Абу ХайянХуд · 11:109–113

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Худ 11:109–113

11:109–110Страница 234

فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ مَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبۡلُۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمۡ نَصِيبَهُمۡ غَيۡرَ مَنقُوصٖ ١٠٩

Не сомневайся в том, чему они поклоняются. Они поклоняются тем, кому прежде поклонялись их отцы. Воистину, Мы воздадим им сполна, без убавления.

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١١٠

Мы даровали Мусе (Моисею) Писание, но по его поводу возникли разногласия. И если бы не было прежде Слова от твоего Господа, то спор их был бы решен. Воистину, они испытывают смутные сомнения относительно него (Корана).

(p-٢٦٥)﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: ١١١] ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦]: الزُّلْفَةُ: قالَ اللَّيْثُ: طائِفَةٌ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، والجَمْعُ: الزُّلَفُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزُّلَفُ: أوَّلُ ساعاتِ اللَّيْلِ، واحِدُها زُلْفَةٌ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: الزُّلَفُ: ساعاتُ اللَّيْلِ وآناؤُهُ، وكُلُّ ساعَةٍ زُلْفَةٌ. وقالَ العَجّاجُ:

؎ناحٍ طَواهُ الأيْنُ مِنّا وجَفا طَيَّ اللَّيالِي زُلَفًا فَزُلَفا

؎سَماؤُهُ الهِلالُ حَتّى احْقَوْقَفا

وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الزُّلْفى وهي: القُرْبَةُ، ويُقالُ: أزْلَفَهُ فازْدَلَفَ، أيْ: قَرَّبَهُ فاقْتَرَبَ، وأزْلَفَنِي: أدْنانِي. التَّرَفُ: النِّعْمَةُ، صَبِيٌّ مُتْرَفٌ: مُنَعَّمُ البَدَنِ، ومُتْرَفٌ: أبْطَرَتْهُ النِّعْمَةُ وسَعَةُ العَيْشِ. وقالَ الفَرّاءُ: أتْرَفَ: عُوِّدَ التُّرْفَةَ وهي النِّعْمَةُ.

﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ (، لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَصَصَ عَبَدَةِ الأوْثانِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أحْوالِ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ، شَرَحَ لِلرَّسُولِ ﷺ أحْوالَ الكُفّارِ مِن قَوْمِهِ، وأنَّهم مُتَّبِعُو آبائِهِمْ كَحالِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ في اتِّباعِ آبائِهِمْ في الضَّلالِ.

وهَؤُلاءِ: إشارَةٌ إلى مُشْرِكِي العَرَبِ بِاتِّفاقٍ، وأنَّ دَيْدَنَهم كَدَيْدَنِ الأُمَمِ الماضِيَةِ في التَّقْلِيدِ والعَمى عَنِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ والحُجَجِ. وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وعِدَةٌ بِالِانْتِقامِ مِنهم، إذْ حالُهم في ذَلِكَ حالُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والأُمَمُ السّالِفَةُ قَدْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ما جَرى لَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ.

والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ( ﴿كَما يَعْبُدُ﴾ مَعْناهُ: أنَّ حالَهم في الشِّرْكِ مِثْلُ حالِ آبائِهِمْ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، وقَدْ بَلَغَكَ ما نَزَلَ بِأسْلافِهِمْ، فَسَيَنْزِلُ بِهِمْ مِثْلُهُ.

(وما يَعْبُدُ): اسْتِئْنافٌ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ المِرْيَةِ، وما في (مِمّا) وفي (كَما) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وبِمَعْنى الَّذِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمُوَفُّوهُمْ﴾ مُشَدَّدًا مِن وفّى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ مُخَفَّفًا مِن أوْفى، والنَّصِيبُ هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما قُدِّرَ لَهم مِن خَيْرٍ ومِن شَرٍّ.

وقالَ أبُو العالِيَةِ: مِنَ الرِّزْقِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ العَذابِ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: كَما وفَّيْنا آباءَهم أنْصِباءَهم، و﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾: حالٌ مِن نَصِيبِهِمْ، وهو عِنْدِي: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي التَّكْمِيلَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ نُصِبَ ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حالًا (p-٢٦٦)مِنَ النَّصِيبِ المُوَفّى ؟ (قُلْتُ): يَجُوزُ أنْ يُوَفّى وهو ناقِصٌ، ويُوَفّى وهو كامِلٌ.

ألا تَراكَ تَقُولُ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ، وثُلُثَ حَقِّهِ، وحَقَّهُ كامِلًا وناقِصًا ؟ انْتَهى. وهَذِهِ مَغْلَطَةٌ إذا قالَ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ، فالتَّوْفِيَةُ وقَعَتْ في الشَّطْرِ، وكَذا ثُلُثَ حَقِّهِ، والمَعْنى: أعْطَيْتُهُ الشَّطْرَ أوِ الثُّلُثَ كامِلًا لَمْ أنْقُصْهُ مِنهُ شَيْئًا.

وأمّا قَوْلُهُ: وحَقَّهُ كامِلًا وناقِصًا، أمّا كامِلًا فَصَحِيحٌ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي الإكْمالَ، وأمّا وناقِصًا فَلا يُقالُ لِمُنافاتِهِ التَّوْفِيَةَ. والخِطابُ في ﴿فَلا تَكُ﴾ [هود: ١٧] مُتَوَجِّهٌ إلى مَن داخَلَهُ الشَّكُّ لا إلى الرَّسُولِ، والمَعْنى: واللَّهُ أعْلَمُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِكُلِّ مَن شَكَّ لا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهم بِذَلِكَ، وإنَّما اتَّبَعُوا في ذَلِكَ آباءَهم تَقْلِيدًا لَهم وإعْراضًا عَنْ حُجَجِ العُقُولِ.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ لَمّا بَيَّنَ تَعالى إصْرارَ كُفّارِ مَكَّةَ عَلى إنْكارِ التَّوْحِيدِ ونُبُوَّةِ الرَّسُولِ والقُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ، بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ كانُوا عَلى هَذِهِ السِّيرَةِ الفاجِرَةِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِمَّنْ عاصَرَ الرَّسُولَ، وضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا وهو: إنْزالُ التَّوْراةِ عَلى مُوسى فاخْتَلَفُوا فِيها.

والكِتابُ هُنا: التَّوْراةُ، فَقَبِلَهُ بَعْضٌ وأنْكَرَهُ بَعْضٌ، كَما اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في القُرْآنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِيهِ عَلى الكِتابِ لِقُرْبِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

ويَلْزَمُ مِنَ الِاخْتِلافِ في أحَدِهِما الِاخْتِلافُ في الآخَرِ. وجازَ أنْ تَكُونَ (في) بِمَعْنى (عَلى)، أيْ: فاخْتُلِفَ عَلَيْهِ، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ أشَدَّ تَعَنُّتًا عَلى مُوسى وأكْثَرَ اخْتِلافًا عَلَيْهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في بَيْنَهم عَلى قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ هُمُ المُخْتَلِفُونَ فِيهِ، أوْ في الكِتابِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُخْتَلِفِينَ في الرَّسُولِ مِن مُعاصِرِيهِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأنْ يَعُمَّهُمُ اللَّفْظُ أحْسَنُ عِنْدِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِن جُمْلَةِ تَسْلِيَتِهِ أيْضًا.

11:111Страница 234

وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١١

Воистину, твой Господь воздаст сполна каждому из них за его деяния, ведь Он знает о том, что они совершают.

﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الظّاهِرُ عُمُومُ كُلٍّ وشُمُولُهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ يَعْنِي: وإنَّ كُلَّهم، وإنَّ جَمِيعَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِهِ كُفّارَ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو بَكْرٍ: وإنْ كُلًّا بِتَخْفِيفِ النُّونِ ساكِنَةً. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: لَمّا بِالتَّشْدِيدِ هُنا وفي (يس)، (والطّارِقِ) وأجْمَعَتِ السَّبْعَةُ عَلى نَصْبِ كُلًّا، فَتُصُوِّرَ في قِراءَتِهِمْ أرْبَعُ قِرَآتٍ: إحْداها: تَخْفِيفُ (إنْ، ولَما)، وهي قِراءَةُ الحَرَمِيَّيْنِ. والثّانِيَةُ: تَشْدِيدُهُما، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وحَفْصٍ.

والثّالِثَةُ: تَخْفِيفُ (إنْ) وتَشْدِيدُ (لَمّا) وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ. والرّابِعَةُ: تَشْدِيدُ (إنَّ) وتَخْفِيفُ (لَما)، وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأبِي عَمْرٍو.

وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وأبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ: وإنْ: بِالتَّخْفِيفِ، كُلٌّ: بِالرَّفْعِ، لَمّا: مُشَدَّدًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وسُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾: بِتَشْدِيدِ المِيمِ وتَنْوِينِها، ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لِتَخْفِيفِ إنَّ ولا تَشْدِيدِها.

وقالَ أبُو حاتِمٍ: الَّذِي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وإنَّ مِن كُلٍّ إلّا لَيُوَفِّيَنَّهم. وقَرَأ الأعْمَشُ: وإنَّ كُلٌّ إلّا، وهو حَرْفُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَهَذِهِ أرْبَعَةُ وُجُوهٍ في الشّاذِّ.

فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَإعْمالُ إنْ مُخَفَّفَةً كَإعْمالِها مُشَدَّدَةً، وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها خِلافٌ: ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ تَخْفِيفَ (إنْ) يُبْطِلُ عَمَلَها، ولا يَجُوزَ أنْ تَعْمَلَ. وذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ إعْمالَها جائِزٌ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ إلّا مَعَ المُضْمَرِ، فَلا يَجُوزُ إلّا إنْ ورَدَ في شَعْرٍ، وهَذا هو الصَّحِيحُ لِثُبُوتِ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ. حَكى سِيبَوَيْهِ: أنَّ الثِّقَةَ أخْبَرَهُ: أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ العَرَبِ: أنْ عُمَرَ المُنْطَلِقُ، ولِثُبُوتِ هَذِهِ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ وقَدْ تَأوَّلَها الكُوفِيُّونَ. وأمّا (لَمّا) فَقالَ الفَرّاءُ: فاللّامُ فِيها هي اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ (إنَّ)، و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي كَما جاءَ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] والجُمْلَةُ مِنَ القَسَمِ المَحْذُوفِ وجَوابِهِ (p-٢٦٧)الَّذِي هو ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ صِلَةُ (لَمّا)، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ، ومِن إيقاعِ (ما) عَلى مَن يَعْقِلُ قَوْلُهم: لا سِيَّما زَيْدٌ بِالرَّفْعِ، أيْ: لا سِيَّ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقِيلَ: (ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وهي لِمَن يَعْقِلُ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ وجَوابُها قامَتْ مَقامَ الصِّفَةِ، لِأنَّ المَعْنى: وإنَّ كُلًّا لَخُلِقَ مُوَفًّى عَمَلُهُ، ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ هَذا القَوْلَ واخْتارَهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: العُرْفُ أنْ تَدْخُلَ لامُ الِابْتِداءِ عَلى الخَبَرِ، والخَبَرُ هُنا هو: القَسَمُ وفِيهِ لامٌ تَدْخُلُ عَلى جَوابِهِ، فَلَمّا اجْتَمَعَ اللّامانِ والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، واتَّفَقا في اللَّفْظِ وفي تَلَقِّي القَسَمِ، فُصِلَ بَيْنَهُما بِما كَما فَصَلُوا بَيْنَ إنَّ واللّامِ، انْتَهى.

ويَظْهَرُ مِن كَلامِهِ أنَّ اللّامَ في لَمّا هي اللّامُ الَّتِي تَدْخُلُ في الخَبَرِ، ونَصَّ الحَوْفِيُّ عَلى أنَّها لامُ إنَّ، إلّا أنَّ المَنقُولَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ الخَبَرَ هو: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾، وتَحْرِيرُهُ ما ذَكَرْنا وهو القَسَمُ وجَوابُهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَمّا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وما مَزِيدَةٌ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ وجَوابُها، وإلى هَذا القَوْلِ في التَّحْقِيقِ يَئُولُ قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَتَشْدِيدُ إنَّ وإعْمالُها في كُلٍّ واضِحٌ. وأمّا تَشْدِيدُ لَمّا فَقالَ المُبَرِّدُ: هَذا لَحْنٌ، لا تَقُولُ العَرَبُ: إنَّ زَيْدًا لَمّا خارِجٌ، وهَذِهِ جَسارَةٌ مِنَ المُبَرِّدِ عَلى عادَتِهِ.

وكَيْفَ تَكُونُ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ لَحْنًا، ولَيْسَ تَرْكِيبُ الآيَةِ كَتَرْكِيبِ المِثالِ الَّذِي قالَ وهو إنَّ زَيْدًا لَمّا خارِجٌ هَذا المِثالُ لَحْنٌ، وأمّا في الآيَةِ فَلَيْسَ لَحْنًا، ولَوْ سَكَتَ وقالَ كَما قالَ الكِسائِيُّ: ما أدْرِي ما وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ لَكانَ قَدْ وُفِّقَ، وأمّا غَيْرُ هَذَيْنِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ فاخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِها.

فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ لَمًّا مُنَوَّنًا وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ، ثُمَّ بُنِيَ مِنهُ فَعْلى، فَصارَ كَتَتْرى نُوِّنَ إذْ جُعِلَتْ ألِفُهُ لِلْإلْحاقِ كَأرْطى، ومُنِعَ الصَّرْفَ إذْ جُعِلَتْ ألِفَ تَأْنِيثٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن لَمَمْتُهُ، أيْ: جَمَعْتُهُ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّ كُلًّا جَمِيعًا لَيُوَفِّيَنَّهم، ويَكُونُ جَمِيعًا فِيهِ مَعْنى التَّوْكِيدِ كَكُلٍّ، ولا يُقالُ (لَمّا) هَذِهِ هي (لَمّا) المُنَوَّنَةُ وُقِفَ عَلَيْها بِالألِفِ، لِأنَّها بَدَلٌ مِنَ التَّنْوِينِ، وأجْرى الأصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الشِّعْرِ. وما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ بَعِيدٌ، إذْ لا يُعْرَفُ بِناءُ فَعْلى مِنَ اللَّمِّ، ولِما يَلْزَمُ لِمَن أمالَ فَعْلى أنْ يُمِيلَها، ولَمْ يُمِلْها أحَدٌ بِالإجْماعِ، ومِن كِتابَتِها بِالياءِ ولَمْ تُكْتَبْ بِها، وقِيلَ: لَمّا المُشَدَّدَةُ هي لَما المُخَفَّفَةُ، وشَدَّدَها في الوَقْفِ كَقَوْلِكِ: رَأيْتُ فَرَّحًا يُرِيدُ: فَرَحًا، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، ورُوِيَ عَنِ المازِنِيِّ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ وغَيْرُهُ: تَقَعُ إلّا زائِدَةً، فَلا يَبْعُدُ أنْ تَقَعَ لَمّا بِمَعْناها زائِدَةً، انْتَهى.

وهَذا وجْهٌ ضَعِيفٌ مَبْنِيٌّ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ في إلّا. وقالَ المازِنِيُّ: إنْ هي المُخَفَّفَةُ ثُقِّلَتْ، وهي نافِيَةٌ بِمَعْنى: ما، كَما خُفِّفَتْ إنْ ومَعْناها المُثَقَّلَةُ، ولَمّا بِمَعْنى: إلّا، وهَذا باطِلٌ لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ تَثْقِيلُ إنِ النّافِيَةِ ولِنَصْبِ كُلٍّ، وإنِ النّافِيَةُ لا تَنْصِبُ. وقِيلَ: لَمّا بِمَعْنى إلّا، كَقَوْلِكَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَمّا فَعَلْتَ، تُرِيدُ: إلّا فَعَلْتَ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ قالَ: لِأنَّ لَمّا هَذِهِ لا تُفارِقُ القَسَمَ، انْتَهى.

ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، قَدْ تُفارِقُ القَسَمَ. وإنَّما يَبْطُلُ هَذا الوَجْهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ دُخُولِ إلّا، لَوْ قُلْتَ: إنْ زَيْدًا إلّا ضَرَبْتُهُ، لَمْ يَكُنْ تَرْكِيبًا عَرَبِيًّا. وقِيلَ: لَمّا أصْلُها لَمَن ما، ومَن هي المَوْصُولَةُ، وما بَعْدَها زائِدَةٌ، واللّامُ في لَمّا هي داخِلَةٌ في خَبَرِ إنَّ، والصِّلَةُ: الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ، فَلَمّا أُدْغِمَتْ مَن في ما الزّائِدَةِ اجْتَمَعَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ، فَحُذِفَتِ الوُسْطى مِنهُنَّ وهي المُبْدَلَةُ مِنَ النُّونِ، فاجْتَمَعَ المِثْلانِ، فَأُدْغِمَتْ مِيمُ مَن في مِيمِ ما، فَصارَ لَمّا وقالَهُالمَهْدَوِيُّ.

وقالَ الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ جَماعَةٌ مِنهم نَصْرٌ الشِّيرازِيُّ: أصْلُ لَمّا لَمِن ما دَخَلَتْ مِنَ الجارَّةُ عَلى ما، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وإنّا لَمِن ما يَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ

فَعَمِلَ بِها ما عَمِلَ في الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ. وهَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ جِدًّا لَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ (مَن)، ولا حَذْفُ نُونِ (مِن) إلّا في الشِّعْرِ، إذا لَقِيَتْ لامَ التَّعْرِيفِ أوْ شِبْهَها غَيْرَ المُدْغَمَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: مِلْمالِ يُرِيدُونَ: مِنَ المالِ.

وهَذِهِ كُلُّها تَخْرِيجاتٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْها. وكُنْتُ قَدْ ظَهَرَ لِي فِيها وجْهٌ جارٍ عَلى قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ، وهو أنَّ لَمّا هَذِهِ هي لَمّا الجازِمَةُ حُذِفَ فِعْلُها المَجْزُومُ لِدِلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، كَما حَذَفُوهُ في قَوْلِهِمْ: (p-٢٦٨)قارَبْتُ المَدِينَةَ، ولَمّا يُرِيدُونَ ولَمّا أدْخُلْها. وكَذَلِكَ هُنا التَّقْدِيرُ: وإنَّ كُلًّا لَمّا يَنْقُصُ مِن جَزاءِ عَمَلِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾، لَمّا أخْبَرَ بِانْتِفاءِ نَقْصِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ أكَّدَهُ بِالقَسَمِ فَقالَ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾، وكُنْتُ اعْتَقَدْتُ أنِّي سَبَقْتُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ السّائِغِ العارِي مِنَ التَّكَلُّفِ، وذَكَرْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِ مَن يَقْرَأُ عَلَيَّ فَقالَ: قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ الحاجِبِ، ولِتَرْكِي النَّظَرَ في كَلامِ هَذا الرَّجُلِ لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَأيْتُ في كِتابِ التَّحْرِيرِ نَقْلَ هَذا التَّخْرِيجِ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ قالَ: (لَمّا) هَذِهِ هي الجازِمَةُ، حُذِفَ فِعْلُها لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ لِما ثَبَتَ مِن جَوازِ حَذْفِ فِعْلِها في قَوْلِهِمْ: خَرَجْتُ ولَمّا سافَرْتُ، ولَمّا ونَحْوُهُ، وهو سائِغٌ فَصِيحٌ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمّا يُتْرَكُوا، لِما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ مِن تَفْصِيلِ المَجْمُوعَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، ثُمَّ ذَكَرَ الأشْقِياءَ والسُّعَداءَ ومُجازاتَهم، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾، قالَ: وما أعْرِفُ وجْهًا أشْبَهَ مِن هَذا، وإنْ كانَ النُّفُوسُ تَسْتَبْعِدُهُ مِن جِهَةِ أنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ.

وأمّا القِراءَةُ الثّالِثَةُ والرّابِعَةُ فَتَخْرِيجُهُما مَفْهُومٌ مِن تَخْرِيجِ القِراءَتَيْنِ قَبْلَهُما، وأمّا قِراءَةُ أُبَيٍّ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ فَـ (إنْ) نافِيَةٌ، ولَمّا بِمَعْنى إلّا، والتَّقْدِيرُ: ما كُلٌّ إلّا واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم. وكُلٌّ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ، وجَوابُها الَّتِي بَعْدَ لَمّا كَقِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ﴾ [يس: ٣٢] ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدٍ والفَرّاءِ مِن إنْكارِهِما أنَّ لَمّا تَكُونُ بِمَعْنى إلّا. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدْ هَذا في كَلامِ العَرَبِ، ومَن قالَ هَذا لَزِمَهُ أنْ يَقُولَ: رَأيْتُ القَوْمَ لَمّا أخاكَ يُرِيدُ إلّا أخاكَ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: أمّا مَن جَعَلَ (لَمّا) بِمَعْنى إلّا، فَإنَّهُ وجْهٌ لا نَعْرِفُهُ، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ مَعَ اليَمِينِ بِاللَّهِ لَمّا قُمْتَ عَنّا، وإلّا قُمْتَ عَنّا، فَأمّا في الِاسْتِثْناءِ فَلَمْ نَنْقُلْهُ في شِعْرٍ. ألا تَرى أنَّ ذَلِكَ لَوْ جازَ لَسُمِعَ في الكَلامِ: ذَهَبَ النّاسُ لَمّا زَيْدًا ؟ والقِراءَةُ المُتَواتِرَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا﴾ [يس: ٣٢]، و﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا﴾ [الطارق: ٤]، حُجَّةٌ عَلَيْهِما.

وكَوْنُ لَمّا بِمَعْنى إلّا نَقَلَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ، وكَوْنُ العَرَبِ خَصَّصَتْ مَجِيئَها بِبَعْضِ التَّراكِيبِ لا يَقْدَحُ ولا يَلْزَمُ اطِّرادُها في بابِ الِاسْتِثْناءِ، فَكَمْ مِن شَيْءٍ خُصَّ بِتَرْكِيبٍ دُونَ ما أشْبَهَهُ. وأمّا قِراءَةُ الزُّهْرِيِّ وابْنِ أرْقَمَ: لَمًّا بِالتَّنْوِينِ والتَّشْدِيدِ، فَلَمّا مَصْدَرٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَمَمْتُ الشَّيْءَ: جَمَعْتُهُ، وخُرِّجَ نَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ صِفَةً لِكُلًّا، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ وقُدِّرَ كُلٌّ مُضافًا إلى نَكِرَةٍ، حَتّى يَصِحَّ الوَصْفُ بِالنَّكِرَةِ، كَما وُصِفَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] وهَذا تَخْرِيجُ أبِي عَلِيٍّ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: قِيامًا لَأقُومَنَّ، وقُعُودًا لَأقْعُدَنَّ، فالتَّقْدِيرُ: تَوْفِيَةٌ جامِعَةٌ لِأعْمالِهِمْ لَيَوَفِّيَنَّهم. وهَذا تَخْرِيجُ ابْنِ جِنِّيٍّ، وخَبَرُ إنَّ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ هو جُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابُهُ.

وأمّا ما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ فَإنْ نافِيَةٌ، ومِن زائِدَةٌ. وأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ فَواضِحَةٌ، والمَعْنى: جَمِيعُ ما لَهم. قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَضَمَّنَتْ تَوْكِيداتٍ بِإنْ وبِكُلٍّ وبِاللّامِ في الخَبَرِ وبِالقَسَمِ، وبِما إذا كانَتْ زائِدَةً، وبِنُونِ التَّوْكِيدِ وبِاللّامِ قَبْلَها وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وعْدِ الطّائِعِ ووَعِيدِ العاصِي، وأرْدَفَ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ وهي: ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . وهَذا الوَصْفُ يَقْتَضِي عِلْمَ ما خَفِيَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (بِما تَعْمَلُونَ) عَلى الخِطابِ.

11:112–113Страница 234

فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢

Будь же тверд на прямом пути, как тебе велено, вместе с теми, кто покаялся наряду с тобой. И не преступайте границ дозволенного, ибо Он видит то, что вы совершаете.

وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣

Не склоняйтесь на сторону беззаконников, дабы вас не коснулся Огонь. Нет у вас покровителей и помощников, кроме Аллаха, и тогда никто вам не окажет поддержки.

﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: اسْتَقِمْ عَلى القُرْآنِ، وقالَ الضَّحّاكُ: اسْتَقِمْ بِالجِهادِ، وقالَ مُقاتِلٌ: امْضِ عَلى التَّوْحِيدِ، وقالَ جَماعَةٌ: اسْتَقِمْ عَلى أمْرِ رَبِّكَ بِالدُّعاءِ إلَيْهِ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: اسْتَقِمْ في الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ بِصِحَّةِ العَزْمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاسْتَقِمِ اسْتِقامَةً مِثْلَ الِاسْتِقامَةِ الَّتِي أُمِرْتَ بِها عَلى جادَّةِ الحَقِّ غَيْرَ عادِلٍ عَنْها.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أُمِرَ بِالِاسْتِقامَةِ وهو عَلَيْها، وهو أمْرٌ بِالدَّوامِ والثُّبُوتِ. والخِطابُ لِلرَّسُولِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ ولِسائِرِ الأُمَّةِ، فالمَعْنى وأُمِرْتَ: مُخاطَبَةُ تَعْظِيمٍ، انْتَهى. وقِيلَ: اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ، أيِ: اطْلُبِ الإقامَةَ عَلى الدِّينِ، كَما تَقُولُ: اسْتَغْفِرْ، أيِ: (p-٢٦٩)اطْلُبِ الغُفْرانَ. (ومَن تابَ): مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في فاسْتَقِمْ، وأغْنى الفاصِلُ عَنِ التَّوْكِيدِ.

(ولا تَطْغَوْا): قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في القُرْآنِ فَتُحِلُّوا وتُحَرِّمُوا ما لَمْ آمُرْكم بِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تَعْصُوا رَبَّكم. وقالَ مُقاتِلٌ: لا تَخْلِطُوا التَّوْحِيدَ بِالشَّكِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَخْرُجُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: (بِما يَعْمَلُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، ورُوِيَتْ عَنْ عِيسى الثَّقَفِيِّ بَصِيرٌ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِمْ يَراها ويُجازِي عَلَيْها.

﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الرُّكُونِ: المَيْلُ. وقالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: لا تُداهِنُوا الظَّلَمَةَ.

وقالَ قَتادَةُ: لا تَلْحَقُوا بِهِمْ. وقالَ سُفْيانُ: لا تَدْنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لا تَرْضَوْا أعْمالَهم، وقِيلَ: لا تُجالِسُوهم، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: إلى أنْفُسِكم فَإنَّها ظالِمَةٌ، وهَذا شَبِيهٌ بِتَفْسِيرِ الباطِنِيَّةِ. وقِيلَ: لا تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَرْكَنُوا﴾ بِفَتْحِ الكافِ، والماضِي رَكِنَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: هي اللُّغَةُ الفُصْحى.

وعَنْ أبِي عَمْرٍو: بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ في مُضارِعِ عَلِمَ غَيْرَ الياءِ. وقَرَأ قَتادَةُ وطَلْحَةُ والأشْهَبُ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عُمَرَ: وتَرْكُنُوا بِضَمِّ الكافِ ماضِي رَكَنَ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ، وقالَ الكِسائِيُّ وأهْلُ نَجْدٍ: وشَذَّ يَرْكَنُ بِفَتْحِ الكافِ، مُضارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِها.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ولا تَرْكَنُوا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أرْكَنَهُ إذا أمالَهُ، والنَّهْيُ مُتَناوِلٌ الِانْحِطاطَ في هَواهم، والِانْقِطاعَ إلَيْهِمْ، ومُصاحَبَتَهم، ومُجالَسَتَهم، وزِيارَتَهم، ومُداهَنَتَهم، والرِّضا بِأعْمالِهِمْ، والتَّشَبُّهَ بِهِمْ، والتَّزَيِّيَ بِزِيِّهِمْ، ومَدَّ العَيْنِ إلى زَهْرَتِهِمْ، وذِكْرَهم بِما فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهم. وتَأمَّلْ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾، فَإنَّ الرُّكُونَ هو: المَيْلُ اليَسِيرُ. وقَوْلَهُ: ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أيِ: الَّذِينَ وُجِدَ مِنهُمُ الظُّلْمُ، ولَمْ يَقُلِ: الظّالِمِينَ، قالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْناهُ: السُّكُونُ إلى الشَّيْءِ والرِّضا بِهِ. قالَ أبُو العالِيَةِ: الرُّكُونُ: الرِّضا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرُّكُونُ: الإدْهانُ، والرُّكُونُ يَقَعُ في قَلِيلِ هَذا وكَثِيرِهِ.

والنَّهْيُ هُنا يَتَرَتَّبُ مِن مَعْنى الرُّكُونِ عَنِ المَيْلِ إلَيْهِمْ بِالشِّرْكِ مَعَهم إلى أقَلِّ الرُّتَبِ، مِن تَرْكِ التَّعْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ، والَّذِينَ ظَلَمُوا هُنا هُمُ: الكَفَرَةُ، وهو النَّصُّ لِلْمُتَأوِّلِينَ، ويَدْخُلُ بِالمَعْنى أهْلُ المَعاصِي، انْتَهى. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: في جَهَنَّمَ وادٍ لا يَسْكُنُهُ إلّا القُرّاءُ الزّائِرُونَ المُلُوكَ. وسُئِلَ سُفْيانُ عَنْ ظالِمٍ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ في بَرِّيَّةٍ هَلْ يُسْقى شَرْبَةَ ماءٍ ؟ فَقالَ: لا. فَقِيلَ لَهُ: يَمُوتُ، فَقالَ: دَعْهُ يَمُوتُ. وفي الحَدِيثِ: «مَن دَعا لِظالِمٍ بِالبَقاءِ فَقَدْ أحَبَّ أنْ يُعْصى اللَّهُ في أرْضِهِ»، وكَتَبَ إلى الزُّهْرِيِّ حِينَ خالَطَ السَّلاطِينَ أخٌ لَهُ في الدِّينِ كِتابًا طَوِيلًا، قَرَّعَهُ فِيهِ أشَدَّ التَّقْرِيعِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وعَلْقَمَةُ والأعْمَشُ وابْنُ مُصَرِّفٍ وحَمْزَةُ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، والمَسُّ: كِنايَةٌ عَنِ الإصابَةِ. وانْتَصَبَ الفِعْلُ في جَوابِ النَّهْيِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالٌ. ومَعْنى مِن أوْلِياءَ: مِن أنْصارٍ يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِكم مِن عَذابِهِ.

﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ لا يَنْصُرُكم هو لِأنَّهُ وجَبَ في حِكْمَتِهِ تَعْذِيبُكم، وتَرْكُ الإبْقاءِ عَلَيْكم. (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى ثُمَّ ؟ قُلْتُ: مَعْناها الِاسْتِبْعادُ، لِأنَّ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ مُسْتَبْعَدَةٌ مَعَ اسْتِيجابِهُمُ العَذابَ وقَضاءِ حِكْمَتِهِ لَهُ، انْتَهى. وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ثُمَّ لا تُنْصَرُوا) بِحَذْفِ النُّونِ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: فَتَمَسَّكُمُ، والجُمْلَةُ حالٌ، أوِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English