Абу ХайянЮнус · 10:38–52

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Юнус 10:38–52, продолжение

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ: إنْ أرَيْناكَ عُقُوبَتَهم أوْ لَمْ نُرِكَها فَهم عَلى كُلِّ حالٍ راجِعُونَ إلَيْنا إلى الحِسابِ والعَذابِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ اللَّهُ شَهِيدٌ مِن أوَّلِ تَكْلِيفِهِمْ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِمْ.

فَثُمَّ هاهُنا لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ القَصَصِ في أنْفُسِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم جَوابُ نَتَوَفَّيَنَّكَ، وجَوابُ نُرِيَنَّكَ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم فَذاكَ، أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَهُ، فَنَحْنُ نُرِيكَ في الآخِرَةِ، انْتَهى. فَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الكَلامَ شَرْطَيْنِ لَهُما جَوابانِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ مَحْذُوفٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم صالِحٌ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.

وأيْضًا فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَذاكَ هو اسْمٌ مُفْرَدٌ لا يَنْعَقِدُ مِنهُ جَوابُ شَرْطٍ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَأْتِيَ بِجُمْلَةٍ يَتَّضِحُ مِنها جَوابُ الشَّرْطِ، إذْ لا يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ فَذاكَ الجُزْءُ الَّذِي حُذِفَ المُتَحَصِّلُ بِهِ فائِدَةُ الإسْنادِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ثَمَّ اللَّهُ بِفَتْحِ الثّاءِ، أيْ: هُنالِكَ. ومَعْنى شَهادَةِ اللَّهِ عَلى ما يَفْعَلُونَ مُقْتَضاها ونَتِيجَتُها وهو العِقابُ، كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ اللَّهُ مُعاقِبُهم، وإلّا فَهو تَعالى شَهِيدٌ عَلى أفْعالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى مُؤَدٍّ شَهادَتَهُ عَلى أفْعالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى تَنْطِقَ جُلُودُهم، وألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم شاهِدَةً عَلَيْهِمْ.

﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: لَمّا بَيَّنَ حالَ الرَّسُولِ ﷺ في قَوْمِهِ بَيَّنَ حالَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أقْوامِهِمْ، تَسْلِيَةً لَهُ وتَطْمِينًا لِقَلْبِهِ.

ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما أهْمَلَ أُمَّةً، بَلْ بَعَثَ إلَيْها رَسُولًا كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾، إمّا أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ حالَةٍ ماضِيَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ في الدُّنْيا، ويَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ بَعَثَ إلى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا يَدْعُوهم إلى دِينِ اللَّهِ ويُنَبِّئُهم عَلى تَوْحِيدِهِ، فَلَمّا جاءَهم بِالبَيِّناتِ كَذَّبُوهُ، فَقُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الرَّسُولِ وأُمَّتِهِ، فَأنْجى الرَّسُولَ وعُذِّبَ المُكَذِّبُونَ. وإمّا أنْ يَكُونَ عَلى حالَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، أيْ: فَإذا جاءَهم رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ قُضِيَ بَيْنَهم، أيْ: بَيْنَ الأُمَّةِ بِالعَدْلِ، فَصارَ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٌ إلى النّارِ، فَهَذا هو القَضاءُ بَيْنَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. ويَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٦٩] .

﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: الضَّمِيرُ في ويَقُولُونَ، عائِدٌ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ومَن تابَعَهم مِن مُنْكِرِي الحَشْرِ، اسْتَعْجَلُوا بِما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ، أوْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ، ولِذَلِكَ قالُوا: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أيْ: لَسْتُمْ صادِقِينَ فِيما وعَدْتُمْ بِهِ فَلا يَقَعُ شَيْءٌ مِنهُ.

وقَوْلُهم: هَذا يَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ في الآيَةِ قَبْلَها، وأنَّها حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. وأنَّ مَعْنى ذَلِكَ: فَإذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ وكَذَّبُوهُ قُضِيَ بَيْنَهم في الدُّنْيا، وأنَّ كُلَّ رَسُولٍ وعَدَ أُمَّتَهُ بِالعَذابِ في الدُّنْيا إنْ هي كَذَّبَتْ.

(p-١٦٥)﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: لَمّا التَمَسُوا تَعْجِيلَ العَذابِ أوْ تَعْجِيلَ السّاعَةِ، أمَرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ لَهم: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ، بَلْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى.

وإذا كُنْتُ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا فَكَيْفَ أمْلِكُهُ لِغَيْرِي ؟ أوْ كَيْفَ أطَّلِعُ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْنِي عَلَيْهِ اللَّهُ ؟ ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ بِعِلْمِهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ في الأعْرافِ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: آجالُهم عَلى الجَمْعِ.

وإلّا ما شاءَ اللَّهُ ظاهِرُهُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ أمْلِكَهُ وأقْدِرَ عَلَيْهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ كائِنٌ، فَكَيْفَ أمْلِكُ لَكُمُ الضَّرَرَ وجَلْبَ العَذابِ. ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ، أيْ: إنَّ عَذابَكم لَهُ أجَلٌ مَضْرُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ.

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (p-١٦٦)تَقَدَّمَ الكَلامُ في أرَأيْتُمْ في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَرَّرْنا هُناكَ أنَّ العَرَبَ تُضَمِّنُ أرَأيْتَ مَعْنى أخْبِرْنِي، وأنَّها تَتَعَدّى إذْ ذاكَ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأنَّ المَفْعُولَ الثّانِي أكْثَرُ ما يَكُونُ جُمْلَةَ اسْتِفْهامٍ، يَنْعَقِدُ مِنها ما قَبْلَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ كَقَوْلِ العَرَبِ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ؟ المَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ ما صَنَعَ.

وقَبْلَ دُخُولِ أرَأيْتَ كانَ الكَلامُ: زَيْدٌ ما صَنَعَ ؟ وإذا تَقَرَّرَ هَذا فَأرَأيْتُمْ هُنا المَفْعُولُ الأوَّلُ لَها مَحْذُوفٌ، والمَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ. تَنازَعَ أرَأيْتَ وإنْ أتاكم عَلى قَوْلِهِ: عَذابُهُ، فَأُعْمِلَ الثّانِي إذْ هو المُخْتارُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وهو الَّذِي ورَدَ بِهِ السَّماعُ أكْثَرَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ.

فَلَمّا أُعْمِلِ الثّانِي حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ولَمْ يُضْمَرْ، لِأنَّ إضْمارَهُ مُخْتَصٌّ بِالشِّعْرِ، أوْ قَلِيلٌ في الكَلامِ عَلى اخْتِلافِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ. والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: أخْبِرُونِي عَنْ عَذابِ اللَّهِ إنْ أتاكم، أيُّ شَيْءٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ يَسْتَعْجِلُهُ عاقِلٌ، إذِ العَذابُ كُلُّهُ مُرُّ المَذاقِ مُوجِبٌ لِنِفارِ الطَّبْعِ مِنهُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ بِهِمْ، والتَّنْبِيهِ لَهم أنَّ العَذابَ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْتَعْجِلَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جاءَتْ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والتَّهْوِيلِ لِلْعَذابِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ شَدِيدٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ ؟ أيْ: ما أشَدَّ وأهْوَلَ ما تَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: الرُّؤْيَةُ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ الَّتِي بِمَعْنى العِلْمِ، لِأنَّها داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ ومَعْناها التَّقْرِيرُ.

وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أرَأيْتُمْ ما تَسْتَعْجِلُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ إنْ أتاكم عَذابُهُ، انْتَهى.

فَظاهِرُ كَلامِ الحَوْفِيِّ: أنَّ أرَأيْتُمْ باقِيَةٌ عَلى مَوْضُوعِها الأوَّلِ لَمْ تُضَمَّنْ مَعْنى أخْبِرُونِي، وأنَّها بِمَعْنى أعَلِمْتُمْ، وأنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ سَدَّتْ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، وأنَّهُ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، ولَمْ يُبَيِّنِ الحَوْفِيُّ ما يُفِيدُ جَوابَ الشَّرْطِ المَحْذُوفَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ يَتَعَلَّقُ الِاسْتِفْهامُ ؟ وأيْنَ جَوابُ الشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): تَعَلَّقَ بِأرَأيْتُمْ، لِأنَّ المَعْنى: أخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وهو: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ وتَعْرِفُوا الخَطَأ فِيهِ، انْتَهى.

وما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرُ سائِغٍ، لِأنَّهُ لا يُقَدِّرُ الجَوابَ إلّا مِمّا تَقَدَّمَهُ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا تَقُولُ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، فالتَّقْدِيرُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ. وكَذَلِكَ ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] (p-١٦٧)التَّقْدِيرُ: إنْ شاءَ اللَّهُ نَهْتَدِ. فالَّذِي يُسَوِّغُ أنْ يُقَدَّرَ: إنْ أتاكم عَذابُهُ فَأخْبِرُونِي ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا، والمَعْنى: إنْ أتاكم عَذابُهُ أآمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ ؟ انْتَهى.

أمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ماذا جَوابًا لِلشَّرْطِ فَلا يَصِحُّ، لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ، تَقُولُ: إنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ رَجُلٍ هو، وإنْ زارَنا فُلانٌ فَأيُّ يَدٍ لَهُ بِذَلِكَ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا إنْ كانَ في ضَرُورَةٍ، والمِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ وهو: إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي ؟ هو مِن تَمْثِيلِهِ، لا مِن كَلامِ العَرَبِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ثُمَّ تَتَعَلَّقُ الجُمْلَةُ بِأرَأيْتُمْ، إنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ: ماذا يَسْتَعْجِلُ ؟ فَلا يَصِحُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ جَعَلَها جَوابًا لِلشَّرْطِ، وإنْ عُنِيَ بِالجُمْلَةِ جُمْلَةُ الشَّرْطِ فَقَدْ فَسَّرَ هو أرَأيْتُمْ بِمَعْنى: أخْبِرْنِي، وأخْبِرْنِي تَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا مَفْعُولًا، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَ مَفْعُولِ أخْبِرْنِي.

وأمّا تَجْوِيزُهُ أنْ يَكُونَ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ جَوابَ الشَّرْطِ، وماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ اعْتِراضًا فَلا يَصِحُّ أيْضًا، لِما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَقَعُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إلّا ومَعَها فاءُ الجَوابِ.

وأيْضًا فَثُمَّ هُنا وهي حَرْفُ عَطْفٍ، تَعْطِفُ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فالجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ، وإذا كانَتْ مَعْطُوفَةً لَمْ يَصِحَّ أنْ تَقَعَ جَوابَ شَرْطٍ. وأيْضًا فَأرَأيْتُمْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي تَحْتاجُ إلى مَفْعُولٍ، ولا تَقَعُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ مَوْقِعَهُ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلِهِ: (بَياتًا) في الأعْرافِ مَدْلُولًا وإعْرابًا. والمَعْنى إنْ أتاكم عَذابُهُ وأنْتُمْ ساهُونَ غافِلُونَ، إمّا بِنَوْمٍ وإمّا بِاشْتِغالٍ بِالمَعاشِ والكَسْبِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (بَغْتَةً) لِأنَّ العَذابَ إذا فاجَأ مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ كانَ أشَدَّ وأصْعَبَ، بِخِلافِ أنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَعَدَّ لَهُ وتَهَيَّأ لِحُلُولِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] .

ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ ما مُبْتَدَأً وذا خَبَرَهُ، وهو بِمَعْنى الَّذِي ويَسْتَعْجِلُ صِلَتُهُ، وحُذِفَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، التَّقْدِيرُ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ.

ويَجُوزُ في ماذا أنْ يَكُونَ كُلُّهُ مَفْعُولًا كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُهُ مِنَ العَذابِ المُجْرِمُونَ. وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ ماذا كُلُّهُ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ. وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ لِخُلُوِّ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المُبْتَدَأِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في مِنهُ عَلى العَذابِ، وبِهِ يَحْصُلُ الرَّبْطُ لِجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَفْعُولِ أرَأيْتُمُ المَحْذُوفِ الَّذِي هو مُبْتَدَأٌ في الأصْلِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى. والمُجْرِمُونَ هُمُ المُخاطَبُونَ في قَوْلِهِ: أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم. ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِتَرْكِ الِاسْتِعْجالِ وهو الإجْرامُ، لِأنَّ مِن حَقِّ المُجْرِمِ أنْ يَخافَ التَّعْذِيبَ عَلى إجْرامِهِ، ويَهْلَكَ فَزَعًا مِن مَجِيئِهِ وإنْ أبْطَأ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ ؟ وثُمَّ حَرْفُ عَطْفٍ وتَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْها كَما تَقَدَّمَتْ عَلى الواوِ والفاءِ في: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩] وفي ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم: ٩] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ.

وخِلافُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِلْجَماعَةِ في دَعْواهُ أنَّ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحَرْفِ العَطْفِ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً عُطِفَتْ عَلَيْها الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ.

وقالَ الطَّبَرِيُّ في قَوْلِهِ: أثُمَّ بِضَمِّ الثّاءِ، أنَّ مَعْناهُ أهُنالِكَ قالَ: ولَيْسَتْ ثُمَّ هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ، انْتَهى. وما قالَهُ الطَّبَرِيُّ مِن أنَّ ثُمَّ هُنا لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ دَعْوى، وأمّا قَوْلُهُ: إنَّ المَعْنى أهُنالِكَ، فالَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا أنَّ ثُمَّ المَضْمُومَةَ الثّاءِ مَعْناها مَعْنى هُنالِكَ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: أثَمَّ بِفَتْحِ الثّاءِ، وهَذا يُناسِبُهُ تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ أهُنالِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: آلْآنَ عَلى الِاسْتِفْهامِ بِالمَدِّ، وكَذا: آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ. وقَرَأ طَلْحَةُ والأعْرَجُ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وهو عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ قِيلَ لَهم إذا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ، فالنّاصِبُ لِقَوْلِهِ: آلْآنَ هو آمَنتُمْ بِهِ وهو مَحْذُوفٌ، قِيلَ: تَقُولُ لَهم ذَلِكَ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: اللَّهُ، والِاسْتِفْهامُ عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ.

وفِي كِتابِ اللَّوامِحِ عِيسى البَصْرِيُّ وطَلْحَةُ: آمَنتُمْ بِهِ الآنَ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، بَلْ عَلى الخَبَرِ، فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِ مِن آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورِ. وأمّا في العامَّةِ فَنَصْبُهُ (p-١٦٨)بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ آمَنتُمْ بِهِ المَذْكُورُ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قَدْ أخَذَ صَدْرَ الكَلامِ، فَيَمْنَعُ ما قَبْلُهُ أنْ يَعْمَلَ فِيما بَعْدَهُ، انْتَهى. وقَدْ كُنْتُمْ جُمْلَةً حالِيَّةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يَعْنِي تُكَذِّبُونَ، لِأنَّ اسْتِعْجالَكم كانَ عَلى جِهَةِ التَّكْذِيبِ والإنْكارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَسْتَعْجِلُونَ مُكَذِّبِينَ بِهِ.

﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: أيْ تَقُولُ لَهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ هَذا الكَلامَ. والظُّلْمُ ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، لِأنَّ مَن دَخَلَ النّارَ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ لا يَخْلُدُ فِيها. وثُمَّ قِيلَ عَطْفٌ عَلى المُضْمَرِ قَبْلَ آلْآنَ.

ومَن قَرَأ بِوَصْلِ ألَّفِ الآنَ فَهو اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَمّا يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهَلْ تُجْزَوْنَ: تَوْبِيخٌ لَهم وتَوْضِيحٌ أنَّ الجَزاءَ هو عَلى كَسْبِ العَبْدِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English