Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Ибрахим 14:22–30, продолжение
بِخَفْض الياء مِن عَلَيِّ. و(ما) في ﴿بِما أشْرَكْتُمُونِي﴾: مَصْدَرِيَّةٌ، و﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِأشْرَكْتُمُونِي) أيْ: كَفَرْتُ اليَوْمَ بِإشْراكِكم إيّايَ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ، أيْ: في الدُّنْيا، كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤] وقالَ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤] . وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: كَفَرْتُ بِالصَّنَمِ الَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ، فَحَذَفَ العائِدَ. وقِيلَ: (مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّق بِـ ﴿كَفَرْتُ﴾، و(ما) بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: كَفَرْتُ مِن قَبْلُ حِينِ أبَيْتُ السُّجُودَ لِآدَمَ، بِالَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ؛ وهو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - . تَقُولُ: شَرَكْتُ زَيْدًا، فَإذا أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ قُلْتُ: أشْرَكْتُ زَيْدًا عَمْرًا، أيْ جَعَلْتُهُ لَهُ شَرِيكًا. إلّا أنَّ في هَذا القَوْلِ إطْلاقَ (ما) عَلى اللَّهِ تَعالى، و(ما) الأصَحُّ فِيها أنَّها لا تُطْلَقُ عَلى آحادٍ مِن يَعْلَمُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَحْوُ (ما) هَذِهِ يَعْنِي: في إطْلاقِها عَلى اللَّهِ، (ما) في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لَنا؛ انْتَهى. ومَن مَنَعَ ذَلِكَ جَعَلَ سُبْحانَ عَلَمًا عَلى مَعْنى التَّسْبِيحِ، كَما جَعَلَ بَرَّةً عَلَمًا لِلْمَبَرَّةِ. و(ما): مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن إبْلِيسَ إقْرارًا عَلى نَفْسِهِ بِكُفْرِهِ الأقْدَمِ؛ أيْ: خَطِيئَتِي قَبْلَ خَطِيئَتِكم. فَلا إصْراخَ عِنْدِي أنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، الظّاهِرُ أنَّهُ مِن تَمامِ كَلامِ إبْلِيسَ، حَكى اللَّهُ عَنْهُ ما سَيَقُولُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِيَكُونَ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ عَلَيَّ النَّظَرُ في عاقِبَتِهِمْ، والِاسْتِعْدادُ لِما لا بُدَّ مِنهُ. وأنْ يَتَصَوَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ذَلِكَ المَقامَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّيْطانُ ما يَقُولُ، فَيَخافُوا، ويَعْمَلُوا ما يُخَلِّصُهم مِنهُ، ويُنْجِيهِمْ. وقِيلَ: هو مِن كَلامِ الخَزَنَةِ يَوْمَ ذاكَ. وقِيلَ: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ولِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَلامٌ هُنا في الشَّيْطانِ والمَلائِكَةِ يُوقَفُ عَلَيْهِ مِن تَفْسِيرِهِ.
﴿وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾: لَمّا جَمَعَ الفَرِيقَيْنِ، في قَوْلِهِ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ، ذَكَرَ ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ مِن إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: وأُدْخِلَ ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: وأُدْخِلُ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ مُضارِعُ أدْخَلَ؛ أيْ: وأُدْخِلُ أنا. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ المَلائِكَةَ، والظّاهِرُ تَعَلَّقَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِأُدْخِلَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَتَعَلَّقُ - يَعْنِي بِإذْنِ رَبِّهِمْ - في القِراءَةِ الأُخْرى، وقَوْلِكَ وأُدْخِلُهم أنا بِإذْنِ رَبِّهِمْ، كَلامٌ غَيْرُ مُلْئَتِمٍ؛ (قُلْتُ): الوَجْهُ في هَذِهِ القِراءَةِ: أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ بِإذْنِ رَبِّهِمْ بِما بَعْدَهُ، أيْ: تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ بِإذْنِ رَبِّهِمْ؛ يَعْنِي: أنَّ المَلائِكَةَ يُحَيُّونَهم بِإذْنِ رَبِّهِمْ؛ انْتَهى. فَظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ بِإذْنِ رَبِّهِمْ مَعْمُولٌ، لِقَوْلِهِ: (p-٤٢١)تَحِيَّتُهم، ولِذَلِكَ قالَ: يَعْنِي أنَّ المَلائِكَةَ يُحَيُّونَهم بِإذْنِ رَبِّهِمْ، وهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المَصْدَرِ المُنْحَلِّ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ والفِعْلُ عَلَيْهِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ. وقالَ أبُو الفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ الرّازِيُّ الحَسَنُ: أُدْخِلُ، بِرَفْعِ اللّامِ عَلى الِاسْتِقْبالِ، بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْ نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ بِذَلِكَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ألْطَفَ لَهم وأحْنى عَلَيْهِمْ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ في أوائِلِ سُورَةِ يُونُسَ.
14:24–27Страница 258
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٢٤
Разве ты не видишь, как Аллах приводит притчи? Прекрасное слово подобно прекрасному дереву, корни которого прочны, а ветви восходят к небу.
تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥
Оно плодоносит каждый миг с дозволения своего Господа. Аллах приводит людям притчи, - быть может, они помянут назидание.
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ٢٦
А скверное слово подобно скверному дереву, которое можно вырвать с поверхности земли, ибо нет у него прочности.
يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧
Аллах поддерживает верующих твердым словом в мирской жизни и Последней жизни. А беззаконников Аллах вводит в заблуждение - Аллах вершит то, что пожелает.
﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ ما لَها مِن قَرارٍ﴾ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ في (ضَرَبَ) مَعَ (المَثَلِ) في أوائِلِ البَقَرَةِ، فَكانَ يُغْنِي ذَلِكَ عَنِ الكَلامِ فِيهِ هُنا، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ أبْدَوْا هُنا تَقْدِيراتٍ، فَأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والمَهْدَوِيُّ وأبُو البَقاءِ (مَثَلًا) مَفْعُولًا بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) بَدَلٌ مِن (مَثَلًا) . وإعْرابُهم هَذا تَفْرِيعٌ، عَلى أنَّ (ضَرَبَ مَثَلًا) لا يَتَعَدّى لا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وأجازَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مَثَلًا) مَفْعُولٌ بِـ (ضَرَبَ)، و(كَلِمَةً) مَفْعُولٌ أوَّلُ تَفْرِيعًا عَلى أنَّها مَعَ (المَثَلِ) تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، لِأنَّها بِمَعْنى جَعَلَ. وعَلى هَذا تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةَ طَيِّبَةٍ مَثَلًا هي، أيِ: الكَلِمَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وعَلى البَدَلِ تَكُونُ (كَشَجَرَةٍ) نَعْتًا لِلْكَلِمَةِ. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبَدَأ بِهِ أنْ تَكُونَ (كَلِمَةً) نَصْبًا بِمُضْمَرٍ، أيْ: جَعَلَ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، وهو تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، كَقَوْلِكَ: شَرَّفَ الأمِيرُ زَيْدًا كَساهُ حُلَّةً، وحَمَلَهُ عَلى فَرَسٍ؛ انْتَهى. وفِيهِ تَكَلُّفُ إضْمارٍ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ.
وقُرِئَ شاذًّا (كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ) بِالرَّفْعِ. قالَ أبُو البَقاءِ: عَلى الِابْتِداءِ، و(كَشَجَرَةٍ) خَبَرُهُ؛ انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هو؛ أيِ: المَثَلُ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ، و(كَشَجَرَةٍ) نَعْتٍ لِكَلِمَةٍ، و(الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) هي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الإيمانُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ؛ أوِ المُؤْمِنُ نَفْسُهُ؛ قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ والرَّبِيعُ؛ أوْ جَمِيعُ طاعاتِهِ أوِ القُرْآنُ، قالَهُ الأصَمُّ؛ أوْ دَعْوَةُ الإسْلامِ؛ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ؛ أوِ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ أوِ التَّسْبِيحُ والتَّنْزِيهُ؛ والشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ: المُؤْمِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ جَوْزَةُ الهِنْدِ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ، أوْ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، أوِ النَّخْلَةُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، وهو قَوْلُ: ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ، وجاءَ ذَلِكَ نَصًّا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِمّا خَرَّجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ، قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ الآيَةَ، فَقالَ: أتَدْرُونَ ما هي ؟ فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ»؛ الحَدِيثَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: «أتَيْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ فَجِيءَ بِطِبْقٍ عَلَيْهِ رُطَبٌ، فَقالَ أنَسٌ: كُلْ يا أبا العالِيَةِ، فَإنَّها الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في كِتابِهِ، ثُمَّ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصاعِ بُسْرٍ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ» . وفي التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ نَحْوُ هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (p-٤٢٢)كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ طَيِّبَةِ الثِّمارِ كالنَّخْلَةِ، وشَجَرَةِ التِّينِ، والعِنَبِ، والرُّمّانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ؛ انْتَهى.
وقَدْ شَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ المُؤْمِنَ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ بِالأُتْرُجَّةِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُشَبَّهَ أيْضًا بِشَجَرَتِها. أصْلُها ثابِتٌ؛ أيْ: في الأرْضِ ضارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيها. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ثابِتٌ أصْلُها، أُجْرِيَتِ الصِّفَةُ عَلى الشَّجَرَةِ لَفْظًا وإنْ كانَتْ في الحَقِيقَةِ لِلسَّبَبِيِّ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ فِيها إسْنادُ الثُّبُوتِ إلى السَّبَبِيِّ لَفْظًا ومَعْنًى، وفِيها حُسْنُ التَّقْسِيمِ، إذْ جاءَ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ، يُرِيدُ بِالفَرْعِ: أعْلاها ورَأسَها، وإنْ كانَ المُشَبَّهُ بِهِ ذا فُرُوعٍ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاكْتِفاءِ بِلَفْظِ الجِنْسِ. ومَعْنى في السَّماءِ: جِهَةُ العُلُوِّ والصُّعُودِ لا المِظَلَّةُ. وفي الحَدِيثِ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ في السَّماءِ سِتُّونَ ذِراعًا» ولَمّا شُبِّهَتِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ بِالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ كانَتِ الكَلِمَةُ أصْلُها ثابِتٌ في قُلُوبِ أهْلِ الإيمانِ، وما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفْعالِ الزَّكِيَّةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ هو فَرْعُها يَصْعَدُ إلى السَّماءِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ وهو ثَوابُ اللَّهِ، هو جَناها، ووَصَفَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ بِأرْبَعَةِ أوْصافٍ: الأوَّلُ قَوْلُهُ: طَيِّبَةٍ، أيْ كَرِيمَةِ المَنبَتِ، والأصْلُ في الشَّجَرَةِ لَهُ لَذَّةٌ في المَطْعَمِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎طَيِّبُ الباءَةِ سَهْلٌ ولَهم سُبُلٌ إنْ شِئْتَ في وحْشٍ وعْرِ
أيْ ساحَتُهم سَهْلَةٌ طَيِّبَةٌ. الثّانِي: رُسُوخُ أصْلِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِها، وأنَّ الرِّياحَ لا تَقْصِفُها، فَهي بَطِيئَةُ الفَناءِ، وما كانَ كَذَلِكَ حَصَلَ الفَرَحُ بِوِجْدانِهِ. والثّالِثُ: عُلُوُّ فَرْعِها، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الشَّجَرَةِ ورُسُوخِ عُرُوقِها، وعَلى بُعْدِها عَنْ عُفُوناتِ الأرْضِ، وعَلى صَفائِها مِنَ الشَّوائِبِ. الرّابِعُ: دَيْمُومَةُ وُجُودِ ثَمَرَتِها وحُضُورُها في كُلِّ الأوْقاتِ. والحِينُ في اللُّغَةِ قِطْعَةٌ مِنَ الزَّمانِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سُمِّها ∗∗∗ تُطْلِقُهُ حِينًا وحِينًا تُراجِعُ
والمَعْنى: تُعْطِي جَناها كُلَّ وقْتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ لَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، أيْ كُلَّ سَنَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: مَن حَلَفَ أنْ لا يَفْعَلَ شَيْئًا حِينًا فَإنَّهُ لا يَفْعَلُهُ سَنَةً، واسْتَشْهَدُوا بِهَذِهِ الآيَةِ. وقِيلَ: ثَمانِيَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ، سِتَّةُ أشْهُرٍ، وهي مُدَّةُ بَقاءِ الثَّمَرِ عَلَيْها.
وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: الحِينُ شَهْرانِ، لِأنَّ النَّخْلَةَ تَدُومُ مُثْمِرَةً شَهْرَيْنِ. وقِيلَ: لا تَتَعَطَّلُ مِن ثَمَرٍ تَحْمِلُ في كُلِّ شَهْرٍ، وهي شَجَرَةُ جَوْزِ الهِنْدِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: كُلَّ حِينٍ أي كُلَّ غُدْوَةٍ وعَشِيَّةٍ، ومَتى أُرِيدُ جَناها، ويَتَخَرَّجُ عَلى أنَّها شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ. والتَّذَكُّرُ المَرْجُوُّ بِضَرْبِ المَثَلِ هو التَّفَهُّمُ والتَّصَوُّرُ لِلْمَعانِي المُدْرَكَةِ بِالعَقْلِ، فَمَتى أُبْرِزَتْ بِالمَحْسُوساتِ لَمْ يُنازَعْ فِيها الحِسُّ والخَيالُ والوَهْمُ، وانْطَبَقَ المَعْقُولُ عَلى المَحْسُوسِ، فَحَصَلَ الفَهْمُ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ. والكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ: هي كَلِمَةُ الكُفْرِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وقالَ مَسْرُوقٌ: الكَذِبُ، وقالَ: أنْ تَجُرَّ دَعْوَةَ الكُفْرِ وما يُعْزى إلَيْهِ الكافِرُ. وقِيلَ: كُلُّ كَلامٍ لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى. وقَرَأ أُبَيٌّ: (وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً خَبِيثَةً)، وقُرِئَ: و(مَثَلَ كَلِمَةٍ) بِنَصْبِ (مَثَلَ) عَطْفًا عَلى ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ . والشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ: شَجَرَةُ الحَنْظَلِ؛ قالَهُ الأكْثَرُونَ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ورَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وقالَ الزَّجّاجُ وفِرْقَةٌ: شَجَرَةُ الثُّومِ. وقِيلَ: شَجَرَةُ الكَشُوتِ، وهي شَجَرَةٌ لا ورَقَ لَها ولا أصْلَ، قالَ: وهي كُشُوتٌ، فَلا أصْلَ ولا ثَمَرَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُرَدُّ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ هَذِهِ كُلَّها مِنَ النَّجْمِ ولَيْسَتْ مِنَ الشَّجَرِ، واللَّهُ تَعالى إنَّما مَثَّلَ بِالشَّجَرِ فَلا تُسَمّى هَذِهِ شَجَرَةً إلّا بِتَجَوُّزٍ، فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الثُّومِ والبَصَلِ «مَن أكَلَ مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ» وقِيلَ: الطُّحْلُبَةُ. وقِيلَ: الكَمْأةُ. وقِيلَ: كُلُّ شَجَرٍ لا يَطِيبُ لَهُ ثَمَرٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هي الكافِرُ، وعَنْهُ أيْضًا: شَجَرَةٌ لَمْ تُخْلَقْ عَلى الأرْضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٤٢٣)والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ بِشَجَرَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، إذا وُجِدَتْ مِنها هَذِهِ الأوْصافُ هو أنْ يَكُونَ كالعِضاةِ أوْ شَجَرَةِ السُّمُومِ ونَحْوِها إذا اجْتُثَّتْ؛ أيِ: اقْتُلِعَتْ جَثَّها بِنَزْعِ الأُصُولِ وبَقِيَتْ في غايَةِ الوَهْيِ والضَّعْفِ، فَتُقَلِّبُها أقَلُّ رِيحٍ. فالكافِرُ يَرى أنَّ بِيَدِهِ شَيْئًا، وهو لا يَسْتَقِرُّ، ولا يُغْنِي عَنْهُ كَهَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي يَظُنُّ بِها عَلى بُعْدِ الجاهِلِ أنَّها شَيْءٌ نافِعٌ، وهي خَبِيثَةُ الجَنْيِ غَيْرُ نافِعَةٍ؛ انْتَهى. واجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: أصْلُها ثابِتٌ، أيْ: لَمْ يَتَمَكَّنْ لَها أصْلٌ ولا عِرْقٌ في الأرْضِ، وإنَّما هي نابِتَةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ. ما لَها مِن قَرارٍ، أيِ: اسْتِقْرارٍ. يُقالُ: قَرَّ الشَّيْءُ قَرارًا ثَبَتَ ثَباتًا، شَبَّهَ بِهَذِهِ الشَّجَرَةِ القَوْلَ الَّذِي لَمْ يُعَضَّدْ بِحُجَّةٍ، فَهو لا يَثْبُتُ بَلْ يَضْمَحِلُّ عَنْ قَرِيبٍ لِبُطْلانِهِ، والقَوْلُ الثّابِتُ هو الَّذِي ثَبَتَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ في قَلْبِ صاحِبِهِ وتَمَكَّنَ فِيهِ، واطْمَأنَّتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ. وتَثْبِيتُهم بِهِ في الدُّنْيا كَوْنُهم لَوْ فُتِنُوا عَنْ دِينِهِمْ في الدُّنْيا لَثَبَتُوا عَلَيْهِ وما زَلُّوا، كَما جَرى لِأصْحابِ الأُخْدُودِ، والَّذِينَ نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ، وكُشِطَتْ لُحُومُهم بِأمْشاطِ الحَدِيدِ، كَما ثَبَتَ جُرْجِيسُ وشَمْعُونُ وبِلالٌ حَتّى كانَ يُعَذَّبُ بِالرَّمْضاءِ وهو يَقُولُ: أحَدٌ أحَدٌ. وتَثْبِيتُهم في الآخِرَةِ كَوْنُهم إذا سُئِلُوا عِنْدَ تَوافُقِ الإشْهادِ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ ولَمْ يَتَلَعْثَمُوا، ولَمْ يَبْهَتُوا، ولَمْ تُحَيِّرْهم أهْوالُ الحَشْرِ. والَّذِينَ آمَنُوا عامٌّ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ طاوُسٌ وقَتادَةُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: أنَّ تَثْبِيتَهم في الدُّنْيا هو مُدَّةُ حَياةِ الإنْسانِ، وفي الآخِرَةِ هو وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ الطَّبَرِيُّ. وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ وجَماعَةٌ: في الحَياةِ الدُّنْيا هي وقْتُ سُؤالِهِ في قَبْرِهِ، ورَواهُ البَراءُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وفي الآخِرَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ. وقِيلَ: مَعْنى تَثْبِيتِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ: هو حَياتُهُ عَلى الإيمانِ، وحَشْرُهُ عَلَيْهِ. وقِيلَ: التَّثْبِيتُ في الدُّنْيا: الفَتْحُ والنَّصْرُ، وفي الآخِرَةِ: الجَنَّةُ والثَّوابُ. وما صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ في حَدِيثِ البَراءِ مِن تِلاوَتِهِ عِنْدَ إيعادِ المُؤْمِنِ في قَبْرِهِ، وسُئِلَ وشَهِدَ شَهادَةَ الإخْلاصِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، الآيَةَ، لا يَظْهَرُ مِنهُ؛ يَعْنِي: أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا هي حَياةُ الإنْسانِ، وأنَّ الآخِرَةَ في القَبْرِ، ولا أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا هي في القَبْرِ، وأنَّ الآخِرَةَ هي يَوْمُ القِيامَةِ، بَلِ اللَّفْظُ مُحْتَمَلٌ. ومَعْنى يُثَبِّتُ: يُدِيمُهم عَلَيْهِ، ويَمْنَعُهم مِنَ الزَّلَلِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ:
؎فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِن حُسْنٍ ∗∗∗ تَثْبِيتَ مُوسى ونَصْرًا كالَّذِي نُصِرُوا
والظّاهِرُ أنَّ ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يُثَبِّتُ. وقِيلَ: يَتَعَلَّقُ بِآمَنُوا. وسُؤالُ العَبْدِ في قَبْرِهِ مُعْتَقَدُ أهْلِ السُّنَّةِ.
﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾، أيِ: الكافِرِينَ، لِمُقابَلَتِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ، وإضْلالُهم في الدُّنْيا كَوْنُهم لا يَثْبُتُونَ في مَواقِفِ الفِتَنِ، وتَزِلُّ أقْدامُهم، وهي الحَيْرَةُ الَّتِي تَلْحَقُهم، إذْ لَيْسُوا مُتَمَسِّكِينَ بِحُجَّةٍ. وفي الآخِرَةِ هو اضْطِرابُهم في جَوابِهِمْ. ولَمّا تَقَدَّمَ تَشْبِيهُ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ عَلى تَشْبِيهِ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ، تَقَدَّمَ في هَذا الكَلامِ مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وتَلاهُ مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ الكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما فَعَلَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ ذَكَرَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ اعْتِراضٌ فِيما خَصَّ بِهِ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما، إذْ ذاكَ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ، أيْ: تَوْجِيهَ الحِكْمَةِ، لِأنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَأْيِيدِهِمْ وعِصْمَتِهِمْ عِنْدَ ثَباتِهِمْ وعَزْمِهِمْ، ومِن إضْلالِ الظّالِمِينَ وخِذْلانِهِمْ والتَّخْلِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ شَأْنِهِمْ عِنْدَ زَلَلِهِمْ؛ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
14:28–30Страница 259
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨
Разве ты не видел тех, которые обменяли милость Аллаха на неверие и ввергли свой народ в Обитель погибели -
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٢٩
Геенну, в которой они будут гореть? Как же скверно это местопребывание!
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠
Они признавали равных Аллаху, чтобы сбить других с Его пути. Скажи: «Пользуйтесь благами, но ваш путь лежит в Огонь».
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ القَرارُ﴾ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ وهُداهم، وحالَ الكافِرِينَ وإضْلالَهم، ذَكَرَ السَّبَبَ في إضْلالِهِمْ. والَّذِينَ بَدَّلُوا ظاهِرَهُ أنَّهُ عامٌّ (p-٤٢٤)فِي جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، بَدَّلُوا بِنِعْمَةِ الإيمانِ الكُفْرَ. وقالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ، أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِبَعْثِهِ رَسُولًا مِنهم يُعَلِّمُهم أمْرَ دِينِهِ وشَرَّفَهم بِهِ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قُوّامَ بَيْتِهِ، فَوَضَعُوا مَكانَ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ كُفْرًا. وسَألَ ابْنُ عَبّاسٍ عُمَرَ عَنْهم فَقالَ: هُما الأعْرابُ مِن قُرَيْشٍ أخْوالِي، أيْ: بَنِي مَخْزُومٍ، واسْتُؤْصِلُوا بِبَدْرٍ. وأعْمامُكَ، أيْ: بَنِي أُمَيَّةَ، ومُتِّعُوا إلى حِينٍ. وعَنْ عَلِيٍّ نَحْوٌ مَن ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: هم قادَةُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَنْ عَلِيٍّ: هم قُرَيْشٌ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا يَوْمَ بَدْرٍ. وعَلى أنَّهم قُرَيْشٌ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ. وعَنْ عَلِيٍّ أيْضًا: هم مُنافِقُو قُرَيْشٍ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإظْهارِ عَلَمِ الإسْلامِ بِأنْ صانَ دِماءَهم وأمْوالَهم وذَرارِيَّهم، ثُمَّ عادُوا إلى الكُفْرِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، ولا يُرِيدُ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ، لِأنَّ نُزُولَ الآيَةِ قَبْلَ قِصَّتِهِ، وقِصَّتُهُ كانَتْ في خِلافَةِ عُمَرَ، وإنَّما يُرِيدُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّها تَخُصُّ مَن فَعَلَ فِعْلًا جِبِلَّةً إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
ونِعْمَةُ اللَّهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بَدَّلُوا شُكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] أيْ شُكْرَ رِزْقِكم، كَأنَّهُ وجَبَ عَلَيْهِمُ الشُّكْرُ فَوَضَعُوا مَكانَهُ كُفْرًا، وجَعَلُوا مَكانَ شُكْرِهِمُ التَّكْذِيبَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّهم بَدَّلُوا نَفْسَ النِّعْمَةِ بِالكُفْرِ حاصِلًا لَهُمِ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وهم أهْلُ مَكَّةَ أسْكَنَهُمُ اللَّهُ حَرَمَهُ، وجَعَلَهم قِوامَ بَيْتِهِ، وأكْرَمَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ، بَدَلَ ما ألْزَمَهم مِنَ الشُّكْرِ العَظِيمِ، أوْ أصابَهُمُ اللَّهُ بِالنِّعْمَةِ والسَّعَةِ لِإيلافِهِمُ الرِّحْلَتَيْنِ، فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ، فَضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ، فَحَصَلَ لَهُمُ الكُفْرُ بَدَلَ النِّعْمَةِ، وبَقِيَ الكُفْرُ طَوْقًا في أعْناقِهِمْ؛ انْتَهى. ونِعْمَةُ اللَّهِ، هو المَفْعُولُ الثّانِي، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الجَرِّ، أيْ: بِنِعْمَةِ اللَّهِ، وكُفْرًا، هو المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] أيْ بِسَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. فالمَنصُوبُ هو الحاصِلُ، والمَجْرُورُ بِالباءِ أوِ المَنصُوبُ عَلى إسْقاطِها هو الذّاهِبُ، عَلى هَذا لِسانُ العَرَبِ، وهو عَلى خِلافِ ما يَفْهَمُهُ العَوامُّ، وكَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي إلى العِلْمِ. وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في قَوْلِهِ في البَقَرَةِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] وإذا قَدَّرْتَ مُضافًا مَحْذُوفًا، وهو شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ، فَهو الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ ثُمَّ حُذِفَتْ، وإذا لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، فالباءُ دَخَلَتْ عَلى نِعْمَةِ، ثُمَّ حُذِفَتْ. وأحَلُّوا قَوْمَهم، أيْ: مَن تابَعَهم عَلى الكُفْرِ. وزَعَمَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنَّ كُفْرًا، هو مَفْعُولٌ ثانٍ لَبَدَّلُوا، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأنَّ بَدَّلَ مِن أخَواتِ اخْتارَ، فالَّذِي يُباشِرُهُ حَرْفُ الجَرِّ هو المَفْعُولُ الثّانِي، والَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ لا بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ. وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: جَهَنَّمُ: بَدَلًا مِن دارِ البَوارِ، والزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفُ بَيانٍ، فَعَلى هَذا يَكُونُ الإحْلالُ في الآخِرَةِ. ودارُ البَوارِ: جَهَنَّمُ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: عَنْ عَلِيٍّ يَوْمَ بَدْرٍ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ: نَزَلَتْ في قَتْلى بَدْرٍ، فَيَكُونُ دارُ البَوارِ، أيِ: الهَلاكِ في الدُّنْيا كَقَلِيبِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي قُتِلُوا فِيهِ. وعَلى هَذا أعْرَبَ ابْنُ عَطِيَّة وأبُو البَقاء: جَهَنَّمَ، مَنصُوبٌ عَلى الِاشْتِغالِ؛ أيْ: يَصْلَوْنَ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ: جَهَنَّمُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَهَنَّمُ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى، لِأنَّ النَّصْبَ عَلى الِاشْتِغالِ مَرْجُوحٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُرَجِّحُهُ، ولا ما يَكُونُ مُساوِيًا، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى النَّصْبِ. ولَمْ يَكُونُوا لِيَقْرَءُوا بِغَيْرِ الرّاجِحِ أوِ المُساوِي، إذْ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ: أفْصَحُ مِن زَيْدًا ضَرَبْتُهُ، فَلِذَلِكَ كانَ ارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ في قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ راجِحًا، وعَلى تَأْوِيلِ الِاشْتِغالِ يَكُونُ ﴿يَصْلَوْنَها﴾ ) لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وعَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ حالًا مِن جَهَنَّمَ، أوْ حالًا مِن دارِ البَوارِ، أوْ حالًا مَن قَوْمِهِمْ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وبِئْسَ القَرارُ هي؛ أيْ: جَهَنَّمُ.
﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ زادُوا إلى كُفْرِهِمْ نِعْمَتَهُ أنْ صَيَّرُوا لَهُ أنْدادًا، وهي الأصْنامُ الَّتِي اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ.
(p-٤٢٥)وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عُمَرَ: ولِيَضِلُّوا هُنا، و(لِيُضِلَّ) في الحَجِّ ولُقْمانَ والرُّومِ، بِفَتْحِ الياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها. والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لامِ الصَّيْرُورَةِ والمَآلِ. لَمّا كانَتْ نَتِيجَةُ جَعْلِ الأنْدادِ آلِهَةً الضَّلالَ أوِ الإضْلالَ، جَرى مَجْرى لامِ العِلَّةِ في قَوْلِكَ: جِئْتُكَ لِتُكْرِمَنِي، عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ. وقِيلَ: قِراءَةُ الفَتْحِ لا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ العاقِبَةِ، وأمّا بِالضَّمِّ فَتَحْتَمِلُ العاقِبَةَ. والعِلَّةُ والأمْرُ بِالتَّمَتُّعِ أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَمَتَّعُوا، إيذانٌ بِأنَّهم لِانْغِماسِهِمْ في التَّمَتُّعِ بِالحاضِرِ، وأنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ ولا يُرِيدُونَهُ، مَأْمُورُونَ بِهِ، قَدْ أمَرَهم آمِرٌ مُطاعٌ لا يَسَعُهم أنْ يُخالِفُوهُ، ولا يَمْلِكُوهُ لِأنْفُسِهِمْ أمْرًا دُونَهُ، وهو آمِرُ الشَّهْوَةِ؛ والمَعْنى: إنْ دُمْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الِامْتِثالِ لِأمْرِ الشَّهْوَةِ فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الخِذْلانُ والتَّخْلِيَةُ ونَحْوُهُ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ [الزمر: ٨]؛ انْتَهى و﴿مَصِيرَكُمْ﴾: مَصْدَرُ صارَ التّامَّةِ، بِمَعْنى رَجَعَ. وخَبَرُ إنَّ هو قَوْلُهُ: ﴿إلى النّارِ﴾، ولا يُقالُ هُنا صارَ بِمَعْنى انْتَقَلَ، ولِذَلِكَ تَعَدّى بِإلى، أيْ: فَإنَّ انْتِقالَكم إلى النّارِ، لِأنَّهُ تَبْقى إنَّ بِلا خَبَرٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَدَّعِيَ حَذْفَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ واقِعٌ لا مَحالَةَ أوْ كائِنٌ، لِأنَّ حَذْفَ الخَبَرِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ قَلِيلٌ، وأكْثَرُ ما يُحْذَفُ إذا كانَ اسْمُ إنَّ نَكِرَةً، والخَبَرُ جارٌّ ومَجْرُورٌ. وقَدْ أجازَ الحَوْفِيُّ: أنْ يَكُونَ إلى النّارِ مُتَعَلِّقًا بِمَصِيرَكم، فَعَلى هَذا يَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии