Абу ХайянАль‑Исра · 17:94–104

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль-Исра 17:94–104

17:94–99Страница 291

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤

Людям помешало уверовать после того, как к ним явилось верное руководство, только то, что они сказали: «Неужели Аллах отправил посланником человека?».

قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥

Скажи: «Если бы по земле спокойно ходили ангелы, то Мы отправили бы к ним посланником с неба ангела».

قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٩٦

Скажи: «Довольно того, что Аллах является Свидетелем между мною и вами. Воистину, Он знает и видит Своих рабов».

وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧

Тот, кого Аллах ведет прямым путем, следует прямым путем. А для того, кого Аллах вводит в заблуждение, ты не найдешь покровителей вместо Него. В День воскресения Мы соберем их лежащими ничком, слепыми, немыми, глухими. Их пристанищем будет Геенна. Как только она утихает, Мы добавляем им пламени.

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا ٩٨

Таково возмездие им за то, что они не уверовали в Наши знамения и говорили: «Неужели после того, как мы превратимся в прах и частички, мы будем воскрешены в новом творении?».

۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا ٩٩

Неужели они не видят, что Аллах, сотворивший небеса и землю, способен создать подобных им? Он установил для них срок, в котором нет сомнения, но беззаконники отвергают все, кроме неверия.

﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ .

(p-٨١)الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنِ السَّبَبِ الضَّعِيفِ الَّذِي مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ، إذْ ظَهَرَ لَهُمُ المُعْجِزُ وهو اسْتِبْعادٌ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إلى الخَلْقِ واحِدًا مِنهم ولَمْ يَكُنْ مَلَكًا، وبَعْدَ أنْ ظَهَرَ المُعْجِزُ فَيَجِبُ الإقْرارُ والِاعْتِرافُ بِرِسالَتِهِ، فَقَوْلُهم: لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ تَحَكُّمٌ فاسِدٌ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ هو مِن قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ قالَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّلَهُّفِ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَأنَّهُ يَقُولُ مُتَعَجِّبًا مِنهم: ما شاءَ اللَّهُ كانَ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا﴾ هَذِهِ العِلَّةُ النَّزِرَةُ والِاسْتِبْعادُ الَّذِي لا يُسْنَدُ إلى حُجَّةٍ، وبَعْثَةُ البَشَرِ رُسُلًا غَيْرُ بِدْعٍ، ولا غَرِيبَ فِيها يَقَعُ الإفْهامُ والتَّمَكُّنُ مِنَ النَّظَرِ كَما لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَسْكُنُونَها مُطْمَئِنِّينَ لَكانَ الرَّسُولُ إلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ لِيَقَعَ الإفْهامُ، وأمّا البَشَرُ فَلَوْ بُعِثَ إلَيْهِمْ مَلَكٌ لَنَفَرَتْ طَبائِعُهم مِن رُؤْيَتِهِ، ولَمْ تَحْتَمِلْهُ أبْصارُهم ولا تَجَلَّدَتْ لَهُ قُلُوبُهم، وإنَّما اللَّهُ أجْرى أحْوالَهم عَلى مُعْتادِها. انْتَهى.

و(أنْ يُؤْمِنُوا) في مَوْضِعِ نَصْبٍ و(أنْ قالُوا) في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و(إذْ) ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ مَنَعَ النّاسَ كَفّارُ قُرَيْشٍ القائِلُونَ تِلْكَ المَقالاتِ السّابِقَةَ و(الهُدى) هو القُرْآنُ ومَن جاءَ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ القَوْلِ، بَلْ قَوْلُهُمُ النّاشِئُ عَنِ اعْتِقادٍ والهَمْزَةُ في (أبَعَثَ) لِلْإنْكارِ و(رَسُولًا) ظاهِرُهُ أنَّهُ نَعْتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (رَسُولًا) مَفْعُولَ بَعَثَ، و(بَشَرًا) حالٌ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ أيْ أبَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في حالِ كَوْنِهِ بَشَرًا وكَذَلِكَ يَجُوزُ في قَوْلِهِ: ﴿مَلَكًا رَسُولًا﴾ أيْ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ رَسُولًا في حالِ كَوْنِهِ مَلَكًا. وقَوْلُهُ: (يَمْشُونَ) يَتَصَرَّفُونَ فِيها بِالمَشْيِ ولَيْسَ لَهم صُعُودٌ إلى السَّماءِ فَيَسْمَعُوا مِن أهْلِها ويَعْلَمُونَ ما يَجِبُ عِلْمُهُ، بَلْ هم مُقِيمُونَ في الأرْضِ يَلْزَمُهم ما يَلْزَمُ المُكَلَّفِينَ مِن عِباداتٍ مَخْصُوصَةٍ وأحْكامٍ لا يُدْرَكُ تَفْصِيلُها بِالعَقْلِ ﴿لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ﴾ مِن جِنْسِهِمْ مَن يُعَلِّمُهم ذَلِكَ ويُلْقِيهِ إلَيْهِمْ.

ولَمّا دَعاهم ﷺ إلى الإيمانِ وتَحَدّى عَلى صِدْقِ نَبُّوتِهِ بِالمُعْجِزِ المُوافِقِ لِدَعْواهُ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّهُ تَعالى هو الشَّهِيدُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلى تَبْلِيغِهِ وما قامَ بِهِ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وما اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ عَلى سَبِيلِ العِنادِ، وأرْدَفَ ذَلِكَ بِما فِيهِ تَهْدِيدٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا﴾ بِخَفِيّاتِ أسْرارِهِمْ (بَصِيرًا) مُطْلَقًا عَلى ما يَظْهَرُ مِن أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (ومَن يَهْدِ اللَّهُ) إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ مُنْدَرِجًا تَحْتَ (قُلْ) لِقَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُهُمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُنْدَرِجًا لِمَجِيءِ (ومِنَ) بِالواوِ، ويَكُونُ ﴿ونَحْشُرُهُمْ﴾ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ التِفاتًا إذْ خَرَجَ مِنَ الغَيْبَةِ لِلتَّكَلُّمِ، ولَمّا تَقَدَّمَ دَعْوَةُ الرَّسُولِ إلى الإيمانِ وتَحَدّى بِالمُعْجِزِ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ، ولَجُّوا في كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ ولَمْ يَجِدْ فِيهِمْ ما جاءَ بِهِ مِنَ الهُدى، أخْبَرَ بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ راجِعٌ إلى مَشِيئَتِهِ تَعالى، وأنَّهُ هو الهادِي وهو المُفَضِّلُ، فَسَلّاهُ تَعالى بِذَلِكَ وأخْبَرَ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ لَهم والوَعِيدِ الصِّدْقِ لِحالِهِمْ وقْتَ حَشْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ومَن يَهْدِ اللَّهُ) ومَن يُوَفِّقْهُ ويَلْطُفْ بِهِ (فَهو المُهْتَدِي) لِأنَّهُ لا يَلْطُفُ إلّا بِمَن عَرَفَ أنَّ اللُّطْفَ يَنْفَعُ فِيهِ (ومَن يُضْلِلِ) ومَن يَخْذُلْ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ﴾ أنْصارًا. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ ومَن مَفْعُولٌ بِيَهْدِ وبِيُضْلِلْ، وحُمِلَ عَلى اللَّفْظِ في قَوْلِهِ: (فَهو المُهْتَدِي) فَأُفْرِدَ مُلاحَظَةً لِسَبِيلِ الهُدى وهي واحِدَةٌ فَناسَبَ التَّوْحِيدُ التَّوْحِيدَ، وحُمِلَ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ﴾ لا عَلى اللَّفْظِ مُلاحَظَةً (p-٨٢)لِسَبِيلِ الضَّلالِ؛ فَإنَّها مُتَشَعِّبَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَناسَبَ التَّشْعِيبُ والتَّعْدِيدُ الجَمْعَ، وهَذا مِنَ المَواضِعِ الَّتِي جاءَ فِيها الحَمْلُ عَلى المَعْنى ابْتِداءً مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَ الحَمْلُ عَلى اللَّفْظِ وهي قَلِيلَةٌ في القُرْآنِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (عَلى وُجُوهِهِمْ) حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨] الَّذِينَ يُحْشُرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ. وفي هَذا حَدِيثٌ «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَمْشِي الكافِرُ عَلى وجْهِهِ ؟ قالَ: (ألَيْسَ الَّذِي أمْشاهُ في الدُّنْيا عَلى رِجْلَيْنِ قادِرًا أنْ يُمْشِيَهُ في الآخِرَةِ عَلى وجْهِهِ») . قالَ قَتادَةُ: بَلى وعِزَّةِ رَبِّنا. وقِيلَ: (عَلى وُجُوهِهِمْ) مَجازٌ يُقالُ لِلْمُنْصَرِفِ عَنْ أمْرٍ خائِبًا مَهْمُومًا انْصَرَفَ عَلى وجْهِهِ، ويُقالُ لِلْبَعِيرِ: كَأنَّما يَمْشِي عَلى وجْهِهِ. وقِيلَ: هو مُجازٌ عَنْ سَحْبِهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ عَلى سُرْعَةٍ مِن قَوْلِ العَرَبِ قَدِمَ القَوْمُ عَلى وُجُوهِهِمْ إذا أسْرَعُوا.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ هو حَقِيقَةٌ وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ إلَيْهِمْ أبْصارَهم وسَمْعَهم ونُطْقَهم فَيَرَوْنَ النّارَ ويَسْمَعُونَ زَفِيرَها ويَنْطِقُونَ بِما حَكى اللَّهُ عَنْهم. وقِيلَ: هي اسْتِعاراتٌ إمّا لِأنَّهم مِنَ الحَيْرَةِ والذُّهُولِ يُشْبِهُونَ أصْحابَ هَذِهِ الصِّفاتِ، وإمّا مِن حَيْثُ لا يَرَوْنَ ما يَسُرُّهم ولا يَسْمَعُونَهُ ولا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَما كانُوا في الدُّنْيا لا يَسْتَبْصِرُونَ، ولا يَنْطِقُونَ بِالحَقِّ ويَتَصامُّونَ عَنْ سَماعِهِ فَهم في الآخِرَةِ، كَذَلِكَ لا يُبْصِرُونَ ما يَقَرُّ أعْيُنَهم ولا يَسْمَعُونَ ما يَلَذُّ أسْماعَهم، ولا يَنْطِقُونَ بِما يُقْبَلُ مِنهم، ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى. انْتَهى. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ قالا: المَعْنى ﴿عُمْيًا﴾ عَمّا يَسُرُّهم، (بُكْمًا) عَنِ التَّكَلُّمِ بِحُجَّةٍ ﴿صُمًّا﴾ [الفرقان: ٧٣] عَمّا يَنْفَعُهم. وقِيلَ: ﴿عُمْيًا﴾ عَنِ النَّظَرِ إلى ما جَعَلَ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ (بُكْمًا) عَنْ مُخاطَبَةِ اللَّهِ ﴿صُمًّا﴾ [الفرقان: ٧٣] عَمّا مَدَحَ اللَّهُ بِهِ أوْلِياءَهُ، وانْتَصَبَ ﴿عُمْيًا﴾ وما بَعْدَهُ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها (نَحْشُرُهم) . وقِيلَ: يَحْصُلُ لَهم ذَلِكَ حَقِيقَةً عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فَعَلى هَذا تَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُقارِنًا لَهم وقْتَ الحَشْرِ.

﴿كُلَّما خَبَتْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلَّما فَرَغَتْ مِن إحْراقِهِمْ فَيَسْكُنُ اللَّهِيبُ القائِمُ عَلَيْهِمْ قَدْرَ ما يُعادُونَ، ثُمَّ يَثُورُ فَتِلْكَ زِيادَةُ السَّعِيرِ، فالزِّيادَةُ في حَيِّزِهِمْ، وأمّا جَهَنَّمُ فَعَلى حالِها مِنَ الشِّدَّةِ لا يُصِيبُها فُتُورٌ، فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿خَبَتْ﴾ مَجازًا عَنْ سُكُونِ لَهَبِها مِقْدارَ ما تَكُونُ إعادَتُهم، كَأنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِالإعادَةِ بَعْدَ الإفْناءِ جَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهم أنْ سَلَّطَ النّارَ عَلى أجْزائِهِمْ تَأْكُلُها وتُفْنِيها ثُمَّ يُعِيدُها، لا يَزالُونَ عَلى الإفْناءِ والإعادَةِ لِيَزِيدَ ذَلِكَ في تَحْسِيرِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ؛ ولِأنَّهُ أدْخَلُ في الِانْتِقامِ مِنَ الجاحِدِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (ذَلِكَ جَزاؤُهم) والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن حَشْرِهِمْ عَلى تِلْكَ الحالِ، وصَيْرُورَتِهِمْ إلى جَهَنَّمَ والعَذابِ فِيها، والآياتُ تَعُمُّ القُرْآنَ، والحُجَجَ الَّتِي جاءَ بِها الرَّسُولُ ﷺ ونَصَّ عَلى إنْكارِ البَعْثِ إذْ هو طَعْنٌ في القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ، وهَذا مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى مُنْشِئُ العالَمِ ومُخْتَرِعُهُ، ثُمَّ إنَّهم يُنْكِرُونَ الإعادَةَ، فَصارَ ذَلِكَ تَعْجِيزًا لِقُدْرَتِهِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، ولَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ نَبَّهَهم تَعالى عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ حِكْمَتِهِ، فَقالَ: (أوَلَمْ يَرَوْا) وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ لَهم عَلى ما كانُوا يَسْتَبْعِدُونَهُ مِنَ الإعادَةِ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَدْ رَأوْا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى خَلْقِ هَذِهِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ الَّتِي بَعْضُ ما تَحْوِيهِ البَشَرُ، فَكَيْفَ يُقِرُّونَ بِخَلْقِ هَذا المَخْلُوقِ العَظِيمِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَ إعادَةَ بَعْضٍ مِمّا خَلَقَ، وذَلِكَ مِمّا لا يُحِيلُهُ العَقْلُ بَلْ هو مِمّا يُجَوِّزُهُ، ثُمَّ أخْبَرَ الصّادِقُ بِوُقُوعِهِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ، والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ وهي العِلْمُ، ومَعْنى (مِثْلُهم) مِنَ الإنْسِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا أشَدَّ خَلْقًا مِنهُنَّ، كَما قالَ: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] وإذا كانَ قادِرًا عَلى إنْشاءِ أمْثالِهِمْ مِنَ الإنْسِ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهم، كَما قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧] وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ، وعَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلَ لَهُمْ﴾ عَلى قَوْلِهِ: (أوَلَمْ يَرَوْا) لِأنَّهُ اسْتِفْهامٌ تَضَمَّنَ التَّقْرِيرَ (p-٨٣)والمَعْنى قَدْ عَلِمُوا بِدَلِيلِ العَقْلِ كَيْتَ وكَيْتَ ﴿وجَعَلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِلْعالَمِينَ ذَلِكَ ﴿أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهو المَوْتُ أوِ القِيامَةُ، ولَيْسَ هَذا الجَعْلُ واحِدًا في الِاسْتِفْهامِ المُتَضَمِّنِ التَّقْرِيرَ، أوْ إنْ كانَ الأجَلُ القِيامَةَ لِأنَّهم مُنْكِرُوها، وإذا كانَ الأجَلُ المَوْتَ فَهو اسْمُ جِنْسٍ واقِعُ مَوْقِعَ آجالٍ: ﴿فَأبى الظّالِمُونَ﴾ وهُمُ الواضِعُونَ الشَّيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِداءِ (إلّا كُفُورًا) حُجُودًا لِما أتى بِهِ الصّادِقُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ، وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وبَعْثِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ.

17:100–104Страница 292

قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا ١٠٠

Скажи: «Если бы вы владели сокровищницами милости моего Господа, то все равно скупились бы из страха обеднеть, ибо человек скуп».

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ١٠١

Мы даровали Мусе (Моисею) девять ясных знамений. Спроси сынов Исраила (Израиля) о том, как Муса (Моисей) пришел к ним, и Фараон сказал ему: «О Муса (Моисей)! Воистину, я полагаю, что ты околдован».

قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢

Муса (Моисей) сказал: «Ты уже знаешь, что не кто иной, а только Господь небес и земли ниспослал их в качестве наглядных знамений. О Фараон! Я полагаю, что тебя постигнет погибель».

فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣

Фараону хотелось вытеснить их с земли, но Мы потопили его и всех, кто был с ним.

وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤

После этого Мы сказали сынам Исраила (Израиля): «Живите на этой земле. А когда исполнится последнее обещание, Мы соберем вас всех вместе».

﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ .

مُناسَبَةُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ﴾ الآيَةَ، أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا. فَطَلَبُوا إجْراءَ الأنْهارِ والعُيُونِ في بَلَدِهِمْ؛ لِتَكْثُرَ أقْواتُهم وتَتَّسِعَ عَلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم لَوْ مَلَكُوا خَزائِنَ رَحْمَةِ اللَّهِ لَبَقَوْا عَلى بُخْلِهِمْ وشُحِّهِمْ، ولَما قَدِمُوا عَلى إيصالِ النَّفْعِ لِأحَدٍ، وعَلى هَذا فَلا فائِدَةَ في إسْعافِهِمْ بِما طَلَبُوا هَذا ما قِيلَ في ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ، وقالَهُ العَسْكَرِيُّ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المُناسِبَ هو أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ مَنَحَهُ اللَّهُ ما لَمْ يَمْنَحْهُ لِأحَدٍ مِنَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ إلى الإنْسِ والجِنِّ، فَهو أحْرَصُ النّاسِ عَلى إيصالِ الخَيْرِ وإنْقاذِهِمْ مِنَ الضَّلالِ يُثابِرُ عَلى ذَلِكَ، ويُخاطِرُ بِنَفْسِهِ في دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ، ويَعْرِضُ ذَلِكَ عَلى القَبائِلِ وأحْياءِ العَرَبِ سَمْحًا بِذَلِكَ لا يَطْلُبُ مِنهم أجْرًا، وهَؤُلاءِ أقْرِباؤُهُ لا يَكادُ يُجِيبُ مِنهم أحَدٌ إلّا (p-٨٤)الواحِدَ بَعْدَ الواحِدِ قَدْ لَجُّوا في عِنادِهِ وبَغْضائِهِ، فَلا يَصِلُ مِنهم إلَيْهِ إلّا الأذى، فَنَبَّهَ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى سَماحَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَذْلِهِ ما آتاهُ اللَّهُ، وعَلى امْتِناعِ هَؤُلاءِ أنْ يَصِلَ مِنهم شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ إلَيْهِ فَقالَ: لَوْ مَلَكُوا التَّصَرُّفَ في (خَزائِنَ رَحْمَةِ) اللَّهِ الَّتِي هي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ كانُوا أبْخَلَ مِن كُلِّ أحَدٍ بِما أُوتُوهُ مِن ذَلِكَ، بِحَيْثُ لا يَصِلُ مِنهم لِأحَدٍ شَيْءٌ مِنَ النَّفْعِ؛ إذْ طَبِيعَتُهُمُ الإقْتارُ وهو الإمْساكُ عَنِ التَّوَسُّعِ في النَّفَقَةِ، هَذا مَعَ ما أُوتُوهُ مِنَ الخَزائِنِ، فَهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ مُبَيِّنَةً تُبَيِّنُ ما بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حِرْصِهِ عَلى نَفْعِهِمْ وعَدَمِ إيصالِ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ مِنهم إلَيْهِ، والمُسْتَقْرَأُ في (لَوْ) الَّتِي هي حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ أنْ يَلِيَها الفِعْلُ إمّا ماضِيًا وإمّا مُضارِعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥] أوْ مَنفِيًّا بِلَمْ أوْ إنْ وهُنا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ ولِيَها الِاسْمُ فاخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِهِ، فَذَهَبَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ وغَيْرُهم إلى أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الفِعْلُ بَعْدَهُ، ولَمّا حُذِفَ ذَلِكَ الفِعْلُ وهو تَمْلِكُ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ وهو الفاعِلُ بِتَمْلِكُ كَقَوْلِهِ:

وإنْ هو لَمْ يَحْمِلْ عَلى النَّفْسِ ضَيْمَها. التَّقْدِيرُ وإنْ لَمْ يَحْمِلْ فَحُذِفَ لَمْ يَحْمِلْ وانْفَصَلَ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في يَحْمِلُ فَصارَ هو، وهُنا انْفَصَلَ الضَّمِيرُ المُتَّصِلُ البارِزُ وهو الواوُ، فَصارَ (أنْتُمْ) وهَذا التَّخْرِيجُ بِناءً عَلى أنَّ (لَوْ) يَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا ومُضْمَرًا في فَصِيحِ الكَلامِ، وهَذا لَيْسَ بِمَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ.

قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ عُصْفُورٍ: لا تَلِي (لَوْ) إلّا الفِعْلَ ظاهِرًا ولا يَلِيها مُضْمَرًا إلّا في ضَرُورَةٍ أوْ نادِرِ كَلامٍ مِثْلَ: ما جاءَ في المَثَلِ مِن قَوْلِهِمْ:

لَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي

وقالَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ الصّائِغِ: البَصْرِيُّونَ يُصَرِّحُونَ بِامْتِناعِ لَوْ زَيْدٌ قامَ لَأكْرَمْتُهُ عَلى الفَصِيحِ، ويُجِيزُونَهُ شاذًّا كَقَوْلِهِمْ:

؎لَوْ ذاتُ سُوارٍ لَطَمَتْنِي

وهُوَ عِنْدُهم عَلى فِعْلٍ مُضْمَرٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] فَهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ. انْتَهى. وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ فَضالٍ المُجاشَعِيُّ عَلى إضْمارِ كانَ، والتَّقْدِيرُ (قُلْ لَوْ) كُنْتُمْ (أنْتُمْ) تَمْلِكُونَ فَظاهَرُ هَذا التَّخْرِيجِ أنَّهُ حُذِفَ كُنْتُمْ بِرُمَّتِهِ وبَقِيَ (أنْتُمْ) تَوْكِيدًا لِذَلِكَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ مَعَ الفِعْلِ، وذَهَبَ شَيْخُنا الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الصّائِغُ إلى حَذْفِ كانَ فانْفَصَلَ اسْمُها الَّذِي كانَ مُتَّصِلًا بِها، والتَّقْدِيرُ (قُلْ لَوْ) كُنْتُمْ (تَمْلِكُونَ) فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ انْفَصَلَ المَرْفُوعُ، وهَذا التَّخْرِيجُ أحْسَنُ؛ لِأنَّ حَذْفَ كانَ بَعْدَ (لَوْ) مَعْهُودٌ في لِسانِ العَرَبِ، والرَّحْمَةُ هُنا الرِّزْقُ وسائِرُ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ.

والكَلامُ عَلى ﴿إذًا لَأمْسَكْتُمْ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ﴾ [الإسراء: ٧٥] و(خَشْيَةَ) مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والظّاهِرُ أنَّ ﴿الإنْفاقِ﴾ عَلى مَشْهُورِ مَدْلُولِهِ فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ خَشْيَةَ عاقِبَةِ الإنْفاقِ وهو النَّفادُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أنْفَقَ وأمْلَقَ وأعْدَمَ وأصْرَمَ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَيَكُونُ المَعْنى خَشْيَةَ الِافْتِقارِ. والقَتُورُ المُمْسِكُ البَخِيلُ (الإنْسانُ) هُنا لِلْجِنْسِ.

ولَمّا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قُرَيْشٍ ما حَكى مِن تَعَنُّتِهِمْ في اقْتِراحِهِمْ وعِنادِهِمْ لِلرَّسُولِ ﷺ سَلّاهُ تَعالى بِما جَرى لِمُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ ومَعَ قَوْمِهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] إذْ قالَتْ قُرَيْشٌ: (p-٨٥)﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾ [الإسراء: ٩٢] وقالَتْ: ﴿أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] وسَكَّنَ قَلَبَهُ ونَبَّهَ عَلى أنَّ عاقِبَتَهم لِلدَّمارِ والهَلاكِ كَما جَرى لِ فِرْعَوْنَ إذْ أهْلَكَهُ اللَّهُ ومَن مَعَهُ. و(تِسْعَ آياتٍ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ: هي اليَدُ البَيْضاءُ، والعَصا، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ هَذِهِ سَبْعٌ بِاتِّفاقٍ، وأمّا الثِّنْتانِ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِسانُهُ كانَ بِهِ عُقْدَةٌ فَحَلَّها اللَّهُ، والبَحْرُ الَّذِي فُلِقَ لَهُ، وعَنْهُ أيْضًا البَحْرُ والجَبَلُ الَّذِي نُتِقَ عَلَيْهِمْ، وعَنْهُ أيْضًا السُّنُونَ ونَقْصٌ مِنَ الثَّمَراتِ، وقالَهُ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ. وقالَ الحَسَنُ: السُّنُونَ ونَقْصُ الثَّمَراتِ آيَةٌ واحِدَةٌ، وعَنِ الحَسَنِ ووَهْبٍ: البَحْرُ والمَوْتُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ. وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: الحَجَرُ والبَحْرُ، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: البَحْرُ والسُّنُونَ. وقِيلَ: (تِسْعَ آياتٍ) هي مِنَ الكِتابِ، وذَلِكَ أنْ يَهُودِيًّا قالَ لِصاحِبِهِ: تَعالَ حَتّى نَسْألَ هَذا النَّبِيَّ فَقالَ الآخَرُ: لا تَقُلْ إنَّهُ نَبِيٌّ؛ فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَ كَلامَكَ صارَتْ لَهُ أرْبَعَةُ أعْيُنٍ، فَأتَياهُ وسَألاهُ عَنْ ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فَقالَ: لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلى سُلْطانٍ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَسْخَرُوا، ولا تَقْذِفُوا المُحْصَناتِ، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةَ يَهُودُ أنْ لا تَعْتَدُوا في السَّبْتِ، قالَ: فَقَبَّلا يَدَهُ وقالا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ فَقالَ: ما مَنَعَكُما أنْ تُسْلِما ؟ قالا: إنَّ داوُدَ دَعا اللَّهَ أنْ لا يَزالَ في ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وإنّا نَخافُ إنْ أسْلَمْنا تَقْتُلُنا اليَهُودُ. قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَسَلْ (بَنِي إسْرائِيلَ) وبَنُو إسْرائِيلَ مُعاصِرُوهُ، وفَسَلْ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ: فَقُلْنا سَلْ، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَسْألَهم عَمّا أعْلَمَهُ بِهِ مِن غَيْبِ القِصَّةِ، ثُمَّ قالَ: (إذْ جاءَهم) يُرِيدُ آباءَهم وأدْخَلَهم في الضَّمِيرِ إذْ هم مِنهم. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَلْهم عَنْ إيمانِهِمْ وعَنْ حالِ دِينِهِمْ، أوْ سَلْهم أنْ يُعاضِدُوكَ وتَكُونَ قُلُوبُهم وأيْدِيهِمْ مَعَكَ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ (بَنِي إسْرائِيلَ) عَلى لَفْظِ الماضِي بِغَيْرِ هَمْزٍ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ. وقِيلَ: فَسَلْ يا رَسُولَ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ عَنِ الآياتِ لِتَزْدادَ يَقِينًا وطُمَأْنِينَةَ قَلْبٍ؛ لِأنَّ الدَّلالَةَ إذا تَظافَرَتْ كانَ ذَلِكَ أقْوى وأثْبَتَ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . انْتَهى. وهَذا القَوْلُ هو الأوَّلُ وهو ما أعْلَمَهُ بِهِ مِن غَيْبِ القِصَّةِ، ولَمّا كانَ مُتَعَلِّقُ السُّؤالِ مَحْذُوفًا احْتَمَلَ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ، والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ بِالسُّؤالِ لِبَنِي إسْرائِيلَ هو حَقِيقَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما مَعْناهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عِبارَةً عَنْ تَطَلُّبِ أخْبارِهِمْ والنَّظَرِ في أحْوالِهِمْ وما في كُتُبِهِمْ نَحْوُ قَوْلِهِ: (وسَلْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا) جُعِلَ النَّظَرُ والتَّطَلُّبُ مُعَبَّرًا عَنْهُ بِالسُّؤالِ، ولِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ: سُؤالُكَ إيّاهم نَظَرُكَ في القُرْآنِ، والظّاهِرُ أنَّ (إذْ) مَعْمُولَةٌ لَآتَيْنا أيْ آتَيْنا حِينَ جاءَ أتاهم.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّقَ (إذْ جاءَهم) قُلْتُ: أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَبِالقَوْلِ المَحْذُوفِ أيْ: فَقُلْنا لَهُ: سَلْهم حِينَ جاءَهم، وإمّا عَلى الآخَرِ فَبِآتَيْنا أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ أوْ يُخْبِرُونَكَ. انْتَهى. ولا يَتَأتّى تَعَلُّقُهُ بِاذْكُرْ ولا بِيُخْبِرُونَكَ؛ لِأنَّهُ ظَرْفٌ ماضٍ. وقِراءَةُ فَسَألَ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَلامٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ فَسَألَ مُوسى فِرْعَوْنَ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ: طَلَبَهم؛ لِيُنْجِيَهم مِنَ العَذابِ. انْتَهى. وعَلى قِراءَةِ فَسَلْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَقُلْنا لَهُ: سَلْ (بَنِي إسْرائِيلَ) أيْ: سَلْ فِرْعَوْنَ إطْلاقَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: فَسَلْ (بَنِي إسْرائِيلَ) اعْتِراضٌ في الكَلامِ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ إذْ جاءَ (بَنِي إسْرائِيلَ) فَسَلْهم ولَيْسَ المَطْلُوبُ مِن سُؤالِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسْتَفِيدَ هَذا العِلْمَ مِنهم، بَلِ المَقْصُودُ أنْ يَظْهَرَ لِعامَّةِ اليَهُودِ صِدْقُ ما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَكُونُ هَذا السُّؤالُ سُؤالَ اسْتِشْهادٍ. انْتَهى. وعَلى قِراءَةِ فَسَألَ ماضِيًا وقَدَّرَهُ فَسَألَ فِرْعَوْنُ (بَنِي إسْرائِيلَ) يَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لَسَألَ مَحْذُوفًا، والثّانِي هو (بَنِي إسْرائِيلَ) وجازَ أنْ يَكُونَ مِنَ الأعْمالِ؛ لِأنَّهُ تَوارَدَ عَلى فِرْعَوْنَ سَألَ وفَقالَ (p-٨٦)فَأُعْمِلَ الثّانِي عَلى ما هو أرْجَحُ.

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (مَسْحُورًا) اسْمُ مَفْعُولٍ أيْ: قَدْ سَحَرْتَ بِكَلامِكَ هَذا مُخْتَلٌّ، وما يَأْتِي بِهِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ وهَذا خِطابٌ بِنَقِيضٍ. وقالَ الفَرّاءُ والطَّبَرِيُّ: مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ أيْ: ساحِرًا، فَهَذِهِ العَجائِبُ الَّتِي يَأْتِي بِها مِن أمْرِ السِّحْرِ، وقالُوا: مَفْعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مَشْئُومٌ ومَيْمُونٌ وإنَّما هو شائِمٌ ويامِنٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَقَدْ عَلِمْتَ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى خِطابِ مُوسى لِفِرْعَوْنَ، وتَبْكِيتُهُ في قَوْلِهِ عَنْهُ أنَّهُ مَسْحُورٌ أيْ: لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ما جِئْتَ بِهِ لَيْسَ مِن بابِ السِّحْرِ، ولا أنِّي خُدِعْتُ في عَقْلِي، بَلْ عَلِمْتَ أنَّهُ ما أنْزَلَها إلّا اللَّهُ، وما أحْسَنَ ما جاءَ بِهِ مِن إسْنادِ إنْزالِها إلى لَفْظِ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إذْ هو لَمّا سَألَهُ فِرْعَوْنُ في أوَّلِ مُحاوَرَتِهِ، فَقالَ لَهُ: وما رَبُّ العالَمِينَ قالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُنَبِّهُهُ عَلى نَقْصِهِ وأنَّهُ لا تَصَرُّفَ لَهُ في الوُجُودِ فَدَعْواهُ الرُّبُوبِيَّةَ دَعْوى اسْتِحالَةٍ، فَبَكَّتَهُ وأعْلَمَهُ أنَّهُ يَعْلَمُ آياتِ اللَّهِ ومَن أنْزَلَها ولَكِنَّهُ مُكابِرٌ مُعانِدٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وخاطَبَهُ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ أيْ: أنْتَ بِحالِ مَن يَعْلَمُ هَذا، وهي مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ تَعْلَمُها ولَيْسَ خِطابُهُ عَلى جِهَةِ إخْبارِهِ عَنْ عِلْمِهِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والكِسائِيُّ (عَلِمْتُ) بِضَمِّ التّاءِ أخْبَرَ مُوسى عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِمَسْحُورٍ كَما وصَفَهُ فِرْعَوْنُ، بَلْ هو يَعْلَمُ أنَّ ﴿ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ الآياتِ إلّا اللَّهُ.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: ما عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ قَطُّ وإنَّما عَلِمَ مُوسى، وهَذا القَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّهُ رَواهُ كُلْثُومٌ المُرادِيُّ وهو مَجْهُولٌ، وكَيْفَ يَصِحُّ هَذا القَوْلُ وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالفَتْحِ عَلى خِطابِ فِرْعَوْنَ.

و(ما أنْزَلَ) جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عُلِّقَ عَنْها (عَلِمْتَ) ومَعْنى (بَصائِرَ) دَلالاتٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى الآياتِ التِّسْعِ. وانْتَصَبَ (بَصائِرَ) عَلى الحالِ في قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ والحَوْفِيِّ وأبِي البَقاءِ، وقالا: حالٌ مِن (هَؤُلاءِ) وهَذا لا يَصِحُّ إلّا عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ؛ لِأنَّهُما يُجِيزانِ ما ضَرَبَ هِنْدًا هَذا إلّا زَيْدٌ ضاحِكَةً. ومَذْهَبُ الجُمْهُورِ: أنَّهُ لا يَجُوزُ فَإنْ ورَدَ ما ظاهِرُهُ ذَلِكَ أُوِّلَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، التَّقْدِيرُ ضَرَبَها ضاحِكَةً، وكَذَلِكَ يُقَدِّرُونَ هُنا أنْزَلَها (بَصائِرَ) وعِنْدَ هَؤُلاءِ لا يَعْمَلُ ما قَبْلَ إلّا فِيما بَعْدَها، إلّا أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ تابِعًا لَهُ.

وقابَلَ مُوسى ظَنَّهُ بِظَنِّ فِرْعَوْنَ فَقالَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ وشَتّانَ ما بَيْنَ الظَّنَّيْنِ ظَنُّ فِرْعَوْنَ ظَنٌّ باطِلٌ، وظَنُّ مُوسى ظَنُّ صِدْقٍ، ولِذَلِكَ آلَ أمْرُ فِرْعَوْنَ إلى الهَلاكِ كانَ أوَّلًا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَوَقَّعُ مِن فِرْعَوْنَ أذًى، كَما قالَ: (إنّا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى) فَأُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا، فَلَمّا قالَ لَهُ اللَّهُ: لا تَخَفْ وثِقَ بِحِمايَةِ اللَّهِ، فَصالَ عَلى فِرْعَوْنَ صَوْلَةَ المَحْمِيِّ، وقابَلَهُ مِنَ الكَلامِ بِما لَمْ يَكُنْ لِيُقابِلَهُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. ومَثْبُورٌ مُهْلَكٌ في قَوْلِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ، ومَلْعُونٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وناقِصُ العَقْلِ فِيما رَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ، ومَسْحُورٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ قالَ: رَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ما قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظِ، وعَنِ الفَرّاءِ مَثْبُورٌ مَصْرُوفٌ عَنِ الخَيْرِ مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا ؟ أيْ: ما مَنَعَكَ وصَرَفَكَ. وقَرَأ أُبَيٌّ وإنْ أخالُكَ يا فِرْعَوْنُ لَمَثْبُورًا وهي إنِ الخَفِيفَةُ، واللّامُ الفارِقَةُ، واسْتِفْزازُهُ إيّاهم هو اسْتِخْفافُهُ لِمُوسى ولِقَوْمِهِ بِأنْ يَقْلَعَهم مِن أرْضِ مِصْرَ بِقَتْلٍ أوْ جَلاءٍ، فَحاقَ بِهِ مَكْرُهُ وأغْرَقَهُ اللَّهُ وقِبْطَهُ أرادَ أنْ تَخْلُوَ أرْضُ مِصْرَ مِنهم فَأخْلاها اللَّهُ مِنهُ. ومِن قَوْمِهِ والضَّمِيرُ في (مِن بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ أيْ: مِن بَعْدِ إغْراقِهِ، و(الأرْضَ) المَأْمُورَ بِسُكْناها أرْضَ الشّامِ، والظّاهِرُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِذَلِكَ حَقِيقَةً عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ووَعْدُ الآخِرَةِ قِيامُ السّاعَةِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English