Абу ХайянАн‑Нахль · 16:90–97

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Ан-Нахль 16:90–97

16:90–92Страница 277

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠

Воистину, Аллах повелевает блюсти справедливость, делать добро и одаривать родственников. Он запрещает мерзости, предосудительные деяния и бесчинства. Он увещевает вас, - быть может, вы помяните назидание.

وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١

Будьте верны завету с Аллахом, который вы заключили; не нарушайте клятв после того, как вы их скрепите, ведь вы сделали Аллаха своим Поручителем. Воистину, Аллах ведает о том, что вы совершаете.

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢

Не уподобляйтесь той женщине, которая распустила свою пряжу после того, как скрепила нити. Вы обращаете свои клятвы в средство обмана, когда одни из вас оказываются сильнее и многочисленнее других. Так Аллах подвергает вас испытанию. А в День воскресения Он непременно разъяснит вам то, в чем вы расходились во мнениях.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٣] ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ٩٤] ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٩٥] ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦] ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٩٩] ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]: النَّقْضُ ضِدُّ الإبْرامِ، وفي الجِرْمِ فَكُّ أجْزائِهِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ. التَّوْكِيدُ: التَّثْبِيتُ، ويُقالُ: تَوْكِيدٌ، وتَأْكِيدٌ، وهُما لُغَتانِ. وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّصْرِيفَ جاءَ في التَّرْكِيبَيْنِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُما أصْلانِ. الغَزْلُ: مَعْرُوفٌ، وفِعْلُهُ غَزَلَ يَغْزِلُ، بِكَسْرِ الزّايِ، غَزْلًا، وأُطْلِقَ المَصْدَرُ عَلى المَغْزُولِ. نَفِدَ الشَّيْءُ يَنْفَدُ فَنِيَ. الأعْجَمِيُّ: الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ (p-٥٢٩)﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكم لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكم كَفِيلًا إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ إنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ): عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في حَدِيثٍ فِيهِ طُولٌ مِنهُ: «إنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ كانَ جَلِيسَ النَّبِيِّ ﷺ وقْتًا فَقالَ لَهُ: عُثْمانُ ما رَأيْتُكَ تَفْعَلُ فِعْلَتَكَ الغَداةَ ؟ قالَ: ”وما رَأيْتَنِي فَعَلْتُ ؟“ قالَ: شَخَصَ بَصَرُكَ إلى السَّماءِ ثُمَّ وضَعْتَهُ عَلى يَمِينِك فَتَحَرَّفْتَ عَنِّي إلَيْهِ وتَرَكْتَنِي، فَأخَذْتَ تَنْغُضُ رَأْسَكَ كَأنَّكَ تَسْتَفِقْهُ شَيْئًا يُقالُ لَكَ، قالَ: ”أوَفَطِنْتَ لِذَلِكَ ؟ أتانِي رَسُولُ اللَّهِ آنِفًا وأنْتَ جالِسٌ“ قالَ: فَماذا قالَ لَكَ ؟ قالَ لِي: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ الآيَةَ. قالَ عُثْمانُ: فَذَلِكَ حِينَ اسْتَقَرَّ الإيمانُ في قَلْبِي، فَأحْبَبْتُ مُحَمَّدًا ﷺ» - لَمّا ذَكَرَ اللَّهَ تَعالى ﴿ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وصَلَ بِهِ ما يَقْتَضِي التَّكالِيفَ فَرْضًا ونَفْلًا وأخْلاقًا وآدابًا. والعَدْلُ: فِعْلُ كُلِّ مَفْرُوضٍ مِن عَقائِدَ، وشَرائِعَ، وسَيْرٍ مَعَ النّاسِ في أداءِ الأماناتِ، وتَرْكِ الظُّلْمِ والإنْصافُ، وإعْطاءُ الحَقِّ؛ والإحْسانُ: فِعْلُ كُلِّ مَندُوبٍ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العَدْلُ هو الواجِبُ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - عَدَلَ فِيهِ عَلى عِبادِهِ، فَجَعَلَ ما فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ واقِعًا تَحْتَ طاقَتِهِمْ. والإحْسانُ النَّدْبُ، وإنَّما عُلِّقَ أمْرُهُ بِهِمْ جَمِيعًا، لِأنَّ الفَرْضَ لا بُدَّ أنْ يَقَعَ فِيهِ تَفْرِيطٌ فَيَجْبُرُهُ النَّدْبُ؛ انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: تَحْتَ طاقَتِهِمْ، نَزْغَةُ الِاعْتِزالِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإحْسانُ: أداءُ الفَرائِضِ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّ العَدْلَ هو الحَقُّ. وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: أنَّهُ اسْتِواءُ السَّرِيرَةِ والعَلانِيَةِ في العَمَلِ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ أنَّهُ القَضاءُ بِالحَقِّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: العَدْلُ في لِسانِ العَرَبِ: الإنْصافُ. وقِيلَ: خَلْعُ الأنْدادِ. وقِيلَ: العَدْلُ في الأفْعالِ والإحْسانُ في الأقْوالِ. وإيتاءُ ذِي القُرْبى: هو صِلَةُ الرَّحِمِ، وهو مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الإحْسانِ، لَكِنَّهُ نُبِّهَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ وحَضًّا عَلى الإحْسانِ إلَيْهِ. والفَحْشاءُ: الزِّنا، أوْ ما شُنْعَتُهُ ظاهِرَةٌ مِنَ المَعاصِي. وفاعِلُها أبَدًا مُسْتَتِرٌ (p-٥٣٠)بِها، أوِ القَبِيحُ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، أوِ البُخْلُ، أوْ مُوجَبُ الحَدِّ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، أوْ مُجاوَزَةُ حُدُودِ اللَّهِ، أقْوالٌ، أوَّلُها لِابْنِ عَبّاسٍ. والمُنْكَرُ: الشِّرْكُ عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ ما وُعِدَ عَلَيْهِ بِالنّارِ عَنِ ابْنِ السّائِبِ، أوْ مُخالَفَةُ السَّرِيرَةِ لِلْعَلانِيَةِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، أوْ ما لا يُوجِبُ الحَدَّ في الدُّنْيا لَكِنَّ العَذابَ في الآخِرَةِ. أوْ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ أقْوالٌ، ويَظْهَرُ أنَّهُ أعَمُّ مِنَ الفَحْشاءِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المَعاصِي والرَّذائِل والبَغْيِ: التَّطاوُلُ بِالظُّلْمِ والسِّعايَةِ فِيهِ، وهو داخِلٌ في المُنْكَرِ، ونَبَّهَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِاجْتِنابِهِ. وجَمَعَ في المَأْمُورِ بِهِ والمَنهِيِّ عَنْهُ بَيْنَ ما يَجِبُ ويُنْدَبُ، وما يَحْرُمُ ويُكْرَهُ، لِاشْتِراكِ ذَلِكَ في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ وهو الطَّلَبُ في الأمْرِ، والتَّرْكُ في النَّهْيِ.

وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: أمَرَ بِثَلاثَةٍ، ونَهى عَنْ ثَلاثَةٍ. فالعَدْلُ: التَّوَسُّطُ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وذَلِكَ في العَقائِدِ وأعْمالِ الرُّعاةِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَدْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو إثْباتُ الإلَهِ الواحِدِ، فَلَيْسَ تَعْطِيلًا مَحْضًا ولا إثْباتَ أكْثَرَ مِن إلَهٍ. وإثْباتُ كَوْنِهِ عالِمًا قادِرًا واجِبَ الصِّفاتِ فَلَيْسَ نَفْيًا لِلصِّفاتِ، ولا إثْباتَ صِفَةٍ حادِثَةٍ مُتَغَيِّرَةٍ. وكَوْنُ فِعْلِ العَبْدِ بِواسِطَةِ قُدْرَتِهِ تَعالى، والدّاعِيَةُ الَّتِي جَعَلَها فِيهِ فَلَيْسَ جَبْرًا مَحْضًا، ولا اسْتِقْلالًا بِالفِعْلِ. وكَوْنُهُ تَعالى يُخْرِجُ مِنَ النّارِ مَن دَخَلَها مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، فَلَيْسَ إرْجاءً ولا تَخْلِيدًا بِالمَعْصِيَةِ. وأمّا أعْمالُ الرُّعاةِ: فالتَّكالِيفُ اللّازِمَةُ لَهم، فَلَيْسَ قَوْلًا بِأنَّهُ لا تَكْلِيفَ، ولا قَوْلًا بِتَعْذِيبِ النَّفْسِ واجْتِنابِ ما يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهِ مِن: أكْلِ الطَّيِّبِ، والتَّزَوُّجِ، ورَمْيِ نَفْسِهِ مِن شاهِقٍ، والقِصاصِ، أوِ الدِّيَةِ، أوِ العَفْوِ، فَلَيْسَ تَشْدِيدًا في تَعْيِينِ القِصاصِ كَشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا عَفْوًا حَتْمًا كَشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَجَنُّبِ الحائِضِ في اجْتِنابِ وطْئِها فَقَطْ فَلَيْسَ اجْتِنابًا مُطْلَقًا كَشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا حَلَّ وطْئِها حالَةَ الحَيْضِ كَشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاخْتِتانِ، فَلَيْسَ إبْقاءً لِلْقُلْفَةِ ولا قَطْعًا لِلْآلَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المانَوِيَّةُ. وقالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ولا تَجْعَلِ الآيَتَيْنِ. ومِنَ المَشْهُورِ قَوْلُهم بِالعَدْلِ: قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ومَعْناهُ: إنَّ مَقادِيرَ العَناصِرِ لَوْ لَمْ تَكُنْ مُتَعادِلَةً، وكانَ بَعْضُها أزْيَدَ، لَغَلَبَ الِازْدِيادُ وانْقَلَبَتِ الطَّبائِعُ. فالشَّمْسُ لَوْ قَرُبَتْ مِنَ العالَمِ لَعَظُمَتِ السُّخُونَةُ واحْتَرَقَ ما فِيهِ، ولَوْ زادَ بَعْدَها لاسْتَوى الحَرُّ والبَرْدُ. وكَذا مَقادِيرُ حَرَكاتِ الكَواكِبِ، ومَراتِبُ سُرْعَتِها، وبُطْئِها. والإحْسانُ: الزِّيادَةُ عَلى الواجِبِ مِنَ الطّاعاتِ بِحَسْبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، والدَّواعِي، والصَّوارِفِ، والِاسْتِغْراقِ في شُهُودِ مَقاماتِ العُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ. ومِنَ الإحْسانِ الشَّفَقَةُ عَلى الخَلْقِ، وأصْلُها صِلَةُ الرَّحِمِ، والمَنهِيُّ عَنْهُ ثَلاثَةٌ. وذَلِكَ أنَّهُ أوْدَعَ في النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ قُوًى أرْبَعَةً: الشَّهْوانِيَّةَ: وهي تَحْصِيلُ اللَّذّاتِ، والغَضَبِيَّةَ: وهي: إيصالُ الشَّرِّ، ووَهْمِيَّةً: وهي شَيْطانِيَّةٌ تَسْعى في التَّرَفُّعِ والتَّراوُسِ عَلى النّاسِ. فالفَحْشاءُ ما نَشَأ عَنِ القُوَّةِ الشَّهْوانِيَّةِ الخارِجَةِ عَنْ أدَبِ الشَّرِيعَةِ، والمُنْكَرُ ما نَشَأ عَنِ الغَضَبِيَّةِ، والبَغْيُ ما نَشَأ عَنِ الوَهْمِيَّةِ؛ انْتَهى. ما تَخَلَّصَ مِن كَلامِهِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ. ولَمّا أمَرَ تَعالى بِتِلْكَ الثَّلاثِ، ونَهى عَنْ تِلْكَ الثَّلاثِ قالَ: يَعِظُكم بِهِ، أيْ: بِما ذَكَرَ تَعالى مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، والمَعْنى: يُنَبِّهُكم أحْسَنَ تَنْبِيهٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ، أيْ: تَتَنَبَّهُونَ لِما أُمِرْتُمْ بِهِ ونُهِيتُمْ عَنْهُ، وعَقْدُ اللَّهِ عِلْمٌ لِما عَقَدَهُ الإنْسانُ والتَزَمَهُ مِمّا يُوافِقُ الشَّرِيعَةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي البَيْعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] . وكَأنَّهُ لَحَظَ ما قِيلَ إنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ بايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ عَلى الإسْلامِ، رَواهُ عَنْ بُرَيْدَةَ. وقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: فِيما كانَ مِن تَحالُفِ الجاهِلِيَّةِ في أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ. وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ: الوَفاءُ لِمَن عاهَدْتَهُ مُسْلِمًا كانَ أوْ كافِرًا، فَإنَّما العَهْدُ لِلَّهِ. وقالَ الأصَمُّ: الجِهادُ وما فُرِضَ في الأمْوالِ مِن حَقٍّ. وقِيلَ: اليَمِينُ بِاللَّهِ، ولا تَنْقُضُوا العُهُودَ المُوَثَّقَةَ بِالأيْمانِ، نَهى عَنْ نَقْضِها تَهَمُّمًا بِها بَعْدَ تَوْكِيدِها، أيْ: (p-٥٣١)تَوْثِيقِها بِاسْمِ اللَّهِ وكَفالَةِ اللَّهِ وشَهادَتِهِ، ومُراقَبَتِهِ، لِأنَّ الكَفِيلَ مُراعٍ لِحالِ المَكْفُول بِهِ. ولا تَكُونُوا، أيْ: في نَقْضِ العَهْدِ بَعْدَ تَوْكِيدِهِ بِاللَّهِ كالمَرْأةِ الوَرْهاءِ تُبْرِمُ فَتْلَ غَزْلِها ثُمَّ تَنْقُضُهُ نَكْثًا، وهو ما يُحَلُّ فَتْلُهُ. والتَّشْبِيهُ لا يَقْتَضِي تَعْيِينَ المُشَبَّهِ بِهِ. وقالَ السُّدِّيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: هي امْرَأةٌ حَمْقاءُ كانَتْ بِمَكَّةَ. وعَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: هي مِن قُرَيْشٍ خَرْقاءُ اسْمُها رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، تُلَقَّبُ بِجَفْراءَ، اتَّخَذَتْ مِغْزَلًا قَدْرَ ذِراعٍ، وصِنّارَةً مِثْلَ أُصْبُعٍ، وفَلْكَةً عَظِيمَةً عَلى قَدْرِها، فَكانَتْ تَغْزِلُ هي وجَوارِيها مِنَ الغَداةِ إلى الظُّهْرِ، ثُمَّ تَأْمُرُهُنَّ فَيَنْقُضْنَ ما غَزَلْنَ. وعَنْ مُجاهِدٍ: هَذا فِعْلُ نِساءِ أهْلِ نَجْدٍ، تَنْقُضُ إحْداهُنَّ غَزْلَها ثُمَّ تَنْفُشُهُ، وتَخْلِطُهُ بِالصُّوفِ فَتَغْزِلُهُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: رَيْطَةُ بِنْتُ عَمْرٍو المُرِّيَّةُ، ولَقَبُها الجَفْراءُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وكانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ المُخاطَبِينَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: مِن بَعْدِ قُوَّةٍ، أيْ: شِدَّةٍ حَدَثَتْ مِن تَرْكِيبِ قُوى الغَزْلِ. ولَوْ قَدَّرْناها واحِدَةَ القُوى لَمْ تَكُنْ تَنْتَقِضُ أنْكاثًا. والنِّكْثُ في اللُّغَةِ الحَبْلُ إذا انْتَقَضَتْ قُواهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى مِن بَعْدِ إمْرارِ قُوَّةً. والدَّخَلُ: الفَسادُ والدَّغَلُ، جَعَلُوا الإيمانَ ذَرِيعَةً إلى الخِدَعِ والغَدْرِ، وذَلِكَ أنَّ المَحْلُوفَ لَهُ مُطَمْئِنٌّ، فَيُمْكِنُ الحالِفَ ضَرُّهُ بِما يُرِيدُهُ. قالُوا: نَزَلَتْ في العَرَبِ كانُوا إذا حالَفُوا قَبِيلَةً فَجاءَ أكْثَرُ مِنها عَدَدًا حالَفُوهُ وغَدَرُوا بِالَّتِي كانَتْ أقَلَّ. وقِيلَ: أنْ تَكُونُوا أنْتُمْ أزْيَدَ خَبَرًا، فَأُسْنِدَ إلى أُمَّةٍ، والمُرادُ المُخاطَبُونَ. وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الدَّخَلُ والدّاخِلُ في الشَّيْءِ لَمْ تَكُنْ مِنهُ، ودَخَلًا مَفْعُولٌ ثانٍ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وأنْ تَكُونَ، أيْ: بِسَبَبِ أنْ تَكُونَ، وهي أرْبى مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وأجازَ الكُوفِيُّونَ أنْ تَكُونَ هي عِمادًا، يَعْنُونَ فَضْلًا، فَيَكُونُ ﴿أرْبى﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لِتَنْكِيرِ أُمَّةٍ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنْ تَكُونَ، أيْ: بِسَبَبِ كَوْنِ أُمَّةٍ أرْبى مِن أُمَّةٍ يَخْتَبِرُكم بِذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَنْظُرَ أتَتَمَسَّكُونَ بِحَبْلِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ، وما عَقَّدْتُمْ عَلى أنْفُسِكم ووَكَّدْتُمْ مِن أيْمانِ البَيْعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ أمْ تَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ قُرَيْشٍ وثَرْوَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ وفَقْرِهِمْ وضَعْفِهِمْ؛ ولَيُبَيِّنَنَّ لَكم: إنْذارٌ وتَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ مِلَّةِ الإسْلامِ؛ انْتَهى. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الوَفاءِ بِالعَهْدِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ: يَعُودُ عَلى الكَثْرَةِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا كانَ تَأْنِيثُها غَيْرَ حَقِيقِيٍّ حُمِلَ عَلى مَعْنى التَّذْكِيرِ، كَما حُمِلَتِ الصَّيْحَةُ عَلى الصِّياحِ.

16:93–97Страница 277

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣

Если бы Аллах пожелал, то Он сделал бы вас единой общиной. Однако Он вводит в заблуждение, кого пожелает, и ведет прямым путем, кого пожелает, и вы непременно будете спрошены о том, что вы совершали.

وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤

Не обращайте свои клятвы в средство обмана, чтобы ваша стопа не поскользнулась после того, как она твердо стояла, а не то вы вкусите зло за то, что сбивали других с пути Аллаха, и вам будут уготованы великие мучения.

وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩٥

Не продавайте данные Аллаху обеты за ничтожную цену, ибо для вас лучше то, что у Аллаха, если бы вы только знали!

مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦

То, что есть у вас, иссякнет, а то, что есть у Аллаха, останется навсегда. А тем, которые проявляли терпение, Мы непременно воздадим наградой за лучшее из того, что они совершали.

مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧

Верующих мужчин и женщин, которые поступали праведно, Мы непременно одарим прекрасной жизнью и вознаградим за лучшее из того, что они совершали.

﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلًا بَيْنَكم فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إنَّما عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: هَذِهِ المَشِيئَةُ مَشِيئَةُ اخْتِيارٍ عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، ابْتَلى النّاسَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ لِيَذْهَبَ كُلٌّ (p-٥٣٢)إلى ما يُسِّرَ لَهُ، وذَلِكَ لِحَقِّ المَلِكِ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ. ولَوْ شاءَ لَكانُوا كُلُّهم عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ، إمّا هُدًى، وإمّا ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهُ فَرَّقَ، فَناسٌ لِلسَّعادَةِ، وناسٌ لِلشَّقاوَةِ. فَخَلَقَ الهُدى والضَّلالَ، وتَوَعَّدَ بِالسُّؤالِ عَنِ العَمَلِ، وهو سُؤالُ تَوْبِيخٍ لا سُؤالُ تَفَهُّمٍ، وسُؤالُ التَّفَهُّمِ هو المَنفِيُّ في آياتٍ. ومَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ مَشِيئَةُ قَهْرٍ. قالَ العَسْكَرِيُّ: المُرادُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْمَعَكم عَلى الإسْلامِ قَهْرًا، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وخَلَقَكم لِيُعَذِّبَ مَن يَشاءُ عَلى مَعْصِيَتِهِ، ويُثِيبَ مَن يَشاءُ عَلى طاعَتِهِ، ولا يَشاءُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا أنْ يَسْتَحِقَّهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهُ لَوْ شاءَ خَلَقَكم في الجَنَّةِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِيُثِيبَ المُطِيعِينَ مِنكم، ويُعَذِّبَ العُصاةَ.

ثُمَّ قالَ: ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ يَعْنِي: سُؤالَ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإضْلالَ في الآيَةِ: العِقابُ، ولَوْ كانَ الإضْلالُ عَنِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لِسُؤالِهِ إيّاهم مَعْنًى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُمَّةٌ واحِدَةٌ حَنِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ عَلى طَرِيقِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ، وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ أنْ يُضِلَّ مَن يَشاءُ، وهو أنْ يَخْذُلَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ ويُصَمِّمَ عَلَيْهِ، ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو أنْ يَلْطُفَ بِمَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ يَخْتارُ الإيمانَ، يَعْنِي: أنَّهُ بَنى الأمْرَ عَلى الِاخْتِيارِ، وعَلى ما يَسْتَحِقُّ بِهِ اللُّطْفَ والخِذْلانَ والثَّوابَ والعِقابَ، ولَمْ يُنَبَّهْ عَلى الإجْبارِ الَّذِي لا يُسْتَحَقُّ بِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وحَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . ولَوْ كانَ هَذا المُضْطَرَّ إلى الضَّلالِ والِاهْتِداءِ، لَما أثْبَتَ لَهم عَمَلًا يُسْألُونَ عَنْهُ؛ انْتَهى. قالُوا: كَرَّرَ النَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا تَهَمُّمًا بِذَلِكَ، ومُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْهُ لِعِظَمِ مَوْقِعِهِ في الدِّينِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَرَدُّدِهِ في مُعامَلاتِ النّاسِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأْكِيدًا عَلَيْهِمْ، وإظْهارًا لْعِظَمِ ما يَرْتَكِبُ مِنهُ؛ انْتَهى. وقِيلَ: إنَّما كَرَّرَ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ: لِأنَّ الأوَّلَ: نَهى فِيهِ عَنِ الدُّخُولِ في الحَلِفِ ونَقْضِ العَهْدِ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ، وهُنا نُهِيَ عَنِ الدَّخَلِ في الأيْمانِ الَّتِي يُرادُ بِها اقْتِطاعُ حُقُوقٍ، فَكَأنَّهُ قالَ: دَخَلًا بَيْنَكم لِتَتَوَصَّلُوا بِها إلى قَطْعِ أمْوالِ المُسْلِمِينَ، وأقُولُ: لَمْ يَتَكَرَّرِ النَّهْيُ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا، وإنَّما سَبَقَ إخْبارٌ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا أيْمانَهم دَخَلًا مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ خاصٍّ، وهو: أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ. وجاءَ النَّهْيُ بِقَوْلِهِ: ولا تَتَّخِذُوا، اسْتِئْنافُ إنْشاءٍ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا عَلى العُمُومِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ مِنَ الحِلْفِ في المُبايَعَةِ، وقَطْعِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. وانْتَصَبَ ﴿فَتَزِلَّ﴾ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وهو اسْتِعارَةٌ لِمَن كانَ مُسْتَقِيمًا ووَقَعَ في أمْرٍ عَظِيمٍ وسَقَطَ، لِأنَّ القَدَمَ إذا زَلَّتْ تَقَلَّبَ الإنْسانُ مِن حالِ خَيْرٍ إلى حالِ شَرٍّ. وقالَ كُثَيِّرٌ: فَلَمّا تَوافَيْنا ثَبَتُّ وزَلَّتِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَتَزِلَّ أقْدامُكم عَنْ مَحَجَّةِ الإسْلامِ بَعْدَ ثُبُوتِها عَلَيْها (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ وحَّدْتَ القَدَمَ ونَكَّرْتَ ؟ (قُلْتُ): لِاسْتِعْظامِ أنْ تَزِلَّ قَدَمٌ واحِدَةٌ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِأقْدامٍ كَثِيرَةٍ ؟ انْتَهى. ونَقُولُ: الجَمْعُ تارَةً يُلْحَظُ فِيهِ المَجْمُوعُ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، وتارَةً يُلْحَظُ فِيهِ اعْتِبارُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَإذا لُوحِظَ فِيهِ المَجْمُوعُ كانَ الإسْنادُ مُعْتَبَرًا (p-٥٣٣)فِيهِ الجَمْعِيَّةُ، وإذا لُوحِظَ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ كانَ الإسْنادُ مُطابِقًا لِلَفْظِ الجَمْعِ كَثِيرًا، فَيَجْمَعُ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، ومُطابِقًا لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَيُفْرَدُ كَقَوْلِهِ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] أفْرَدَ مُتَّكَئًا لِما كانَ لُوحِظَ في قَوْلِهِ (لَهُنَّ) مَعْنًى لِكُلِّ واحِدَةٍ، ولَوْ جاءَ مُرادًا بِهِ الجَمْعِيَّةُ أوْ عَلى الكَثِيرِ في الوَجْهِ الثّانِي لِجَمْعِ المُتَّكَأِ، وعَلى هَذا المَعْنى يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَإنِّي وجَدْتُ الضّامِرَيْنِ مَتاعُهم يَمُوتُ ويَفْنى فارْضَخِي مِن وعائِيا

أيْ: رَأيْتُ كُلَّ ضامِرٍ. ولِذَلِكَ أفْرَدَ الضَّمِيرَ في يَمُوتُ ويَفْنى. ولَمّا كانَ المَعْنى هُنا: لا يَتَّخِذُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم، جاءَ ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ مُراعاةً لِهَذا المَعْنى، ثُمَّ قالَ: ﴿وتَذُوقُوا﴾، مُراعاةً لِلْمَجْمُوعِ، أوْ لِلَفْظِ الجَمْعِ عَلى الوَجْهِ الكَثِيرِ. إذا قُلْنا: إنَّ الإسْنادَ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الأيْمانِ دَخَلًا بِاعْتِبارِ المَجْمُوعِ وبِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِإفْرادِ قَدَمٍ وبِجَمْعِ الضَّمِيرِ في: ﴿وتَذُوقُوا﴾ . و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ في ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾، أيْ: بِصُدُودِكم أوْ بِصَدِّكم غَيْرَكم، لِأنَّهم لَوْ نَقَضُوا الأيْمانَ وارْتَدُّوا لاتُّخِذَ نَقْضُها سُنَّةً لِغَيْرِهِمْ فَيُسَبُّونَ بِها، وذَوْقُ السُّوءِ في الدُّنْيا.

﴿ولَكم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، أيْ: في الآخِرَةِ. والسُّوءُ: ما يَسُوءُهم مِن قَتْلٍ، ونَهْبٍ، وأسْرٍ، وجَلاءٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَسُوءُ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ ﴿صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعَلى هَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ قالَ: لِأنَّهم قَدْ نَقَضُوا أيْمانَ البَيْعَةِ. ولا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ لِخُصُوصِهِ، بَلْ نَقْضُ الأيْمانِ في البَيْعَةِ مُنْدَرِجٌ في العُمُومِ.

﴿ولا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: هَذا نَهْيٌ عَنْ نَقْضِ ما بَيْنَ اللَّهِ تَعالى والعَبْدِ لِأخْذِ حُطامٍ مِن عَرَضِ الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ قَوْمٌ مِمَّنْ أسْلَمَ بِمَكَّةَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ لِجَزَعِهِمْ مِمّا رَأوْا مِن غَلَبَةِ قُرَيْشٍ واسْتِضْعافِهِمُ المُسْلِمِينَ وإيذائِهِمْ لَهم، ولَمّا كانُوا يَعِدُونَهم إنْ رَجَعُوا مِنَ المَواعِيدِ أنْ يَنْقُضُوا ما بايَعُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَثَبَّتَهُمُ اللَّهُ. ولا تَشْتَرُوا: ولا تَسْتَبْدِلُوا بِعَهْدِ اللَّهِ وبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا يَسِيرًا، وهو ما كانَتْ قُرَيْشُ يَعِدُونَهم ويُمَنُّونَهم إنْ رَجَعُوا أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ مِن إظْهارِكم وتَغْنِيمِكم ومِن ثَوابِ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ آيَةُ نَهْيٍ عَنِ الرِّشا وأخْذِ الأمْوالِ عَلى تَرْكِ ما يَجِبُ عَلى الآخِذِ فِعْلُهُ، أوْ فِعْلُ ما يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ، فَإنَّ هَذِهِ هي الَّتِي عَهِدَ اللَّهُ إلى عِبادِهِ فِيها، وبَيَّنَ تَعالى الفَرْقَ بَيْنَ حالِ الدُّنْيا وحالِ الآخِرَةِ، بِأنَّ هَذِهِ تَنْفَدُ وتَنْقَضِي عَنِ الإنْسانِ، ويَنْقَضِي عَنْها، والَّتِي في الآخِرَةِ باقِيَةٌ دائِمَةٌ. ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾، عَلى أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ لا يَنْقَطِعُ، وفي ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى جَهْمِ بْنِ صَفْوانَ إذْ زَعَمَ أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ مُنْقَطِعٌ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: ولَنَجْزِيَّنَ، بِالنُّونِ، وباقِي السَّبْعَةِ، بِالياءِ. وصَبَرُوا: أيْ: جاهَدُوا أنْفُسَهم عَلى مِيثاقِ الإسْلامِ وأذى الكُفّارِ، وتَرْكِ المَعاصِي، وكَسْبِ المالِ بِالوَجْهِ الَّذِي لا يَحِلُّ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. قِيلَ: مِنَ التَّنَفُّلِ بِالطّاعاتِ، وكانَتْ أحْسَنَ لِأنَّها لَمْ يُحَتَّمْ فِعْلُها، فَكانَ الإنْسانُ يَأْتِي بِالتَّنَفُّلاتِ مُخْتارًا غَيْرَ مَلْزُومٍ بِها. وقِيلَ: ذَكَرَ الأحْسَنَ تَرْغِيبًا في عَمَلِهِ، وإنْ كانَتِ المُجازاةُ عَلى الحَسَنِ والأحْسَنِ. وقِيلَ: الأحْسَنُ هُنا بِمَعْنى الحَسَنِ، فَلَيْسَ أفْعَلُ الَّتِي لِلتَّفْضِيلِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِالأحْسَنِ هُنا الصَّبْرُ، أيْ: ولَيَجْزِيَّنَ الَّذِينَ صَبَرُوا بِصَبْرِهِمْ، أيْ: بِجَزاءِ صَبْرِهِمْ، وجَعَلَ الصَّبْرَ أحْسَنَ الأعْمالِ لِاحْتِياجِ جَمِيعِ التَّكالِيفِ إلَيْهِ، فالصَّبْرُ هو رَأْسُها، فَكانَ الأحْسَنُ لِذَلِكَ. و(مَن) صالِحَةٌ لِلْمُفْرَدِ والمُذَكَّرِ وفُرُوعِهِما. لَكِنْ يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ، فَبَيَّنَ بِالنَّوْعَيْنِ لِيَعُمَّ الوَعْدُ كِلَيْهِما. وهو مُؤْمِنٌ: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والإيمانُ شَرْطٌ في العَمَلِ الصّالِحِ مُخَصَّصٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أوْ يُرادُ بِمِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ، كَما جاءَ في مَن يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ (p-٥٣٤)أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهُمْ﴾: يَعْنِي في الآخِرَةِ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وقالَ شَرِيكٌ: في القَبْرِ. وقالَ عَلِيٌّ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ عَنْهُما هي: القَناعَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ: الرِّزْقُ الحَلالُ، وعَنْهُ أيْضًا: السَّعادَةُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الطّاعَةُ. وقالَ قَتادَةُ: الرِّزْقُ في يَوْمٍ بِيَوْمٍ، وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: الرِّزْقُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: حَلاوَةُ الطّاعَةِ، وقِيلَ: العافِيَةُ والكِفايَةُ، وقِيلَ: الرِّضا بِالقَضاءِ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المُؤْمِنُ مَعَ العَمَلِ الصّالِحِ إنْ كانَ مُوسِرًا فَلا مَقالَ فِيهِ، وإنْ كانَ مُعْسِرًا فَمَعَهُ ما يَطِيبُ عَيْشُهُ، وهو القَناعَةُ والرِّضا بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعالى. والفاجِرُ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَلا إشْكالَ في أمْرِهِ، وإنْ كانَ مُوسِرًا فالحِرْصُ لا يَدَعُهُ أنْ يَتَهَنَّأ بِعَيْشِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: طَيَّبَ الحَياةَ لِلصّالِحِينَ بِانْبِساطِ نُفُوسِهِمْ ونَيْلِها وقُوَّةِ رَجائِهِمْ، والرَّجاءُ لِلنَّفْسِ أمْرٌ مُلِذٌّ، وبِأنَّهُمُ احْتَقَرُوا الدُّنْيا فَزالَتْ هُمُومُها عَنْهم، فَإنِ انْضافَ إلى هَذا مالٌ حَلالٌ وصِحَّةٌ وقَناعَةٌ فَذاكَ كَمالٌ، وإلّا فالطَّيِّبُ فِيما ذَكَرْنا راتِبٌ. وعادَ الضَّمِيرُ في ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾ عَلى لَفْظِ (مَن) مْفُرَدًا، وفي (ولَنَجْزِيَنَّهم) عَلى مَعْناها مِنَ الجَمْعِ، فَجَمَعَ. ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ: ولَيَجْزِينَّهم؛ بِالياءِ بَدَلَ النُّونِ، التَفَتَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ قَسَمٍ ثانٍ لا مَعْطُوفًا عَلى ﴿فَلْنُحْيِيَنَّهُ﴾، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ قَسَمِيَّةٍ، وكِلْتاهُما مَحْذُوفَتانِ. ولا يَكُونُ مِن عَطْفِ جَوابٍ عَلى جَوابٍ، لِتَغايُرِ الإسْنادِ، وإفْضاءِ الثّانِي إلى إخْبارِ المُتَكَلِّمِ عَنْ نَفْسِهِ بِإخْبارِ الغائِبِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ. فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ: زَيْدٌ قُلْتُ واللَّهِ لَأضْرِبَنَّ هِنْدًا ولِيَنْفِيَنَّها، يُرِيدُ ولَيَنْفِيها زَيْدٌ. فَإنْ جَعَلْتَهُ عَلى إضْمارِ قَسَمٍ ثانٍ جازَ، أيْ: وقالَ زَيْدٌ لَيَنْفِيَنَّها، لِأنَّ لَكَ في هَذا التَّرْكِيبِ أنْ تَحْكِيَ لَفْظَهُ، وأنْ تَحْكِيَ عَلى المَعْنى. فَمِنَ الأوَّلِ: (ولَيَحْلِفُنَّ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى) ومِنَ الثّانِي: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] ولَوْ جاءَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ ما قُلْنا.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English