Абу ХайянАль‑Бакара · 2:102–103

Абу Хайян · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:102–103, продолжение

﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾: قالَهُ الفَرّاءُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى شَيْءٍ دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلُ الكَلامِ، كَأنَّهُ قالَ: فَيَأْبَوْنَ فَيَتَعَلَّمُونَ. وقالَ الفَرّاءُ أيْضًا: هو عَطْفٌ عَلى ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾، ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾ . وأنْكَرَهُ الزَّجّاجُ بِسَبَبِ لَفْظِ الجَمْعِ في يُعَلِّمُونَ، وقَدْ قالَ: ”مِنهُما“ . وأجازَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ، إذْ لا يَمْتَنِعُ عَطْفُ فَيَتَعَلَّمُونَ عَلى يُعَلِّمُونَ، وإنْ كانَ التَّعْلِيمُ مِنَ المَلَكَيْنِ خاصَّةً، والضَّمِيرُ في مِنهُما راجِعٌ إلَيْهِما؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما، إنَّما جاءَ بَعْدَ ذِكْرِ المَلَكَيْنِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو مَعْطُوفٌ عَلى كَفَرُوا، قالَ: وارْتَفَعَتْ فَيَتَعَلَّمُونَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ عَنِ المَلَكَيْنِ أنَّهُما قالا: لا تَكْفُرْ، فَيَتَعَلَّمُوا لِيَجْعَلا كُفْرَهُ سَبَبًا لِتَعَلُّمِ غَيْرِهِ، ولَكِنَّهُ عَلى كَفَرُوا فَيَتَعَلَّمُونَ. يُرِيدُ سِيبَوَيْهِ: أنَّ فَيَتَعَلَّمُونَ لَيْسَ بِجَوابٍ لِقَوْلِهِ: فَلا تَكْفُرْ، فَيُنْصَبُ كَما نُصِبَ ﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١]؛ لِأنَّ كُفْرَ مَن نُهِيَ أنْ يَكْفُرَ في الآيَةِ لَيْسَ سَبَبًا لِتَعَلُّمِ مَن يَتَعَلَّمُ. وكَفَرُوا: في مَوْضِعِ فِعْلٍ مَرْفُوعٍ، فَعُطِفَ عَلَيْهِ مَرْفُوعٌ، ولا وجْهَ لِاعْتِراضِ مَنِ اعْتَرَضَ في العَطْفِ عَلى كَفَرُوا، أوْ عَلى يَعْلَمُونَ، بِأنَّ فِيهِ إضْمارَ المَلَكَيْنِ. قِيلَ: ذَكَرَهُما مِن أجْلِ أنَّ التَّقْدِيرَ: ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما إنَّما جاءَ بَعْدَ ذِكْرِ المَلَكَيْنِ، كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: فَيَتَعَلَّمُونَ، هو عَلى إضْمارِ هم، أيْ فَهم يَتَعَلَّمُونَ، فَتَكُونُ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها عَطْفَ الجُمَلِ، والضَّمِيرُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في فَيَتَعَلَّمُونَ عائِدٌ عَلى النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَيَتَعَلَّمُونَ مَعْطُوفًا عَلى يُعَلِّمانِ، والضَّمِيرُ الَّذِي في فَيَتَعَلَّمُونَ لِأحَدٍ، وجُمِعَ حَمْلًا عَلى المَعْنى كَما قالَ تَعالى ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] وهَذا العَطْفُ وإنْ كانَ عَلى مَنفِيٍّ، فَذَلِكَ المَنفِيُّ هو مُوجَبٌ في المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُما يُعَلِّمانِ كُلَّ واحِدٍ، إذا قالا لَهُ: إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ. وذَكَرَ الزَّجّاجُ هَذا الوَجْهَ. وقالَ الزَّجّاجُ أيْضًا: الأجْوَدُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى يُعَلِّمانِ فَيَتَعَلَّمُونَ، واسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ يُعَلِّمانِ، بِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا وجْهَ لِقَوْلِ الزَّجّاجِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ يُعَلِّمانِ؛ لِأنَّهُ مَوْجُودٌ في النَّصِّ. انْتَهى كَلامُ أبِي عَلِيٍّ، وهو كَلامٌ فِيهِ مُغالَطَةٌ؛ لِأنَّ الزَّجّاجَ لَمْ يُرِدْ أنَّ فَيَتَعَلَّمُونَ مَعْطُوفٌ عَلى يُعَلِّمانِ الدّاخِلِ عَلَيْها ما النّافِيَةُ في قَوْلِهِ: ولا ما يُعَلِّمانِ، فَيَكُونَ يُعَلِّمانِ مَوْجُودًا في النَّصِّ، وإنَّما يُرِيدُ أنَّ يُعَلِّمانِ مُضْمَرَةٌ مُثْبَتَةٌ لا مَنفِيَّةٌ. وهَذا الَّذِي قَدَّرَهُ الزَّجّاجُ لَيْسَ مَوْجُودًا في النَّصِّ. وحَمَلَ أبا عَلِيٍّ عَلى هَذِهِ المُغالَطَةِ حُبُّ رَدِّهِ (p-٣٣٢)عَلى الزَّجّاجِ وتَخْطِئَتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ مُولَعًا بِذَلِكَ. ولِلشَّنَآنِ الجارِي بَيْنَهُما سَبَبٌ ذَكَرَهُ النّاسُ. انْتَهى ما وقَفْنا عَلَيْهِ لِلنّاسِ في هَذا العَطْفِ، وأكْثَرُهُ كَلامُ الَمَهْدَوِيِّ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أشْبَعَ الكَلامَ في ذَلِكَ. وتَلَخَّصَ في هَذا العَطْفِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَيَأْبَوْنَ فَيَتَعَلَّمُونَ، أوْ يُعَلِّمانِ فَيَتَعَلَّمُونَ، أيْ عَلى مُثْبَتٍ، أوْ يَتَعَلَّمُونَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَهم يَتَعَلَّمُونَ، عَطْفَ جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ عَلى فِعْلِيَّةٍ، أوْ مَعْطُوفًا عَلى يُعَلِّمُونَ النّاسَ، أوْ مَعْطُوفًا عَلى كَفَرُوا، أوْ عَلى يُعَلِّمانِ المَنفِيَّةِ لِكَوْنِها مُوجَبَةً في المَعْنى. فَتِلْكَ أقْوالٌ سِتَّةٌ، أقْرَبُها إلى اللَّفْظِ هَذا القَوْلُ الأخِيرُ.

﴿مِنهُما﴾: الضَّمِيرُ في الظّاهِرِ عائِدٌ عَلى المَلَكَيْنِ، أيْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنَ المَلَكَيْنِ، سَواءٌ قُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ، أوْ كَسْرِها. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى السِّحْرِ، وعَلى الَّذِي أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ والكُفْرِ، الَّذِي هو مَصْدَرٌ مَفْهُومٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾، وهَذا قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنَ الفِتْنَةِ والكُفْرِ مِقْدارَ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ.

﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾: ما مَوْصُولَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، لِأجْلِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْها. والمَصْدَرِيَّةُ لا يَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرٌ، لِأنَّها حَرْفٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، والَّذِي يُفَرَّقُ بِهِ هو السِّحْرُ. وعَنى بِالتَّفْرِيقِ تَفْرِيقَ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، بِحَيْثُ تَقَعُ الشَّحْناءُ والبَغْضاءُ فَيَفْتَرِقانِ، أوْ تَفْرِيقَ الدِّينِ، بِحَيْثُ إذا تَعَلَّمَ فَقَدْ كَفَرَ وصارَ مُرْتَدًّا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُفَرِّقًا بَيْنَهُما.

﴿بَيْنَ المَرْءِ﴾: قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ والهَمْزِ. وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ وقَتادَةُ: المَرِ بِغَيْرِ هَمْزٍ مُخَفَّفًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: المُرْءِ بِضَمِّ المِيمِ والهَمْزَةِ. وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: المِرْءِ بِكَسْرِ المِيمِ والهَمْزِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ أيْضًا: المَرِّ بِفَتْحِ المِيمِ وإسْقاطِ الهَمْزِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ فَأمّا فَتْحُ المِيمِ وكَسْرُها وضَمُّها فَلُغاتٌ، وأمّا المَرِ بِكَسْرِ الرّاءِ فَوَجْهُهُ أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الرّاءِ، وحَذَفَ الهَمْزَةَ، وأمّا تَشْدِيدُها بَعْدَ الحَذْفِ، فَوَجْهُهُ أنَّهُ نَوى الوَقْفَ فَشَدَّدَ، كَما رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: مُسْتَطَرٌّ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ في الوَقْفِ، ثُمَّ أُجْرِيَ الوَصْلُ مُجْرى الوَقْفِ، فَأقَرَّها عَلى تَشْدِيدِها فِيهِ.

﴿وزَوْجِهِ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ يُرِيدُ بِهِ امْرَأةَ الرَّجُلِ. وقِيلَ الزَّوْجُ هُنا: الأقارِبُ والإخْوانُ، وهُمُ الصِّنْفُ المُلائِمُ لِلْإنْسانِ، ومِنهُ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]، ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] .

﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ﴾: الضَّمِيرُ الَّذِي هو هم: عائِدٌ عَلى السَّحَرَةِ الَّذِينَ عادَ عَلَيْهِمْ ضَمِيرُ فَيَتَعَلَّمُونَ. وقِيلَ: عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ عادَ عَلَيْهِمْ ضَمِيرُ واتَّبَعُوا. وقِيلَ: عَلى الشَّياطِينِ. وبِضارِّينَ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّ ما حِجازِيَّةٌ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّ ما تَمِيمِيَّةٌ. والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ما يُفَرِّقُونَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِإثْباتِ النُّونِ في بِضارِّينَ. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِحَذْفِها، وخَرَّجَ ذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وإنْ كانَ اسْمُ الفاعِلِ في صِلَةِ الألِفِ واللّامِ. والثّانِي: أنَّ حَذْفَها لِأجْلِ الإضافَةِ إلى أحَدٍ، وفُصِلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ الَّذِي هو بِهِ، كَما قالَ:

؎هُما أخَوا في الحَرْبِ مَن لا أخا لَهُ

وكَما قالَ:

؎كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا يَهُودِيٍّ

وهَذا اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، ثُمَّ اسْتُشْكِلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ أحَدًا مَجْرُورٌ بِمِن، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أنَّهُ مَجْرُورٌ بِالإضافَةِ ؟ فَقالَ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يُضافُ إلى أحَدٍ، وهو مَجْرُورٌ بِمِن ؟ (قُلْتُ): جُعِلَ الجارُ جُزْءًا مِنَ المَجْرُورِ. انْتَهى. وهَذا التَّخْرِيجُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الفَصْلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالظَّرْفِ والجارِّ والمَجْرُورِ مِن ضَرائِرَ الشِّعْرِ، وأقْبَحُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ ثَمَّ مُضافٌ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مَشْغُولٌ بِعامِلِ جَرٍّ، فَهو المُؤَثِّرُ فِيهِ لا الإضافَةُ. وأمّا جَعْلُ حَرْفِ الجَرِّ جُزْءًا مِنَ المَجْرُورِ، فَهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِيهِ. وجُزْءُ الشَّيْءِ لا يُؤَثِّرُ في الشَّيْءِ، والأجْوَدُ التَّخْرِيجُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ لَهُ نَظِيرًا في نَظْمِ العَرَبِ ونَثْرِها. فَمِنَ النَّثْرِ قَوْلُ العَرَبِ، قَطاقَطا بَيْضُكِ ثِنْتا وبَيْضِي مِائَتا، يُرِيدُونَ: ثِنْتانِ ومِائَتانِ.

﴿مِن أحَدٍ﴾، مِن زائِدَةٌ، و”أحَدٍ“: مَفْعُولٌ بِضارِّينَ. ومِن تُزادُ في المَفْعُولِ، إلّا أنَّ المَعْهُودَ زِيادَتُها في المَفْعُولِ (p-٣٣٣)الَّذِي يَكُونُ مَعْمُولًا لِلْفاعِلِ الَّذِي يُباشِرُهُ حَرْفُ النَّفْيِ نَحْوُ: ما ضَرَبْتُ مِن رَجُلٍ، وما ضَرَبَ زَيْدٌ مِن رَجُلٍ. وهُنا حُمِلَتِ الجُمْلَةُ مِن غَيْرِ الفِعْلِ والفاعِلِ عَلى الجُمْلَةِ مِنَ الفِعْلِ والفاعِلِ؛ لِأنَّ المَعْنى: وما يَضُرُّونَ مِن أحَدٍ.

﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾: مُسْتَثْنًى مُفَرَّغٌ مِنَ الأحْوالِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿بِضارِّينَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو: ﴿مِن أحَدٍ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن بِهِ، أيِ السِّحْرِ المُفَرَّقِ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّرَرِ المَصْدَرِ المُعَرَّفِ المَحْذُوفِ. والإذْنُ هُنا فَسَّرَ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها عِنْدَ الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. فَقالَ الحَسَنُ: الإذْنُ هُنا: هو التَّخْلِيَةُ بَيْنَ المَسْحُورِ وضَرَرِ السِّحْرِ. وقالَ الأصَمُّ: العِلْمُ. وقالَ غَيْرُهُ: الخَلْقُ، ويُضافُ إلى إذْنِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] وقِيلَ: الأمْرُ، قِيلَ: والإذْنُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالسِّحْرِ، ولِأنَّهُ ذَمَّهم عَلى ذَلِكَ. وأُوِّلَ مَعْنى الأمْرِ فِيهِ بِأنْ يُفَسَّرَ التَّفْرِيقُ بِالصَّيْرُورَةِ كافِرًا، فَإنَّ هَذا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما يَتَعَلَّمُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ وضَرَرٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما أحْدَثَ اللَّهُ عِنْدَهُ شَيْئًا، ورُبَّما لَمْ يُحْدِثْ.

﴿ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الضَّرَرُ لِمَن يُفَرَّقُ بَيْنَهُما، ذَكَرَ أيْضًا أنَّ ضَرَرَهُ لا يَقْتَصِرُ عَلى مَن يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ، بَلْ هو أيْضًا يَضُرُّ مَن تَعَلَّمَهُ. ولَمّا كانَ إثْباتُ الضَّرَرِ بِشَيْءٍ لا يَنْفِي النَّفْعَ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الشَّيْءُ فَيَحْصُلُ بِهِ الضَّرَرُ ويَحْصُلُ بِهِ النَّفْعُ، نَفى النَّفْعَ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وأتى بِلَفْظِ لا، لِأنَّها يُنْفى بِها الحالُ والمُسْتَقْبَلُ. والظّاهِرُ أنَّ ﴿ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يَضُرُّهُمْ﴾، وكِلا الفِعْلَيْنِ صِلَةٌ لِما، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ لا يَنْفَعُهم عَلى إضْمارِ هو، أيْ وهو لا يَنْفَعُهم، فَيَكُونُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ، فَتَكُونُ جُمْلَةً حالِيَّةً، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَدْ قِيلَ: الضَّرَرُ وعَدَمُ النَّفْعِ مُخْتَصٌّ بِالآخِرَةِ. وقِيلَ: هو في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ تَعَلُّمَهُ، إنْ كانَ غَيْرَ مُباحٍ، فَهو يَجُرُّ إلى العَمَلِ بِهِ، وإلى التَّنْكِيلِ بِهِ، إذا عَثَرَ عَلَيْهِ، وإلى أنَّ ما يَأْخُذُهُ عَلَيْهِ حَرامٌ، هَذا في الدُّنْيا. وأمّا في الآخِرَةِ فَلِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ العِقابِ.

﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾: الضَّمِيرُ عائِدٌ قِيلَ: عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانُوا حاضِرِينَ اسْتِخْراجَ الشَّياطِينِ السِّحْرَ ودَفْنَهُ، أوْ أخْذَ سُلَيْمانَ السِّحْرَ ودَفْنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، ولَمّا أخْرَجُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ قالُوا: واللَّهِ ما هَذا مِن عَمَلِ سُلَيْمانَ ولا مِن ذَخائِرِهِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى مَن بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى اليَهُودِ قاطِبَةً، أيْ عَلِمُوا ذَلِكَ في التَّوْراةِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى عُلَماءِ اليَهُودِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ. وقِيلَ: عَلى المَلَكَيْنِ، لِأنَّهُما كانا يَقُولانِ لِمَن يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ: فَلا تَكْفُرْ، فَقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ. وأُتِيَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى قَوْلِ مَن يَرى ذَلِكَ. وعَلِمَ: هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُتَعَدِّيَةَ لِمَفْعُولَيْنِ، (p-٣٣٤)وعُلِّقَتْ عَنِ الجُمْلَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُتَعَدِّيَةَ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، وعُلِّقَتْ أيْضًا كَما عُلِّقَتْ عَرَفْتُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ يَظْهَرُ في العَطْفِ عَلى مَوْضِعِها. واللّامُ في: ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ هي لامُ الِابْتِداءِ، وهي المانِعَةُ مَن عَمِلَ عَلِمَ، وهي أحَدُ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلتَّعْلِيقِ، وأجازُوا حَذْفَها، وهي باقِيَةٌ عَلى مَنعِ العَمَلِ، وخَرَّجُوا عَلى ذَلِكَ:

؎إنِّي وجَدْتُ مَلاكَ الشِّيمَةِ الأدَبا

يُرِيدُ لِمَلاكِ الشِّيمَةِ. ومَن هُنا مَوْصُولَةٌ، وهي مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. واللّامُ في لَقَدْ لِلْقَسَمِ. هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وأكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ مُقْسَمٌ عَلَيْها، التَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَقَدْ عَلِمُوا. والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ عِنْدَهُ غَيْرُ مُقْسَمٍ عَلَيْها. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ مُقْسَمًا عَلَيْهِما، وتَكُونَ مَن لِلشَّرْطِ، وتَبِعَهُ في ذَلِكَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ. قالَ أبُو البَقاءِ: اللّامُ في ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾ هي الَّتِي يُوطَأُ بِها القَسَمُ مِثْلَ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ [مريم: ٤٦]، ومَن في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهي شَرْطٌ وجَوابُ القَسَمِ ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ . انْتَهى كَلامُهُ. فاشْتَراهُ في القَوْلِ الأوَّلِ صِلَةٌ، وفي هَذا القَوْلِ خَبَرٌ عَنْ مَن، ويَكُونُ إذْ ذاكَ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ قَسَمٌ وشَرْطٌ، ولَمْ يَتَقَدَّمْهُما ذُو خَبَرٍ، فَكانَ الجَوابُ لِلسّابِقِ، وهو القَسَمُ، ولِذَلِكَ كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا في اللَّفْظِ. هَذا هو تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ وتَوْضِيحُهُ. وُفي كِلا القَوْلَيْنِ يَكُونُ: لِمَنِ اشْتَراهُ، في مَوْضِعِ نَصْبٍ: بِيَعْلَمُوا. وقَدْ نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ رَدُّ قَوْلِ مَن قالَ مَن شَرْطٌ، وقالَ هَذا لَيْسَ مَوْضِعَ شَرْطٍ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ تَوْجِيهُ كَوْنِهِ لَيْسَ مَوْضِعَ شَرْطٍ. وأرى المانِعَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي يَلِي مَن هو ماضٍ لَفْظًا ومَعْنًى؛ لِأنَّ الِاشْتِراءَ قَدْ وقَعَ، وجَعْلُهُ شَرْطًا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ إذا كانَ ماضِيًا لَفْظًا، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا في المَعْنى. فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ، كانَ لَيْسَ مَوْضِعَ شَرْطٍ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في اشْتَراهُ عائِدٌ عَلى السِّحْرِ، أوِ الكُفْرِ، أوْ كِتابِهِمُ الَّذِي باعُوهُ بِالسِّحْرِ، أوِ القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ تَعَوَّضُوا عَنْهُ بِكُتُبِ السِّحْرِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. والخَلاقُ: النَّصِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ الدِّينُ، قالَهُ الحَسَنُ؛ أوِ القَوامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الخَلاصُ، أوِ القَدَرُ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أقْوالٌ خَمْسَةٌ.

﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾: تَقَدَّمَ القَوْلُ في بِئْسَ، وفي ما الواقِعَةُ بَعْدَها، ومَعْناهُ: ذُمَّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم. والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى السِّحْرِ، أوِ الكُفْرِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في بِئْسَما السِّحْرُ، أوِ الكُفْرُ. والضَّمِيرُ في: شَرَوْا، ويَعْلَمُونَ، بِاتِّفاقٍ لِلْيَهُودِ. فَمَتى فُسِّرَ الضَّمِيرُ في: ولَقَدْ عَلِمُوا بِأنَّهُ عائِدٌ عَلى الشَّياطِينِ، أوِاليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ سُلَيْمانَ، وفي زَمانِهِ، أوِ المَلَكَيْنِ بِفَتْحِ اللّامِ، أوْ بِكَسْرِها، فَلا إشْكالَ لِاخْتِلافِ المُسْنَدِ إلَيْهِ العِلْمُ. وإنِ اتَّحَدَ المُسْنَدُ إلَيْهِ أُوِّلَ العِلْمُ الثّانِي بِالعَقْلِ؛ لِأنَّ العِلْمَ مِن ثَمَرَتِهِ، فَلَمّا انْتَفى الأصْلُ، نُفِيَ ثَمَرَتُهُ. أوْ بِالعَمَلِ؛ لِأنَّهُ مِن ثَمَرَةِ العِلْمِ، فَلَمّا انْتَفَتِ الثَّمَرَةُ، جُعِلَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مَنفِيًّا، أوْ أُوِّلَ مُتَعَلِّقُ العِلْمِ، وهو المَحْذُوفُ، أيْ عَلِمُوا ضَرَرَهُ في الآخِرَةِ، ولَمْ يَعْلَمُوا نَفْعَهُ في الدُّنْيا. أوْ عَلِمُوا نَفْيَ الثَّوابِ، ولَمْ يَعْلَمُوا اسْتِحْقاقَ العَذابِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ:

﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ . ذُمَّ ذَلِكَ لَمّا باعُوا أنْفُسَهم.

2:103Страница 16

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣

Если бы они уверовали в Аллаха и были богобоязненны, то вознаграждение от Аллаха было бы лучше для них. Если бы они только знали!

﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا﴾: قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في لَوْ وأقْسامِها، وهي هُنا حِرَفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، ويَأْتِي الكَلامُ عَلى جَوابِها إنْ شاءَ اللَّهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ تَمَنِّيًا لِإيمانِهِمْ، عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَنْ إرادَةِ اللَّهِ إيمانَهم واخْتِيارَهم لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَيْتَهم آمَنُوا، ثُمَّ ابْتُدِئَ: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾، انْتَهى. فَعَلى هَذا لا يَكُونُ لِلْجَوابِ لازِمٌ، لِأنَّها قَدْ تُجابُ إذا كانَتْ لِلتَّمَنِّي بِالفاءِ، كَما يُجابُ لَيْتَ. إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ دَسَّ في كَلامِهِ هَذا، ويُحْرِجُهُ مَذْهَبُهُ الِاعْتِزالِيُّ، حَيْثُ جَعَلَ التَّمَنِّيَ كِنايَةً عَنْ إرادَةِ اللَّهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ أرادَ إيمانَهم، فَلَمْ يَقَعْ مُرادُهُ، وهَذا هو عَيْنُ مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، والطّائِفَةُ الَّذِينَ سَمَّوْا أنْفُسَهم عَدْلِيَّةً:(p-٣٣٥)

؎قالُوا يُرِيدُ ولا يَكُونُ مُرادُهُ عَدَلُوا ولَكِنْ عَنْ طَرِيقِ المَعْرِفَةِ

وأنَّهم آمَنُوا، يَتَقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَوْ إيمانُهم، وهو مَرْفُوعٌ. فَقالَ سِيبَوَيْهِ: هو مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، أيْ ولَوْ إيمانُهم ثابِتٌ. وقالَ المُبَرِّدُ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيْ ولَوْ ثَبَتَ إيمانُهم. فَفي كُلٍّ مِنَ المَذْهَبَيْنِ حَذْفٌ لِلْمُسْنَدِ، وإبْقاءُ المُسْنَدِ إلَيْهِ. والتَّرْجِيحُ بَيْنَ المَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والضَّمِيرُ في أنَّهم لِلْيَهُودِ، أوِ الَّذِينَ يُعَلَّمُونَ السِّحْرَ، قَوْلانِ. والإيمانُ والتَّقْوى: الإيمانُ التّامُّ، والتَّقْوى الجامِعَةُ لِضُرُوبِها، أوِ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ وبِما جاءَ بِهِ، وتَقْوى الكُفْرِ والسِّحْرِ، قَوْلانِ مُتَقارِبانِ.

﴿لَمَثُوبَةٌ﴾: اللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، لا الواقِعَةُ في جَوابِ لَوْ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ لَأُثِيبُوا، ثُمَّ ابْتَدَأ عَلى طَرِيقِ الإخْبارِ الِاسْتِئْنافِيِّ، لا عَلى طَرِيقِ تَعْلِيقِهِ بِإيمانِهِمْ وتَقْواهم، وتَرَتُّبِهِ عَلَيْهِما، هَذا قَوْلُ الأخْفَشِ، أعْنِي أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ. وقِيلَ: اللّامُ هي الواقِعَةُ في جَوابِ لَوْ، والجَوابُ: هو قَوْلُهُ: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾، أيِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ. والأوَّلُ اخْتِيارُ الرّاغِبِ، والثّانِي اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: أُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ عَلى الفِعْلِيَّةِ في الجَوابِ لِما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِ المَثُوبَةِ واسْتِقْرارِها، كَما عُدِلَ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ في: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] لِذَلِكَ، انْتَهى كَلامُهُ. ومُخْتارُهُ غَيْرُ مُخْتارٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ في لِسانِ العَرَبِ وُقُوعُ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ جَوابًا لِلَوْ، إنَّما جاءَ هَذا المُخْتَلَفُ في تَخْرِيجِهِ. ولا تَثْبُتُ القَواعِدُ الكُلِّيَّةُ بِالمُحْتَمَلِ، ولَيْسَ مِثْلُ سَلامٌ عَلَيْكم، لِثُبُوتِ رَفْعِ سَلامٌ عَلَيْكم مِن لِسانِ العَرَبِ. ووَجَّهَ مَن أجازَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: بِأنَّ ”مَثُوبَةٌ“ مَصْدَرٌ يَقَعُ لِلْماضِي والِاسْتِقْبالِ، فَصَلُحَ لِذَلِكَ مِن حَيْثُ وُقُوعُهُ لِلْمُضِيِّ. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في كِتابِ التَّكْمِيلِ مِن تَأْلِيفِنا، بِأشْبَعَ مِن هَذا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَمَثُوبَةٌ بِضَمِّ الثّاءِ، كالمَشُورَةِ. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو السَّمّالِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: بِسُكُونِ الثّاءِ، كَمَشْوُرَةٍ. ومَعْنى قَوْلِهِ: لَمَثُوبَةٌ، أيْ لَثَوابٌ، وهو الجَزاءُ والأجْرُ عَلى الإيمانِ والتَّقْوى بِأنْواعِ الإحْسانِ. وقِيلَ: لَمَثُوبَةٌ: لَرَجْعَةٌ إلى اللَّهِ خَيْرٌ.

﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾: هَذا الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أيْ كائِنَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وهَذا الوَصْفُ هو المُسَوِّغُ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ. وفي وصْفِ المَثُوبَةِ بِكَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ، تَفْخِيمٌ وتَعْظِيمٌ لَها، ولِمُناسَبَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. لِذَلِكَ كانَ المَعْنى: أنَّ الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ واتَّقَيْتُمْ مَحارِمَهُ، هو الَّذِي ثَوابُكم مِنهُ عَلى ذَلِكَ، فَهو المُتَكَفِّلُ بِذَلِكَ لَكم. واكْتَفى بِالتَّنْكِيرِ في ذَلِكَ، إذِ المَعْنى لَشَيْءٌ مِنَ الثَّوابِ.

قَلِيلُكَ لا يُقالُ لَهُ قَلِيلُ

﴿خَيْرٌ﴾ خَبَرٌ لِقَوْلِهِ: لَمَثُوبَةٌ، ولَيْسَ خَيْرٌ هُنا أفْعَلَ تَفْضِيلٍ، بَلْ هي لِلتَّفْضِيلِ، لا لِلْأفْضَلِيَّةِ. فَهي كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف: ٤٤] .

فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ

﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾: جَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ: التَّقْدِيرُ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ لَكانَ تَحْصِيلُ المَثُوبَةِ خَيْرًا، ويَعْنِي سَبَبَ المَثُوبَةِ، وهو الإيمانُ والتَّقْوى. ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ بَعْضُهم لَآمَنُوا؛ لِأنَّ مَن كانَ ذا عِلْمٍ وبَصِيرَةٍ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ الحَقُّ، فَهو يُسارِعُ إلى اتِّباعِهِ، ولا الباطِلُ، فَهو يُبالِغُ في اجْتِنابِهِ. ومَفْعُولُ يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ اقْتِصارًا، فالمَعْنى: لَوْ كانُوا مِن ذَوِي العِلْمِ، أوِ اخْتِصارًا، فَقَدَّرَهُ بَعْضُهم: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ التَّفْضِيلَ في ذَلِكَ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى. وقِيلَ: العِلْمُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ العَمَلِ، أيْ لَوْ بِعِلْمِهِمْ، ولَمّا انْتَفَتْ ثَمَرَةُ العِلْمِ الَّذِي هو العَمَلُ، جُعِلَ العِلْمُ هُنا كِنايَةً عَنِ العَمَلِ، أيْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ بِعِلْمِهِمْ، ولَمّا انْتَفَتْ ثَمَرَةُ العِلْمِ الَّذِي هو العَمَلُ، جُعِلَ العِلْمُ مُنْتَفِيًا.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الشَّرِيفَةُ ما كانَ عَلَيْهِ اليَهُودُ مِن خُبْثِ السَّرِيرَةِ، وعَدَمِ التَّوْفِيقِ والطَّواعِيَةِ لِأنْبِياءِ اللَّهِ، ونَصْبِ المُعاداةِ لَهم، حَتّى انْتَهى ذَلِكَ إلى عَداوَتِهِمْ مَن لا يَلْحَقُهُ ضَرَرُ عَداوَتِهِمْ، وهو مَن لا يَنْبَغِي أنْ يُعادى؛ لِأنَّهُ السَّفِيرُ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، وهو جِبْرِيلَ. أتى بِالقُرْآنِ المُصَدِّقِ لِكِتابِهِمْ، والمُشْتَمِلِ عَلى الهُدى والبِشارَةِ لِمَن آمَنَ بِهِ، فَكانَ يَنْبَغِي المُبادَرَةُ إلى ولائِهِ ومَحَبَّتِهِ. ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ، أيْ مُخالِفًا لِأمْرِهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ، أيْ مُبْغِضًا لَهم، فاللَّهُ عَدُوُّهُ، أيْ مُعامِلُهُ بِما يُناسِبُ (p-٣٣٦)فِعْلَهُ القَبِيحَ. ثُمَّ التَفَتَ إلى رَسُولِهِ بِالخِطابِ، فَأخْبَرَهُ بِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِ آياتٍ واضِحاتٍ، وأنَّها لِوُضُوحِها، لا يَكْفُرُ بِها إلّا مُتَمَرِّدٌ في فِسْقِهِ. ثُمَّ أخَذَ يُسَلِّيهِ بِأنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ نَكْثُ عُهُودِهِمْ، فَلا تُبالِ بِمَن طَرِيقَتُهُ هَذِهِ، وأنَّهم سَلَكُوا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مَعَكَ، إذْ أتَيْتَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِالرِّسالَةِ، فَنَبَذُوا كِتابَهُ تَعالى وراءَ ظُهُورِهِمْ، بِحَيْثُ صارُوا لا يَنْظُرُونَ فِيهِ، ولا يَلْتَفِتُونَ لِما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ التَّبْشِيرِ بِكَ، وإلْزامِهِمُ اتِّباعَكَ، حَتّى كَأنَّهم لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى الكِتابِ، ولا سَبَقَ لَهم بِكَ عِلْمٌ مِنهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن مَخازِيهِمْ أنَّهم تَرَكُوا كِتابَ اللَّهِ واتَّبَعُوا ما ألْقَتْ إلَيْهِمُ الشَّياطِينُ مِن كُتُبِ السِّحْرِ عَلى عَهْدِ سُلَيْمانَ. ثُمَّ نَزَّهَ نَبِيَّهُ سُلَيْمانَ عَنِ الكُفْرِ، وأنَّ الشَّياطِينَ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. ثُمَّ اسْتَطْرَدَ في أخْبارِ هارُوتَ ومارُوتَ، وأنَّهُما لا يُعَلِّمانِ أحَدًا حَتّى يَنْصَحاهُ بِأنَّهُما جُعِلا ابْتِلاءً واخْتِبارًا، وأنَّهُما لِمُبالَغَتِهِما في النَّصِيحَةِ يَنْهَيانِ عَنِ الكُفْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ قُصارى ما يَتَعَلَّمُونَ مِنهُما هو تَفْرِيقٌ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ تَعالى هو الضّارُّ النّافِعُ. ثُمَّ أثْبَتَ أنَّ ما يَتَعَلَّمُونَ هو ضَرَرٌ لِمُلابِسِهِ ومُتَعَلِّمِهِ. ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم قَدْ عَلِمُوا بِحَقِيقَةِ الضَّرَرِ، وأنَّ مُتَعاطِيَ ذَلِكَ لا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ. ثُمَّ بالَغَ في ذَمِّ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهم، إذْ ما تَعَوَّضُوهُ مَآلُهُ إلى الخُسْرانِ.

ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِما لَوْ سَلَكُوهُ، وهو الإيمانُ والتَّقْوى، لَحَصَلَ لَهم مِنَ اللَّهِ الثَّوابُ الجَزِيلُ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ جَمِيعَ ما اجْتَرَمُوهُ مِنَ المَآثِمِ، واكْتَسَبُوهُ مِنَ الجَرائِمِ، يُعْفِي عَلى آثارِهِ جَرُّ ذَيْلِ الإيمانِ، ويُبْدِلُ بِالإساءَةِ جَمِيلَ الإحْسانِ. ولَمّا كانَتِ الآياتُ السّابِقَةُ فِيها ما يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]، وذِكْرِ نَبْذِ العُهُودِ، ونَبْذِ كِتابِ اللَّهِ، واتِّباعِ الشَّياطِينِ، وتَعَلُّمِ ما يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، والإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهُ لا نَصِيبَ لَهم في الآخِرَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِآيَةٍ تَتَضَمَّنُ الوَعْدَ الجَمِيلَ لِمَن آمَنَ واتَّقى. فَجَمَعَتْ هَذِهِ الآياتُ بَيْنَ الوَعِيدِ والوَعْدِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، والإنْذارِ والتَّبْشِيرِ، وصارَ فِيها اسْتِطْرادٌ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، وإخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ بَعْدَ مُغَيَّبٍ، مُتَناسِقَةً تَناسُقَ اللَّآلِئِ في عُقُودِها، مُتَّضِحَةً اتِّضاحَ الدَّرارِي في مَطالِعِ سُعُودِها، مُعْلِمَةً صِدْقَ مَن أتى بِها، وهو ما قَرَأ الكُتُبَ، ولا دارَسَ، ولا رَحَلَ، ولا عاشَرَ الأحْبارَ، ولا مارَسَ ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٣] صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وأوْصَلَ أزْكى تَحِيَّةٍ إلَيْهِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English