Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Марьям 19:16–33, продолжение
قالُوا: التَّمْرُ لِلنُّفَساءِ عادَةٌ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ وكَذَلِكَ التَّحْنِيكُ، وقالُوا: كانَ مِنَ العَجْوَةِ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. وقِيلَ: ما لِلنُّفَساءِ خَيْرٌ مِنَ الرُّطَبِ. وقِيلَ: إذا عَسُرَ وِلادُها لَمْ يَكُنْ لَها خَيْرٌ مِنَ الرُّطَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تُساقِطْ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والسِّينِ وشَدِّها بَعْدَ ألِفٍ وفَتْحِ القافِ. وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ ومَسْرُوقٌ وحَمْزَةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم خَفَّفُوا السِّينَ. وقَرَأ حَفْصٌ ﴿تُساقِطْ﴾ مُضارِعُ ساقَطَتْ. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ تَتَساقَطُ بِتاءَيْنِ. وقَرَأ البَراءُ بْنُ عازِبٍ والأعْمَشُ في رِوايَةٍ (يَسّاقَطْ) بِالياءِ مِن تَحْتِ مُضارِعِ اسّاقَطَ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ومَسْرُوقٌ (تُسْقِطْ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مَضْمُومَةً وكَسْرِ القافِ. وعَنْ (p-١٨٥)أبِي حَيْوَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ، وعَنْهُ (تَسْقُطْ) بِالتّاءِ مِن فَوْقُ مَفْتُوحَةً وضَمِّ القافِ، وعَنْهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ، وقالَ بَعْضُهم في قِراءَةِ أبِي حَيْوَةَ هَذِهِ أنَّهُ قَرَأ رُطَبٌ جَنِيٌّ بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وأمّا النَّصْبُ فَإنْ قَرَأ بِفِعْلٍ مُتَعَدٍّ نَصَبَهُ عَلى المَفْعُولِ أوْ بِفِعْلٍ لازِمٍ فَنَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتُ فالفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجِذْعِ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فَمُسْنَدٌ إلى النَّخْلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى الجِذْعِ عَلى حَدِّ ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] في قِراءَةِ مَن قَرَأ يَلْتَقِطْهُ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ.
وأجازَ المُبَرِّدُ في قَوْلِهِ ﴿رُطَبًا﴾ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ ﴿وهُزِّي﴾، أيْ: ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ رُطَبًا تُساقِطْ عَلَيْكِ، فَعَلى هَذا الَّذِي أجازَهُ تَكُونُ المَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَعْمُولُ ﴿تُساقِطْ﴾ فَمَن قَرَأهُ بِالياءِ مِن تَحْتُ فَظاهِرٌ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ مِن فَوْقُ فَإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا جازَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإعْمالِ، وإنْ كانَ لازِمًا فَلا لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِ (هُزِّي) إذْ ذاكَ والفِعْلُ اللّازِمُ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ﴿جَنِيًّا﴾ بِكَسْرِ الجِيمِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ النُّونِ. والرِّزْقُ فَإنْ كانَ مَفْرُوغًا مِنهُ فَقَدْ وُكِّلَ ابْنُ آدَمَ إلى سَعْيِ ما فِيهِ، ولِذَلِكَ أُمِرَتْ مَرْيَمُ بِهَزِّ الجِذْعِ وعَلى هَذا جاءَتِ الشَّرِيعَةُ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُنافٍ لِلتَّوَكُّلِ.
وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ عِيسى لَها لا تَحْزَنِي، فَقالَتْ: كَيْفَ لا أحْزَنُ وأنْتَ مَعِي، لا ذاتَ زَوْجٍ ولا مَمْلُوكَةً، أيُّ شَيْءٍ عُذْرِي عِنْدَ النّاسِ ؟ ﴿يالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ فَقالَ لَها عِيسى: أنا أكْفِيكِ الكَلامَ ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:، أيْ: جَمَعْنا لَكِ في السَّرِيِّ والرُّطَبِ فائِدَتَيْنِ إحْداهُما الأكْلُ والشُّرْبُ، والثّانِيَةُ سَلْوَةُ الصَّدْرِ لِكَوْنِهِما مُعْجِزَتَيْنِ وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾، أيْ: وطِيبِي نَفْسًا ولا تَغْتَمِّي وارْفُضِي عَنْكِ ما أحْزَنَكِ وأهَمَّكِ انْتَهى. ولَمّا كانَتِ العادَةُ تَقْدِيمَ الأكْلِ عَلى الشُّرْبِ تَقَدَّمَ في الآيَةِ ولِمُجاوَرَةِ قَوْلِهِ ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ ولَمّا كانَ المَحْزُونُ قَدْ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ قالَ: ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾، أيْ: لا تَحْزَنِي، ثُمَّ ألْقى إلَيْها ما تَقُولُ إنْ رَأتْ أحَدًا. وقُرِئَ ﴿وقَرِّي﴾ بِكَسْرِ القافِ وهي لُغَةٌ نَجْدِيَّةٌ وتَقَدَّمَ ذِكْرُها.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في ما رَوى عَنْهُ ابْنُ رُومِيٍّ (تَرَئِنَّ) بِالإبْدالِ مِنَ الياءِ هَمْزَةً ورُوِيَ عَنْهُ (لَتَرَؤُنَّ) بِالهَمْزِ أيْضًا بَدَلَ الواوِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: وهو عِنْدَ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ لَحْنٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مِن لُغَةِ مَن يَقُولُ لَبَّأْتُ بِالحَجِّ، وحَلَأْتُ السَّوِيقَ وذَلِكَ لِتَآخٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ وحُرُوفِ اللِّينِ في الإبْدالِ انْتَهى. وقَرَأ طَلْحَةُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ﴿تَرَيِنَّ﴾ بِسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ خَفِيفَةً. قالَ ابْنُ جِنِّي: وهي شاذَّةٌ يَعْنِي لِأنَّهُ لَمْ يُؤَثِّرِ الجازِمُ فَيَحْذِفَ النُّونَ. كَما قالَ الأفْوَهُ الأوْدِيُّ:
؎أما تَرى رَأْسِي أزْرى بِهِ ∗∗∗ مَآسُ زَمانٍ ذِي انْتِكاسٍ مَئُوسِ
والآمِرُ لَها بِالأكْلِ والشُّرْبِ وذَلِكَ القَوْلِ، الظّاهِرُ أنَّهُ ولَدُها. وقِيلَ جِبْرِيلُ عَلى الخِلافِ الَّذِي سَبَقَ، والظّاهِرُ أنَّهُ أُبِيحَ لَها أنْ تَقُولَ ما أُمِرَتْ بِقَوْلِهِ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿فَقُولِي﴾، أيْ: بِالإشارَةِ لا بِالكَلامِ وإلّا فَكانَ التَّناقُضُ يُنافِي قَوْلَها انْتَهى. ولا تَناقُضَ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ بَعْدَ (قُولِي) هَذا وبَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، أيْ: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ وسَألَكِ أوْ حاوَرَكِ الكَلامَ ﴿فَقُولِي﴾ .
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ صِيامًا وفَسَّرَ (صَوْمًا) بِالإمْساكِ عَنِ الكَلامِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ صَمْتًا. وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مِثْلُهُ. وقالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: كانَتْ سُنَّةُ الصِّيامِ عِنْدَهُمُ الإمْساكَ عَنِ الأكْلِ والكَلامِ انْتَهى. والصَّمْتُ مَنهِيٌّ عَنْهُ ولا يَصِحُّ نَذْرُهُ. وفي الحَدِيثِ: ”مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ“ . وقَدْ أمَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بِالنُّطْقِ، وأُمِرَتْ بِنَذْرِ الصَّوْمِ؛ لِأنَّ عِيسى بِما يُظْهِرُ اللَّهُ عَلَيْهِ يَكْفِيها أمْرَ الِاحْتِجاجِ ومُجادَلَةِ السُّفَهاءِ. وقَوْلُهُ ﴿إنْسِيًّا﴾ لِأنَّها كانَتْ تُكَلِّمُ المَلائِكَةَ (p-١٨٦)دُونَ الإنْسِ.
19:27–33Страница 307
فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا ٢٧
Она пришла к своим родным, неся его. Они сказали: «О Марьям (Мария)! Ты совершила тяжкий (или небывалый, или удивительный) проступок.
يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا ٢٨
О сестра Харуна (Аарона)! Твой отец не был скверным человеком, и мать твоя не была блудницей».
فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩
Она показала на него, и они сказали: «Как мы можем говорить с младенцем в колыбели?».
قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠
Он сказал: «Воистину, я - раб Аллаха. Он даровал мне Писание и сделал меня пророком.
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١
Он сделал меня благословенным, где бы я ни был, и заповедал мне совершать намаз и раздавать закят, пока я буду жив.
وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ٣٢
Он сделал меня почтительным к моей матери и не сделал меня надменным и несчастным.
وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣
Мир мне в тот день, когда я родился, в тот день, когда я скончаюсь, и в тот день, когда я буду воскрешен к жизни».
﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ ﴿ياأُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ .
﴿فَأتَتْ بِهِ﴾ قِيلَ إتْيانُها كانَ مِن ذاتِها. قِيلَ: طَهُرَتْ مِنَ النِّفاسِ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أراها آياتٍ واضِحاتٍ، وكَلَّمَها عِيسى ابْنًا وحَنَّتْ إلى الوَطَنِ وعَلِمَتْ أنَّ عِيسى سَيَكْفِيها مَن يُكَلِّمُها فَعادَتْ إلى قَوْمِها. وقِيلَ: أرْسَلُوا إلَيْها لَتَحْضُرِي إلَيْنا بِوَلَدِكِ، وكانَ الشَّيْطانُ قَدْ أخْبَرَ قَوْمَها بِوِلادَتِها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَلَمّا رَأوْها وابْنَها (قالُوا) قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: الفَرِيُّ العَظِيمُ الشَّنِيعُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ فِيما نَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿فَرِيًّا﴾ بِسُكُونِ الرّاءِ، وفِيما نَقَلَ ابْنُ خالَوَيْهِ فَرْئًا بِالهَمْزِ، وهارُونُ شَقِيقُها أوْ أخُوها مِن أُمِّها، وكانَ مِن أمْثَلِ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ هارُونُ أخُو مُوسى إذْ كانَتْ مِن نَسْلِهِ، أوْ رَجُلٌ صالِحٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ شُبِّهَتْ بِهِ، أوْ رَجُلٌ مِنَ النِّساءِ وشَبَّهُوها بِهِ، أقْوالٌ. والأوْلى أنَّهُ أخُوها الأقْرَبُ. وفي حَدِيثِ المُغِيرَةِ حِينَ خَصَمَهُ نَصارى نَجْرانَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ياأُخْتَ هارُونَ﴾ والمُدَّةَ بَيْنَهُما طَوِيلَةٌ جِدًّا فَقالَ لَهُ الرَّسُولُ: «ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِأنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ قَبْلَهم» . وأنْكَرُوا عَلَيْها ما جاءَتْ بِهِ وأنَّ أبَوَيْها كانا صالِحَيْنِ، فَكَيْفَ صَدَرَتْ مِنكِ هَذِهِ الفِعْلَةُ القَبِيحَةُ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الفُرُوعَ غالِبًا تَكُونُ زاكِيَةً إذا زَكَتِ الأُصُولُ، ويُنْكَرُ عَلَيْها إذا جاءَتْ بِضِدِّ ذَلِكَ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ لَجَأٍ التَّيْمِيُّ الشّاعِرُ الَّذِي كانَ يُهاجِي جَرِيرًا (ما كانَ أباكِ امْرَؤُ سَوْءٍ) فَجَعَلَ الخَبَرَ (p-١٨٧)المَعْرِفَةَ والِاسْمَ النَّكِرَةَ، وحَسَّنَ ذَلِكَ قَلِيلًا كَوْنُها فِيها مُسَوِّغُ جَوازِ الِابْتِداءِ وهو الإضافَةُ، ولَمّا اتَّهَمُوها بِما اتَّهَمُوها نَفَوْا عَنْ أبَوَيْها السُّوءَ لِمُناسَبَةِ الوِلادَةِ، ولَمْ يَنُصُّوا عَلى إثْباتِ الصَّلاحِ وإنْ كانَ نَفْيُ السُّوءِ يُوجِبُ الصَّلاحَ، ونَفْيُ البِغاءِ يُوجِبُ العِفَّةَ؛ لِأنَّهُما بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما نَقِيضانِ. رُوِيَ أنَّها لَمّا دَخَلَتْ بِهِ عَلى قَوْمِها وهم أهْلُ بَيْتٍ صالِحُونَ تَباكَوْا وقالُوا ذَلِكَ. وقِيلَ: هَمُّوا بِرَجْمِها حَتّى تَكَلَّمَ عِيسى فَتَرَكُوها.
﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾، أيْ: هو الَّذِي يُجِيبُكم إذا ناطَقْتُمُوهُ. وقِيلَ: كانَ المُسْتَنْطِقُ لِعِيسى زَكَرِيّا. ويُرْوى أنَّهم لَمّا أشارُوا إلى الطِّفْلِ قالُوا: اسْتِخْفافُها بِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن زِناها، ثُمَّ قالُوا لَها عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَّهَكُّمِ بِها، أيْ: إنَّ مَن كانَ في المَهْدِ يُرَبّى لا يُكَلَّمُ، وإنَّما أشارَتْ إلَيْهِ لِما تَقَدَّمَ لَها مِن وعْدِهِ أنَّهُ يُجِيبُهم عَنْها ويُغْنِيها عَنِ الكَلامِ. وقِيلَ: بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْها. و(كانَ) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: زائِدَةٌ. وقِيلَ: تامَّةٌ ويَنْتَصِبُ (صَبِيًّا) عَلى الحالِ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّها ناقِصَةٌ فَتَكُونُ بِمَعْنى صارَ أوْ تَبْقى عَلى مَدْلُولِها مِنِ اقْتِرانِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِالزَّمانِ الماضِي، ولا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى الِانْقِطاعِ كَما لَمْ يَدُلَّ في قَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] وفي قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] والمَعْنى (كانَ) وهو الآنَ عَلى ما كانَ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بَعْضُ أصْحابِنا عَنْ (كانَ) هَذِهِ بِأنَّها تُرادِفُ لَمْ يَزَلْ وما رَدَّ بِهِابْنُ الأنْبارِيِّ كَوْنَها زائِدَةً مِن أنَّ الزّائِدَةَ لا خَبَرَ لَها، وهَذِهِ نَصَبَتْ (صَبِيًّا) خَبَرًا لَها لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ إذْ ذاكَ يَنْتَصِبُ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها الِاسْتِقْرارُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ لِإيقاعِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ في زَمانٍ ماضٍ مُبْهَمٍ يَصْلُحُ لِقَرِيبِهِ وبِعِيدِهِ وهو هاهُنا لِقَرِيبِهِ خاصَّةً والدّالُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ، وأنَّهُ مَسُوقٌ لِلتَّعَجُّبِ، ووَجْهٌ آخَرُ أنْ يَكُونَ ﴿نُكَلِّمُ﴾ حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ، أيْ: كَيْفَ عُهِدَ قَبْلَ عِيسى أنْ يُكَلِّمَ النّاسُ (صَبِيًّا) .
﴿فِي المَهْدِ صَبِيًّا﴾ فِيما سَلَفَ مِنَ الزَّمانِ حَتّى نُكَلِّمَ هَذا انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) مَفْعُولٌ بِنُكَلِّمُ. ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ أنَّ (مَن) شَرْطِيَّةٌ و(كانَ) في مَعْنى يَكُنْ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَكَيْفَ (نُكَلِّمُ) وهو قَوْلٌ بِعِيدٌ جِدًّا. وعَنْ قَتادَةَ أنَّ (المَهْدَ) حِجْرُ أُمِّهِ. وقِيلَ: سَرِيرُهُ. وقِيلَ: المَكانُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ. ورُوِيَ أنَّهُ قامَ مُتَّكِئًا عَلى يَسارِهِ وأشارَ إلَيْهِمْ بِسَبّابَتِهِ اليُمْنى، وأنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ رَدًّا لِلْوَهْمِ الَّذِي ذَهَبَتْ إلَيْهِ النَّصارى.
وفِي قَوْلِهِ ﴿عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٧٢] والجُمَلُ الَّتِي بَعْدَهُ تَنْبِيهٌ عَلى بَراءَةِ أُمِّهِ مِمّا اتُّهِمَتْ بِهِ لِأنَّهُ تَعالى لا يُخَصُّ بِوَلَدٍ مَوْصُوفٍ بِالنُّبُوَّةِ والخِلالِ الحَمِيدَةِ إلّا مُبَرَّأةً مُصْطَفاةً و(الكِتابَ) الإنْجِيلُ أوِ التَّوْراةُ أوْ مَجْمُوعُهُما، أقْوالٌ. وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ أنَّهُ تَعالى نَبَّأهُ حالَ طُفُولِيَّتِهِ أكْمَلَ اللَّهُ عَقَلَهُ واسْتَنْبَأهُ طِفْلًا. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ سَبَقَ في قَضائِهِ وسابِقِ حُكْمِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُجْعَلَ الآتِي لِتَحَقُّقِهِ كَأنَّهُ قَدْ وُجِدَ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: نَفّاعًا. وقالَ سُفْيانُ: مُعَلِّمُ خَيْرٍ. وقِيلَ: آمِرًا بِمَعْرُوفٍ، ناهِيًا عَنْ مُنْكَرٍ. وعَنِ الضَّحّاكِ: قَضّاءً لِلْحَوائِجِ و﴿أيْنَ ما كُنْتُ﴾ شَرْطٌ وجَزاؤُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَجَعَلَنِي السّابِقِ؛ لِأنَّ (أيْنَ) لا يَكُونُ إلّا اسْتِفْهامًا أوْ شَرْطًا لا جائِزَ أنْ يَكُونَ هُنا اسْتِفْهامًا، فَتَعَيَّنَتِ الشَّرْطِيَّةُ، واسْمُ الشَّرْطِ لا يَنْصِبُهُ فِعْلٌ قَبْلَهُ إنَّما هو مَعْمُولٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي يَلِيهِ، والظّاهِرُ حَمْلُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ عَلى ما شُرِعَ في البَدَنِ والمالِ. وقِيلَ: (الزَّكاةُ) زَكاةُ الرُّءُوسِ في الفِطَرِ. وقِيلَ الصَّلاةُ الدُّعاءُ، و(الزَّكاةُ) التَّطَهُّرُ.
* *
و(ما) في ﴿ما دُمْتُ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقَرَأ (دُمْتُ) بِضَمِّ الدّالِ عاصِمٌ وجَماعَةٌ. وقَرَأ (دِمْتُ) بِكَسْرِ الدّالِ أهْلُ المَدِينَةِ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو انْتَهى، والَّذِي في كُتُبِ القِراءاتِ أنَّ القُرّاءَ السَّبْعَةَ قَرَءُوا ﴿دُمْتُ حَيًّا﴾ بِضَمِّ الدّالِّ، وقَدْ طالَعْنا جُمْلَةً مِنَ الشَّواذِّ فَلَمْ نَجِدْها لا في شَواذِّ السَّبْعَةِ ولا في شَواذِّ غَيْرِهِمْ عَلى أنَّها لُغَةٌ تَقُولُ: دِمْتُ تَدامُ، كَما قالُوا مِتُّ تَماتُ، وسَبَقَ أنَّهُ قُرِئَ (وبِرًّا) بِكَسْرِ الباءِ فَإمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وذا بِرٍّ، وإمّا عَلى المُبالَغَةِ جَعَلَ (p-١٨٨)ذاتَهُ مِن فَرْطِ بِرِّهِ، ويَجُوزُ أنْ يُضْمَرَ فِعْلٌ في مَعْنى أوْصانِي وهو كَلَّفَنِي؛ لِأنَّ أوْصانِي بِالصَّلاةِ وكَلَّفَنِيها واحِدٌ، ومَن قَرَأ (وبَرًّا) بِفَتْحِ الباءِ، فَقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (مُبارَكًا) وفِيهِ بُعْدٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي (أوْصانِي) ومُتَعَلِّقِها، والأوْلى إضْمارُ فِعْلٍ، أيْ: وجَعَلَنِي (بَرًّا) . وحَكى الزَّهْراوِيُّ وأبُو البَقاءِ أنَّهُ قُرِئَ (وبِرٍّ) بِكَسْرِ الباءِ والرّاءِ عَطْفًا عَلى ﴿بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿بِوالِدَتِي﴾ بَيانُ مَحَلِّ البِرِّ وأنَّهُ لا والِدَ لَهُ، وبِهَذا القَوْلِ بَرَّأها قَوْمُها. والجَبّارُ كَما تَقَدَّمَ المُتَعاظِمُ وكانَ في غايَةِ التَّواضُعِ يَأْكُلُ الشَّجَرَ ويَلْبَسُ ﷺ الشَّعْرَ ويَجْلِسُ عَلى التُّرابِ حَيْثُ جَنَّهُ اللَّيْلُ لا مَسْكَنَ لَهُ، وكانَ يَقُولُ: سَلُونِي فَإنِّي لَيِّنُ القَلْبِ صَغِيرٌ في نَفْسِي، والألِفُ واللّامُ في (والسَّلامُ) لِلْجِنْسِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا التَّعْرِيفُ تَعْرِيضٌ بِلَعْنَةِ مُتَّهِمِي مَرْيَمَ وأعْدائِهِما مِنَ اليَهُودِ، وحَقِيقَتُهُ أنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، فَإذا قالَ: وجِنْسُ السَّلامِ عَلَيَّ خاصَّةً فَقَدْ عَرَّضَ بِأنَّ ضِدَّهُ عَلَيْكم، ونَظِيرُهُ ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧] يَعْنِي إنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى، وكانَ المَقامُ مَقامَ مُناكَرَةٍ وعِنادٍ فَهو مَئِنَّةٌ لِنَحْوِ هَذا مِنَ التَّعْرِيضِ. وقِيلَ: ألْ لِتَعْرِيفِ المُنَكَّرِ في قِصَّةٍ يَحْيى في قَوْلِهِ (وسَلامٌ) نَحْوُ ﴿كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ، أيْ: وذَلِكَ السَّلامُ المُوَجَّهُ إلى يَحْيى في المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مُوَجَّهٌ إلَيَّ. وسَبَقَ القَوْلُ في تَخْصِيصِ هَذِهِ المَواطِنِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (يَوْمَ ولَدَتْ) أيْ يَوْمَ ولَدْتَنِي جَعَلَهُ ماضِيًا لَحِقَتْهُ تاءُ التَّأْنِيثِ ورَجَّحَ (وسَلامٌ عَلَيَّ) والسَّلامُ لِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ وهَذا مِن قَوْلِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ سَلامُ عِيسى أرْجَحُ لِأنَّهُ تَعالى أقامَهُ في ذَلِكَ مَقامَ نَفْسِهِ فَسَلَّمَ نائِبًا عَنِ اللَّهِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии