Абу ХайянАль‑Кахф · 18:24–31

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль-Кахф 18:24–31, продолжение

ولَمّا أنْزَلَ عَلَيْهِ ما أنْزَلَ مِن قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ أمَرَهُ بِأنْ يَقُصَّ، ويَتْلُوَ عَلى مُعاصِرِيهِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ تَعالى مِن كِتابِهِ في قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ وفي غَيْرِهِمْ، وأنَّ ما أوْحاهُ إلَيْهِ (لا مُبَدِّلَ) لَهُ و(لا مُبَدِّلَ) عامٌّ و(لِكَلِماتِهِ) عامٌّ أيْضًا، فالتَّخْصِيصُ إمّا في (لا مُبَدِّلَ) أيْ: لا مُبَدِّلَ لَهُ سِواهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] وإمّا في كَلِماتِهِ أيْ لِكَلِماتِهِ المُتَضَمِّنَةِ الخَبَرَ؛ لِأنَّ ما تَضَمَّنَ غَيْرَ الخَبَرِ وقَعَ النَّسْخُ في بَعْضِهِ، وفي أمْرِهِ تَعالى أنْ يَتْلُوَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وإخْبارِهِ أنَّهُ لا مُبَدِّلَ (لِكَلِماتِهِ) إشارَةٌ إلى تَبْدِيلِ المُتَنازِعِينَ في أهْلِ الكَهْفِ، وتَحْرِيفِ (p-١١٨)أخْبارِهِمْ والمُلْتَحَدُ المُلْتَجَأُ الَّذِي تَمِيلُ إلَيْهِ وتَعْدِلُ.

18:28–29Страница 297

وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨

Будь же терпелив вместе с теми, которые взывают к своему Господу по утрам и перед закатом и стремятся к Его Лику. Не отвращай от них своего взора, желая украшений этого мира, и не повинуйся тем, чьи сердца Мы сделали небрежными к Нашему поминанию, кто потакает своим желаниям и чьи дела окажутся тщетными.

وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩

Скажи: «Истина - от вашего Господа. Кто хочет, пусть верует, а кто не хочет, пусть не верует». Мы приготовили для беззаконников Огонь, стены которого будут окружать их со всех сторон. Если они станут просить о помощи (или дожде), то им помогут водой, подобной расплавленному металлу (или осадку масла), которая обжигает лицо. Мерзкий напиток и скверная обитель!

﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .

قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: لَوْ أبْعَدْتَ هَؤُلاءِ عَنْ نَفْسِكَ لَجالَسْناكَ وصَحَبْناكَ، يَعْنُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وسَلْمانَ وابْنَ مَسْعُودٍ وبِلالًا ونَحْوَهم مِنَ الفُقَراءِ، وقالُوا: إنَّ رِيحَ جِيابِهِمْ تُؤْذِينا، فَنَزَلَتْ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ الآيَةَ. وعَنْ سَلْمانَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ والأقْرَعُ وذَوُوهم مِنَ المُؤَلَّفَةِ فَنَزَلَتْ، فالآيَةُ عَلى هَذا مَدَنِيَّةٌ والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وفَعَلَ المُؤَلَّفَةُ فِعْلَ قُرَيْشٍ فَرَدَّ بِالآيَةِ عَلَيْهِمْ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أيِ: احْبِسْها وثَبِّتْها. قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:

؎فَصَبَرَتْ عارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ

وفِي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ صَبْرِ الحَيَوانِ، أيْ: حَبْسُهُ لِلرَّمْيِ، و(مَعَ) تَقْتَضِي الصُّحْبَةَ والمُوافَقَةَ والأمْرُ بِالصَّبْرِ هُنا يَظْهَرُ مِنهُ كَبِيرُ اعْتِناءٍ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَهم، وهي أبْلَغُ مِنَ الَّتِي في الأنْعامِ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ: ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وقالَ قَتادَةُ: إلى صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ العَصْرِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ العُمُومُ أيْ يَدْعُونَ رَبَّهم (p-١١٩)دائِمًا، ويَكُونُ مِثْلَ: ضُرِبَ زِيدٌ الظَّهْرُ والبَطْنُ يُرِيدُ جَمِيعَ بَدَنِهِ لا خُصُوصَ المَدْلُولِ بِالوَضْعِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ قِراءَةً وإعْرابًا في الأنْعامِ.

﴿ولا تَعْدُ﴾ أيْ: لا تَصْرِفْ ﴿عَيْناكَ﴾ النَّظَرَ عَنْهم إلى أبْناءِ الدُّنْيا، وعَدا مُتَعَدٍّ تَقُولُ: عَدا فُلانٌ طَوْرَهُ وجاءَ القَوْمُ عَدا زَيْدًا، فَلِذَلِكَ قَدَّرْنا المَفْعُولَ مَحْذُوفًا لِيَبْقى الفِعْلُ عَلى أصْلِهِ مِنَ التَّعْدِيَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما عُدِّيَ بِعْنَ لِتَضْمِينِ عَدا مَعْنى نَبا وعَلا في قَوْلِكَ: نَبَتْ عَنْهُ عَيْنُهُ، وعَلَتْ عَنْهُ عَيْنُهُ إذا اقْتَحَمْتَهُ ولَمْ تَعْلَقْ بِهِ. فَإنْ قُلْتَ: أيُّ غَرَضٍ في هَذا التَّضْمِينِ ؟ وهَلّا قِيلَ ولا تَعْدُهم عَيْناكَ أوْ ﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ . قُلْتُ: الغَرَضُ فِيهِ إعْطاءُ مَجْمُوعِ مَعْنَيَيْنِ، وذَلِكَ أقْوى مِن إعْطاءِ مَعْنًى فَذٍّ، ألا تَرى كَيْفَ رَجَعَ المَعْنى إلى قَوْلِكَ ولا تَقْتَحِمُهم عَيْناكَ مُجاوَزِينَ إلى غَيْرِهِمْ، ونَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ: ولا تَضُمُّوها إلَيْها آكِلِينَ لَها. انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِنَ التَّضْمِينِ لا يَنْقاسُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وإنَّما يَذْهَبُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أمّا إذا أمْكَنَ إجْراءُ اللَّفْظِ عَلى مَدْلُولِهِ الوَضْعِيِّ فَإنَّهُ يَكُونُ أوْلى. وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿ولا تُعْدِ﴾ مِن أعْدى، وعَنْهُ أيْضًا، وعَنْ عِيسى والأعْمَشِ ﴿ولا تَعْدُ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نَقْلًا بِالهَمْزَةِ وبِنَقْلِ الحَشْوِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎فَعُدْ عَمّا تَرى إذْ لا ارْتِجاعَ لَهُ

لِأنَّ مَعْناهُ فَعُدْ هَمَّكَ عَمّا تَرى. انْتَهى. وكَذا قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ، قالَ: وهَذا مِمّا عَدَّيْتُهُ بِالتَّضْعِيفِ كَما كانَ في الأُولى بِالهَمْزِ، وما ذَهَبا إلَيْهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلِ الهَمْزَةُ والتَّكْثِيرُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لَيْسا لِلتَّعْدِيَةِ، وإنَّما ذَلِكَ لِمُوافَقَةِ أفْعَلَ وفُعِلَ لِلْفِعْلِ المُجَرَّدِ، وإنَّما قُلْنا ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مُجَرَّدًا مُتَعَدٍّ، وقَدْ أقَرَّ بِذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَإنَّهُ قالَ: يُقالُ عَداهُ إذا جاوَزَهُ، ثُمَّ قالَ: وإنَّما عُدِّيَ بِعْنَ لِلتَّضْمِينِ والمُسْتَعْمَلُ في التَّضْمِينِ هو مَجازٌ، ولا يَتَّسِعُونَ فِيهِ إذا ضَمَّنُوهُ فَيُعَدُّونَهُ بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ، ولَوْ عُدِّيَ بِهِما وهو مُتَعَدٍّ لَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ وهو في هَذِهِ القِراءَةِ ناصِبٌ مَفْعُولًا واحِدًا، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّى بِهِما.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. انْتَهى. وقالَ صاحِبُ الحالِ: إنْ قُدِّرَ ﴿عَيْناكَ﴾ فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ تُرِيدانِ، وإنْ قُدِّرَ الكافُ فَمَجِيءُ الحالِ مِنَ المَجْرُورِ بِالإضافَةِ مِثْلُ هَذا فِيها إشْكالٌ؛ لِاخْتِلافِ العامِلِ في الحالِ وذِي الحالِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُهم إذا كانَ المُضافُ جُزْءً أوْ كالجُزْءِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ هُنا أنَّ المَقْصُودَ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ الإعْراضِ عَنْهم والمَيْلِ إلى غَيْرِهِمْ، وإنَّما جِيءَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْناكَ﴾ والمَقْصُودُ هو؛ لِأنَّهُما بِهِما تَكُونُ المُراعاةُ لِلشَّخْصِ والتَّلَفُّتُ لَهُ، والمَعْنى ﴿ولا تَعْدُ﴾ أنْتَ (عَنْهُمُ) النَّظَرَ إلى غَيْرِهِمْ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ مَن جَعَلْنا قَلْبَهُ غافِلًا عَنِ الذِّكْرِ بِالخِذْلانِ أوْ وجَدْناهُ غافِلًا عَنْهُ، كَقَوْلِكَ: أجْبَنْتُهُ وأفْحَمْتُهُ وأبْخَلْتُهُ إذا وجَدْتُهُ كَذَلِكَ، أوْ مِن أغْفَلَ إبِلَهُ إذا تَرَكَها بِغَيْرِ سِمَةٍ أيْ: لَمْ نَسِمْهُ بِالذِّكْرِ، ولَمْ نَجْعَلْهم مِنَ الَّذِينَ كَتَبْنا في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ، وقَدْ أبْطَلَ اللَّهُ تَوَهُّمَ المُجْبِرَةِ (p-١٢٠)بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ . انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، والتَّأْوِيلُ الآخَرُ تَأْوِيلُ الرُّمّانِيِّ وكانَ مُعْتَزِلِيًّا قالَ: لَمْ نَسِمْهُ بِما نَسِمُ بِهِ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ بِما يُبَيَّنُ بِهِ فَلاحُهم كَما قالَ: كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ مِن قَوْلِهِمْ بِعِيرٌ غُفْلٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سِمَةٌ، وكِتابٌ غُفْلٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعْجامٌ، وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أغْفَلَهُ حَقِيقَةً وهو خالِقُ الضَّلالِ فِيهِ والغَفْلَةِ. وقالَ المُفَضَّلُ: أخْلَيْناهُ عَنِ الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: شَغَلْنا قَلْبَهُ بِالكُفْرِ وغَلَبَةِ الشَّقاءِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بـِ ﴿مَن أغْفَلْنا﴾ كُفّارُ قُرَيْشٍ. وقِيلَ: عُيَيْنَةُ والأقْرَعُ، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فائِدٍ ومُوسى الأسْوارِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ﴿أغْفَلَنا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ (قَلْبُهُ) بِضَمِّ الباءِ أسْنَدَ الأفْعالَ إلى القَلْبِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: مَن ظَنَنّا غافِلِينَ عَنْهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَسِبْنا قَلْبَهُ غافِلِينَ مِن أغْفَلْتُهُ إذا وجَدْتُهُ غافِلًا. انْتَهى.

﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ في طَلَبِ الشَّهَواتِ ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ . قالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: ضَياعًا، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: سَرَفًا، وقالَ الفَرّاءُ: مَتْرُوكًا، وقالَ الأخْفَشُ: مُجاوِزًا لِلْحَدِّ، قِيلَ: وهو قَوْلُ عُتْبَةَ إنْ أسْلَمْنا أسْلَمَ النّاسُ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: الفَرَطُ العاجِلُ السَّرِيعُ، كَما قالَ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] . وقِيلَ: نَدَمًا، وقِيلَ: باطِلًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُخالِفًا لِلْحَقِّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الفَرَطُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّفْرِيطِ والتَّضْيِيعِ، أيْ: أمْرُهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يَلْزَمَ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الإفْراطِ والإسْرافِ أيْ أمْرُهُ وهَواهُ الَّذِي هو بِسَبِيلِهِ. انْتَهى.

و(الحَقُّ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا (الحَقُّ) أيْ: هَذا القُرْآنُ أوْ هَذا الإعْراضُ عَنْكم وتَرْكُ الطّاعَةِ لَكم وصَبْرُ النَّفْسِ مَعَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الحَقُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى جاءَ الحَقُّ وزاحَتِ العِلَلُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا اخْتِيارُكم لِأنْفُسِكم ما شِئْتُمْ مِنَ الأخْذِ في طَرِيقِ النَّجاةِ أوْ في طَرِيقِ الهَلاكِ، وجِيءَ بِلَفْظِ الأمْرِ والتَّخْيِيرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا مُكِّنَ مِنَ اخْتِيارِ أيِّهِما شاءَ، فَكَأنَّهُ مُخَيَّرٌ مَأْمُورٌ بِأنْ يَتَخَيَّرَ ما شاءَ مِنَ النَّجْدَيْنِ. انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرَهُ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ . قالَ الضَّحّاكُ: هو التَّوْحِيدُ، وقالَ مُقاتِلٌ: هو القُرْآنُ، وقالَ مَكِّيٌّ: أيِ الهُدى والتَّوْفِيقُ والخِذْلانُ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَهْدِي مَن يَشاءُ فَيُوَفِّقُهُ فَيُؤْمِنُ، ويَضِلُّ مَن يَشاءُ فَيَخْذُلُهُ فَيَكْفُرُ لَيْسَ إلَيَّ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ. وقالَ الكَرْمانِيُّ: أيِ: الإسْلامُ والقُرْآنُ، وهَذا الَّذِي لَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ مَعْناهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ﴾ قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِشاءَ عائِدٌ عَلى (مَن) .

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَن شاءَ اللَّهُ لَهُ بِالإيمانِ آمَنَ، ومَن لا فَلا. انْتَهى. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ فِرْقَةٍ أنَّ الضَّمِيرَ في (شاءَ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وكَأنَّهُ لَمّا كانَ الإيمانُ والكُفْرُ تابِعَيْنِ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ جاءَ بِصِيغَةِ الأمْرِ حَتّى كَأنَّهُ تَحَتَّمَ وُقُوعُهُ مَأْمُورٌ بِهِ مَطْلُوبٌ مِنهُ. وقَرَأ أبُو السَّمالِ قُعْنُبُ وقُلَ الحَقَّ بِفَتْحِ اللّامِ حَيْثُ وقَعَ. قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ. انْتَهى. وعَنْهُ أيْضًا ضَمُّ اللّامِ حَيْثُ وقَعَ كَأنَّهُ إتْباعٌ لِحَرَكَةِ القافِ. وقَرَأ أيْضًا (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو عَلى صِفَةِ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرِهِ وإنْ لَمْ يُذْكُرْ فَيَنْصِبُهُ مَعْرِفَةً كَنَصْبِهِ إيّاهُ نَكِرَةً، وتَقْدِيرُهُ (وقُلْ) القَوْلَ (الحَقَّ) وتَعَلُّقُ (مِن) بِمُضْمَرٍ عَلى ذَلِكَ مِثْلُ هو إرْجاءٌ واللَّهُ أعْلَمُ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى الثَّقَفِيُّ بِكَسْرِ لامَيِ الأمْرِ.

ولَمّا تَقَدَّمَ الإيمانُ والكُفْرُ أعْقَبَ بِما أعَدَّ لَهُما، فَذَكَرَ ما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ يَلِي قَوْلَهُ: ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ وأتى بَعْدَ ذَلِكَ بِما أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولَمّا كانَ الكَلامُ مَعَ الكُفّارِ وفي سِياقِ ما طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ كانَتِ البَداءَةُ بِما أعَدَّ لَهم أهَمَّ وآكَدَ، وهُما طَرِيقانِ لِلْعَرَبِ هَذِهِ الطَّرِيقُ والأُخْرى أنَّهُ يَجْعَلُ الأوَّلَ في التَّقْسِيمِ لِلْأوَّلِ في الذِّكْرِ، والثّانِي لِلثّانِي. والسُّرادِقُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حائِطٌ مِن نارٍ مُحِيطٍ (p-١٢١)بِهِمْ. وحَكى أقْضى القُضاةِ الماوَرْدِيُّ أنَّهُ البَحْرُ المُحِيطُ بِالدُّنْيا. وحَكى الكَلْبِيُّ: أنَّهُ عُنُقٌ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِالكُفّارِ. وقِيلَ: دُخانٌ ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ يَطْلُبُوا الغَوْثَ مِمّا حَلَّ بِهِمْ مِنَ النّارِ وشِدَّةِ إحْراقِها واشْتِدادِ عَطَشِهِمْ ﴿يُغاثُوا﴾ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ وإلّا فَلَيْسَتْ إغاثَةً. ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ عَكَرُ الزَّيْتِ إذا قَرُبَ مِنهُ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ماءٌ غَلِيظٌ مِثْلُ دَرْدِيِّ الزَّيْتِ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ القَيْحُ والدَّمُ الأسْوَدُ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: كُلُّ شَيْءٍ ذائِبٍ قَدِ انْتَهى حَرُّهُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّهُ الصَّدِيدُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ الرَّمادُ الَّذِي يَنْفَطُ إذا خَرَجَ مِنَ التَّنُّورِ. وقِيلَ: ضَرْبٌ مِنَ القَطِرانِ.

و﴿يَشْوِي﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِماءٍ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ فَحَسُنَ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، وإنَّما اخْتَصَّ (الوُجُوهَ) لِكَوْنِها عِنْدَ شُرْبِهِمْ يَقْرُبُ حَرُّها مِن وُجُوهِهِمْ. وقِيلَ: عَبَّرَ بِالوُجُوهِ عَنْ جَمِيعِ أبْدانِهِمْ، والمَعْنى أنَّهُ يَنْضِجُ بِهِ جَمِيعُ جُلُودِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: ٥٦] والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ هو أيِ: الماءُ الَّذِي يُغاثُونَ بِهِ. والضَّمِيرُ في (ساءَتْ) عائِدٌ عَلى النّارِ. والمُرْتَفَقُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَنزِلُ، وقالَ عَطاءٌ: المَقَرُّ، وقالَ القُتْبِيُّ: المَجْلِسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُجْتَمَعُ، وأنْكَرَ الطَّبَرِيُّ أنْ يُعْرَفَ لِقَوْلِ مُجاهِدٍ مَعْنًى، ولَيْسَ كَذَلِكَ كانَ مُجاهِدٌ ذَهَبَ إلى مَعْنى الرَّفاقَةِ ومِنهُ الرُّفْقَةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُتَّكَأُ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُتَّكَأُ عَلى المِرْفَقِ، وأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: مُتَّكَأٌ مِنَ المِرْفَقِ وهَذا لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ ﴿وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١] وإلّا فَلا ارْتِفاقَ لِأهْلِ النّارِ ولا اتِّكاءَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ساءَتْ مَطْلَبًا لِلرِّفْقِ؛ لِأنَّ مَن طَلَبَ رِفْقًا مِن جَهَنَّمَ عَدِمَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرِيبًا مِن قَوْلِ ابْنِ الأنْبارِيِّ، قالَ: والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرْتَفَقُ بِمَعْنى الشَّيْءِ الَّذِي يُطْلَبُ رِفْقُهُ بِاتِّكاءٍ وغَيْرِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: والمَعْنى بِئْسَ الرُّفَقاءُ هَؤُلاءِ، وبِئْسَ مَوْضِعُ التَّرافُقِ النّارُ.

18:30–31Страница 297

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠

А что до тех, которые уверовали и совершали праведные деяния, то ведь Мы не теряем награды тех, кто совершал добро.

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١

Именно им уготованы сады Эдема, в которых текут реки. Они будут украшены золотыми браслетами и облачены в зеленые одеяния из атласа и парчи. Они будут возлежать там на ложах, прислонившись. Замечательное вознаграждение и прекрасная обитель!

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .

لَمّا ذَكَرَ تَعالى حالَ أهْلِ الكُفْرِ، وما أعَدَّ لَهم في النّارِ ذَكَرَ حالَ أهْلِ الإيمانِ وما أعَدَّ لَهم في الجَنَّةِ، وخَبَرُ (إنَّ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: أُولَئِكَ لَهم. وقَوْلُهُ ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ونَحْوُ هَذا مِنَ الِاعْتِراضِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ ألْبَسَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ

انْتَهى، ولا يَتَعَيَّنُ في قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ ألْبَسَهُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا هي اسْمُ إنَّ وخَبَرُها، الَّذِي هو تُرْجى الخَواتِيمُ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّ اللَّهَ ألْبَسَهُ هو الخَبَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ قَوْلَهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ﴾ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ مِنهم، أوْ هو قَوْلُهُ: ﴿مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في رَبْطِهِ الجُمْلَةَ بِالِاسْمِ إذا كانَ هو المُبْتَدَأُ في المَعْنى، لِأنَّ ﴿مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ هُمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ (p-١٢٢)فَكَأنَّهُ قالَ: إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ خَبَرَيْنِ؛ لِأنَّ عَلى مَذْهَبِ مَن يَقْتَضِي المُبْتَدَأُ خَبَرَيْنِ فَصاعِدًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ أنْ يَكُونا، أوْ يَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ.

وإذا كانَ خَبَرُ (إنَّ) قَوْلَهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ كانَ قَوْلُهُ: (أُولَئِكَ) اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مُوَضِّحٍ لِما انْبَهَمْ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ مِن مُبْهَمِ الجَزاءِ. وقَرَأ عِيسى الثَّقَفِيُّ (لا نُضَيِّعُ) مِن ضَيَّعَ عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ، والجُمْهُورُ مِن أضاعَ عَدَّوْهُ بِالهَمْزَةِ، ولَمّا ذَكَرَ مَكانَ أهْلِ الكُفْرِ وهو النّارُ، ذَكَرَ مَكانَ أهْلِ الإيمانِ وهي ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] ولَمّا ذَكَرَ هُناكَ ما يُغاثُونَ بِهِ وهو الماءُ كالمُهْلِ ذَكَرَ هُنا ما خَصَّ بِهِ أهْلَ الجَنَّةِ مِن كَوْنِ الأنْهارِ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّحْلِيَةِ واللِّباسِ اللَّذَيْنِ هُما زِينَةٌ ظاهِرَةٌ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُحَلّى كُلُّ واحِدٍ ثَلاثَةَ أساوِرَ سُوارٌ مِن ذَهَبٍ، وسُوارٌ مِن فِضَّةٍ، وسَوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ ويَواقِيتَ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و(مِن) الأوَّلُ لِلِابْتِداءِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْيِينِ، وتَنْكِيرُ (أساوِرَ) لِإبْهامِ أمْرِها في الحُسْنِ. انْتَهى. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ لِلتَّبْعِيضِ لا لِلتَّبْيِينِ. وقَرَأ أبانٌ عَنْ عاصِمٍ مِن أسْوِرَةٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ وبِزِيادَةِ هاءٍ وهو جَمْعُ سُوارٍ. وقَرَأ أيْضًا أبانٌ عَنْ عاصِمٍ وابْنِ أبِي حَمّادٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ: ﴿ويَلْبِسُونَ﴾ بِكَسْرِ الباءِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (واسْتَبْرَقَ) بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ القافِ حَيْثُ وقَعَ جَعْلُهُ فِعْلًا ماضِيًا عَلى وزْنِ اسْتَفْعَلَ مِنَ البَرِيقِ، ويَكُونُ اسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ الَّذِي هو بَرَقَ، كَما تَقُولُ: قَرَّ واسْتَقَرَّ بِفَتْحِ القافِ ذَكَرَهُ الأهْوازِيُّ في الإقْناعِ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ. قالَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحْدَهُ: (واسْتَبْرَقَ) بِالوَصْلِ، وفَتْحِ القافِ حَيْثُ كانَ لا يَصْرِفُهُ. انْتَهى. فَظاهِرُهُ أنَّهُ لَيْسَ فِعْلًا ماضِيًا بَلْ هو اسْمٌ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: جَعَلَهُ اسْتَفْعَلَ مِنَ البَرِيقِ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، فَظاهِرُهُ أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وخالَفَهُما صاحِبُ اللَّوامِحِ. قالَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (واسْتَبْرَقَ) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ في جَمِيعِ القُرْآنِ فَيَجُوزُ أنَّهُ حَذَفَ الهَمْزَةَ تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ويَجُوزُ أنَّهُ جَعَلَهُ عَرَبِيًّا مِن بَرَقَ يَبْرُقُ بَرِيقًا، وذَلِكَ إذا تَلَأْلَأ الثَّوْبُ لِجِدَّتِهِ ونَضارَتِهِ، فَيَكُونُ وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ مِن ذَلِكَ، فَلَمّا تَسَمّى بِهِ عامَلَهُ مُعامَلَةَ الفِعْلِ في وصْلِ الهَمْزَةِ، ومُعامَلَةَ المُتَمَكِّنَةِ مِنَ الأسْماءِ في الصَّرْفِ والتَّنْوِينِ، وأكْثَرُ التَّفاسِيرِ عَلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ ولَيْسَ بِمُسْتَعْرَبٍ دَخَلَ في كَلامِهِمْ فَأعْرَبُوهُ. انْتَهى.

ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ القَوْلانِ رِوايَتَيْنِ عَنْهُ فَتْحُ القافِ وصَرَفَهُ التَّنْوِينُ، وذَكَرَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ قِراءَةَ فَتْحِ القافِ، وقالَ: هَذا سَهْوٌ أوْ كالسَّهْوِ. انْتَهى. وإنَّما قالَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ جَعْلَهُ اسْمًا، ومَنعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ عَلَمٍ، وقَدْ أمْكَنَ جَعْلُهُ فِعْلًا ماضِيًا فَلا تَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ سَهْوًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وجَمْعُ السُّنْدُسِ، وهو ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ، وبَيْنَ الإسْتَبْرَقِ وهو الغَلِيظُ مِنهُ جَمْعًا بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، وقُدِّمَتِ التَّحْلِيَةُ عَلى اللِّباسِ؛ لِأنَّ الحُلِيَّ في النَّفْسِ أعْظَمُ وإلى القَلْبِ أحَبُّ، وفي القِيمَةِ أغْلى، وفي العَيْنِ أحْلى، وبِناءُ فِعْلِهِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إشْعارًا بِأنَّهم يُكْرَمُونَ بِذَلِكَ، ولا يَتَعاطَوْنَ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎غَرائِرُ في كُنٍّ وصَوْنٍ ونِعْمَةٍ ∗∗∗ يُحَلَّيْنَ ياقُوتًا وشَذَرًا مُفَقِّرا

وأسْنَدَ اللِّباسَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَتَعاطى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ خُصُوصًا لَوْ كانَ بادِيَ العَوْرَةِ، ووَصَفَ الثِّيابَ بِالخُضْرَةِ؛ لِأنَّها أحْسَنُ الألْوانِ، والنَّفْسُ تَنْبَسِطُ لَها أكْثَرَ مِن غَيْرِها، وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ أثَرٌ إنَّها تَزِيدُ في ضَوْءِ البَصَرِ، وقالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:

؎أرْبَعَةٌ مُذْهِبَةٌ لِكُلِّ هَمٍّ وحُزْنٍ ∗∗∗ الماءُ والخُضْرَةُ والبُسْتانُ والوَجْهُ الحَسَنُ

وخَصَّ الِاتِّكاءَ؛ لِأنَّها هَيْئَةُ المُنَعَّمِينَ والمُلُوكِ عَلى أسِرَّتِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ بِنَقْلِ الهَمْزَةِ إلى لامِ التَّعْرِيفِ وإدْغامِ لامِ عَلى (فِيها) فَتَنْحَذِفُ ألِفُ (عَلى) لِتَوَهُّمِ سُكُونِ لامِ التَّعْرِيفِ، والنُّطْقِ (p-١٢٣)بِهِ عَلَرائِكِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَما أصْبَحَتْ عَلَرْضِ نَفْسٌ بَرِيَّةٌ ∗∗∗ ولا غَيْرُها إلّا سُلَيْمانَ بالَها

يُرِيدُ عَلى الأرْضِ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ: نِعْمَ الثَّوابُ ما وُعِدُوا بِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿حَسُنَتْ﴾ [الفرقان: ٧٦] عائِدٌ عَلى الجَنّاتِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English