рабов, кого пожелает. Он - Прощающий, Милосердный.

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ ما أنا عَلَيْهِ فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْتِفاءِ مِن عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ تَسْفِيهًا لِآرائِهِمْ، وأثْبَتَ ثانِيًا مَنِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو اللَّهُ الَّذِي يَتَوَفّاكم.

وفِي ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الوَسَطِ الدّالِّ عَلى التَّوَفِّي دِلالَةٌ عَلى البَدْءِ وهو الخَلْقُ وعَلى الإعادَةِ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم ويَتَوَفّاكم ويُعِيدُكم، وكَثِيرًا ما صُرِّحَ في القُرْآنِ بِهَذِهِ الأطْوارِ الثَّلاثَةِ، وكانَ التَّصْرِيحُ بِهَذا الوَصْفِ لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ، وإرْهابِ النُّفُوسِ بِهِ، وصَيْرُورَتِهِمْ إلى اللَّهِ بَعْدَهُ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يُخافَ ويُتَّقى ويُعْبَدَ لا الحِجارَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها.

﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وكانَتِ العِبادَةُ أغْلَبَ ما عَلَيْها عَمَلُ الجَوارِحِ، أخْبَرَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُفْرِدُونَ لَهُ بِالعِبادَةِ، وانْتَقَلَ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ إلى نُورِ المَعْرِفَةِ، وطابَقَ الباطِنُ الظّاهِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِما رَكَّبَ فِيَّ مِنَ العَقْلِ، وبِما أوْحى إلَيَّ في كِتابِهِ.

وقِيلَ مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ومِمّا أنا عَلَيْهِ، أأثْبُتُ أمْ أتْرُكُهُ وأُوافِقُكم ؟ فَلا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالمُحالِ، ولا تَشُكُّوا في أمْرِي، واقْطَعُوا عَنِّي أطْماعَكم، واعْلَمُوا أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ولا أخْتارُ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ [يونس: ٧٢]: أصْلُهُ بِأنْ أكُونَ، فَحُذِفَ الجارُ وهَذا الحَذْفُ (p-١٩٦)يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ المُطَّرِدِ، الَّذِي هو حَذْفُ الحُرُوفِ الجارَّةِ مَعَ أنْ وأنَّ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] انْتَهى.

يَعْنِي بِالحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، إنَّهُ لا يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي إلّا في أفْعالٍ مَحْصُورَةٍ سَماعًا لا قِياسًا وهي: اخْتارَ واسْتَغْفَرَ وأمَرَ وسَمّى ولَبّى ودَعا بِمَعْنى: سَمّى وزَوَّجَ وصَدَّقَ خِلافًا لِمَن قاسَ الحَذْفَ بِحَرْفِ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، حَيْثُ يَعْنِي الحَرْفَ، ومَوْضِعُ الحَذْفِ نَحْوُ: بَرَيْتُ القَلَمَ بِالسِّكِّينِ، فَيُجِيزُ السِّكِّينَ بِالنَّصْبِ. وجَوابُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ قَوْلُهُ: فَلا أعْبُدُ، والتَّقْدِيرُ: فَأنا لا أعْبُدُ، لِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا إذا وقَعَ جَوابًا انْجَزَمَ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ عُلِمَ أنَّهُ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ لَوِ ارْتَفَعَ دُونَ لا لِقَوْلِهِ.

﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. وتَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا أعْبُدُ﴾ مَعْنى: فَأنا مُخالِفُكم.

﴿وأنْ أقِمْ﴾: يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لِقَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ)، مُراعًى فِيها المَعْنى. لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: (أنْ أكُونَ): كُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ أنْ مَصْدَرِيَّةً صِلَتُها الأمْرُ. وقَدْ أجازَ ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ، فَلَمْ يَلْتَزِمُوا في صِلَتِها ما التُزِمَ في صِلاتِ الأسْماءِ المَوْصُولَةِ، مِن كَوْنِها لا تَكُونُ إلّا خَبَرِيَّةً بِشُرُوطِها المَذْكُورَةِ في النَّحْوِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيْ: وأُوحِيَ إلَيَّ أنْ أقِمْ، فاحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ حَرْفَ تَفْسِيرٍ، لِأنَّ الجُمْلَةَ المُقَدَّرَةَ فِيها مَعْنى القَوْلِ، وإضْمارُ الفِعْلِ أوْلى، لِيَزُولَ قَلَقُ العَطْفِ لِوُجُودِ الكافِ، إذْ لَوْ كانَ: ﴿وأنْ أقِمْ﴾ عَطْفًا عَلى أنْ أكُونَ، لَكانَ التَّرْكِيبُ وجْهِي بِياءِ المُتَكَلِّمَ ومُراعاةُ المَعْنى فِيهِ ضَعْفٌ، وإضْمارُ الفِعْلِ أكْثَرُ مِن مُراعاةِ العَطْفِ عَلى المَعْنى. والوَجْهُ هُنا المَنحى والمَقْصِدُ، أيِ: اسْتَقِمْ لِلدِّينِ ولا تَحِدْ عَنْهُ، وكَنّى بِذَلِكَ عَنْ صَرْفِ العَقْلِ بِالكُلِّيَّةِ إلى طَلَبِ الدِّينِ. و(حَنِيفًا): حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في أقِمْ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الدِّينِ. (ولا تَدْعُ): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ نَهْيٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أقِمْ، فَيَكُونُ في حَيِّزِ أنْ عَلى قِسْمَيْها مِن كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً، وكَوْنِها حَرْفَ تَفْسِيرٍ.

وإذا كانَ دُعاءُ الأصْنامِ مَنهِيًّا عَنْهُ فَأحْرى أنْ يُنْهى عَنْ عِبادَتِها ﴿فَإنْ فَعَلْتَ﴾ كَنّى بِالفِعْلِ عَنِ الدُّعاءِ إيجازًا أيْ: فَإنْ دَعَوْتَ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ. وجَوابُ الشَّرْطِ فَإنَّكَ وخَبَرُها، وتَوَسَّطَتْ إذا بَيْنَ اسْمِ إنَّ والخَبَرِ، ورُتْبَتُها بَعْدَ الخَبَرِ، لَكِنْ رُوعِيَ في ذَلِكَ الفاصِلَةُ. قالَ الحَوْفِيُّ: الفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، وإذا مُتَوَسِّطَةٌ لا عَمَلَ لَها يُرادُ بِها في هَذا: إذا كانَ ذَلِكَ، هَذا تَفْسِيرُ المَعْنى لا يَجِيءُ عَلى مَعْنى الجَوابِ، انْتَهى.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا جَوابُ الشَّرْطِ، وجَوابٌ لِجَوابٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ تَبِعَةِ عِبادَةِ الأوْثانِ. وجُعِلَ مِنَ الظّالِمِينَ لِأنَّهُ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِنَ الشِّرْكِ، ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] انْتَهى.

وكَلامُهُ في إذا يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ فِيها مُشْبَعًا في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا وقَعَ النَّهْيُ عَنْ دُعاءِ الأصْنامِ وهي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ذَكَرَ أنَّ الحَوْلَ والقُوَّةَ والنَّفْعَ والضُّرَّ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ، وأنَّهُ تَعالى هو المُنْفَرِدُ بِذَلِكَ، وأتى في الضُّرِّ بِلَفْظِ المَسِّ، وفي الخَيْرِ بِلَفْظِ الإرادَةِ، وطابَقَ بَيْنَ الضُّرِّ والخَيْرِ مُطابَقَةً مَعْنَوِيَّةً لا لَفْظِيَّةً، لِأنَّ مُقابِلَ الضُّرِّ النَّفْعُ، ومُقابِلَ الخَيْرِ الشَّرُّ، فَجاءَتْ لَفْظَةُ الضُّرِّ ألْطَفَ وأخَصَّ مِن لَفْظَةِ الشَّرِّ، وجاءَتْ لَفْظَةُ الخَيْرِ أتَمَّ مِن لَفْظَةِ النَّفْعِ، ولَفْظَةُ المَسِّ أوْجَزَ مِن لَفْظِ الإرادَةِ، وأنَصَّ عَلى الإصابَةِ وأنْسَبَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾، ولَفْظُ الإرادَةِ أدَلُّ عَلى الحُصُولِ في وقْتِ الخِطابِ وفي غَيْرِهِ وأنْسَبُ لِلَفْظِ الخَيْرِ، وإنْ كانَ المَسُّ والإرادَةُ مَعْناهُما الإصابَةُ. وجاءَ جَوابُ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ﴾ بِنَفْيٍ عامٍّ وإيجابٍ، وجاءَ جَوابُ ﴿وإنْ يُرِدْكَ﴾ بِنَفْيٍ عامٍّ، لِأنَّ ما أرادَهُ لا يَرُدُّهُ رادٌّ لا هو ولا غَيْرُهُ، لِأنَّ إرادَتَهُ قَدِيمَةٌ لا تَتَغَيَّرُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَجِيءِ التَّرْكِيبُ فَلا رادَّ لَهُ إلّا هو.

والمَسُّ مِن حَيْثُ هو فِعْلٌ هو صِفَةُ فِعْلٍ يُوقِعُهُ ويَرْفَعُهُ بِخِلافِ الإرادَةِ، فَإنَّها صِفَةُ ذاتٍ وجاءَ ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾: سَمّى الخَيْرَ فَضْلًا إشْعارًا بِأنَّ الخُيُورَ (p-١٩٧)مِنَ اللَّهِ تَعالى، هي صادِرَةٌ عَلى سَبِيلِ الفَضْلِ والإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. ثُمَّ اتَّسَعَ في الإخْبارِ عَنِ الفَضْلِ والخَيْرِ فَقالَ: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ بِالصِّفَتَيْنِ الدّالَّتَيْنِ عَلى عَدَمِ المُؤاخَذَةِ وهُما: الغَفُورُ الَّذِي يَسْتُرُ ويَصْفَحُ عَنِ الذُّنُوبِ، والرَّحِيمُ الَّذِي رَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ.

ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾: فَأخَرَّ الضُّرَّ، ناسَبَ أنْ تَكُونَ البُداءَةُ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ المُتَعَلِّقَةِ بِالضُّرِّ. وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا كانَ الكُفّارُ يُتَوَقَّعُ مِنهُمُ الضُّرُّ لِلْمُؤْمِنِينَ، والنَّفْعُ لا يُرْجى مِنهم، كانَ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ الضُّرِّ آكَدُ في الإخْبارِ فَبُدِئَ بِها.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ ذَكَرَ المَسَّ في أحَدِهِما، والإرادَةَ في الثّانِي ؟ قُلْتُ: كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَذْكُرَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا: الإرادَةَ والإصابَةَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الضُّرِّ والخَيْرِ، وأنَّهُ لا رادَّ لِما يُرِيدُ مِنهُما، ولا مُزِيلَ لِما يُصِيبُ بِهِ مِنهُما، فَأوْجَزَ الكَلامَ: بِأنْ ذَكَرَ المَسَّ وهو الإصابَةُ في أحَدِهِما، والإرادَةَ في الإنْجازِ، لِيَدُلَّ بِما ذَكَرَ عَلى ما تَرَكَ عَلى أنَّهُ قَدْ كَرَّرَ الإصابَةَ في الخَيْرِ في قَوْلِهِ: يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، والمُرادُ بِالمَشِيئَةِ: المَصْلَحَةُ.

10:108–109Страница 221

قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ١٠٨

Скажи: «О люди! К вам явилась истина от вашего Господа. Кто следует прямым путем, тот поступает во благо себе, а кто впадает в заблуждение, тот поступает во вред себе. Я не являюсь вашим попечителем и хранителем».

وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَٱصۡبِرۡ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ١٠٩

Следуй тому, что внушается тебе в откровении, и терпи, пока Аллах не вынесет приговор, ведь Он - Наилучший из судей.

﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ الحَقُّ: القُرْآنُ، أوِ الرَّسُولُ، أوْ دِينُ الإسْلامِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ والمَعْنى: فَإنَّما ثَوابُ هِدايَتِهِ حاصِلٌ لَهُ، ووَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، والهِدايَةُ والضَّلالُ واقِعانِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ العَبْدِ، هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ.

وأنَّ مَن حُكِمَ لَهُ في الأزَلِ بِالِاهْتِداءِ فَسَيَقَعُ ذَلِكَ، وأنَّ مَن حُكِمَ لَهُ بِالضَّلالِ فَكَذَلِكَ، ولا حِيلَةَ في ذَلِكَ.

وقالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أكْمَلَ الشَّرِيعَةَ وأزاحَ العِلَّةَ وقَطَعَ المَعْذِرَةَ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ فَلا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ السَّعْيِ في إيصالِكم إلى الثَّوابِ العَظِيمِ، وفي تَخْلِيصِكم مِنَ العَذابِ الألِيمِ أزْيَدُ مِمّا فَعَلْتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ ولا عَلى اللَّهِ تَعالى حُجَّةٌ، فَمَنِ اخْتارَ الهُدى واتِّباعَ الحَقِّ فَما نَفَعَ بِاخْتِيارِهِ إلّا نَفْسَهُ، ومَن آثَرَ الضَّلالَ فَما ضَرَّ إلّا نَفْسَهُ.

واللّامُ وعَلى: عَلى مَعْنى النَّفْعِ والضُّرِّ، وكَّلَ إلَيْهِمُ الأمْرَ بَعْدَ إزاحَةِ العِلَلِ وإبانَةِ الحَقِّ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى إتْيانِ الهُدى واطِّراحِ الضَّلالِ مَعَ ذَلِكَ، ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾: بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إلَيَّ أمْرُكم وحَمْلُكم عَلى ما أُرِيدُ، إنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ، انْتَهى.

وكَلامُهُ تَذْيِيلُ كَلامِ القاضِي، وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ. وأمْرُهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِاتِّباعٍ ما يُوحى إلَيْهِ أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ وبِالصَّبْرِ عَلى ما يَنالُكَ في اللَّهِ مِن أذى الكُفّارِ وإعْراضِهِمْ، وغَيّا الأمْرَ بِالصَّبْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾، وهو وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ ونَصْرِهِ عَلى أعْدائِهِ كَما وقَعَ. وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ (اصْبِرْ): مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ مُحْكَمٌ، وحَمَلُوا ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾: عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِحَفِيظٍ عَلى أعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْها، بَلْ ذَلِكَ لِلَّهِ. وقَوْلُهُ: (واصْبِرْ): عَلى الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وحَمْلِ أثْقالِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الرِّسالَةِ، وعَلى هَذا لا تَعارُضَ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وبَيْنَ آيَةِ السَّيْفِ، وإلى هَذا مالَ المُحَقِّقُونَ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: واصْبِرْ، جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأنْصارَ فَقالَ: «إنَّكم سَتَجِدُونَ بِعْدِي أثَرَةً فاصْبِرُوا حَتّى تَلْقَوْنِي» قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنِّي أُمِرْتُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّبْرِ عَلى ما سامَنِي الكَفَرَةُ، فَصَبَرْتُ واصْبِرُوا أنْتُمْ عَلى ما يَسُومُكُمُ الأُمَراءُ الجَوَرَةُ. قالَ أنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ، ثُمَّ ذَكَرَ حِكايَةً جَرَتْ بَيْنَ أبِي قَتادَةَ ومُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يُوقَفُ عَلَيْها مِن كِتابِهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English