Абу Хайян · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:229
2:229Страница 36
ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٢٩
Развод допускается дважды, после чего надо либо удержать жену на разумных условиях, либо отпустить ее по-доброму. Вам не дозволено брать что-либо из дарованного им, если только у обеих сторон нет опасения, что они не смогут соблюсти ограничения Аллаха. И если вы опасаетесь, что они не смогут соблюсти ограничения Аллаха, то они оба не совершат греха, если она выкупит развод. Таковы ограничения Аллаха, не преступайте же их. А те, которые преступают ограничения Аллаха, являются беззаконниками.
وناسَبَ وصْفَهُ بِالحِكْمَةِ، وهي إتْقانُ الأشْياءِ ووَضْعُها عَلى ما يَنْبَغِي، وهي تُناسِبُ التَّكْلِيفَ أيْضًا.
﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾، سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ راجَعَها قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، كانَ لَهُ ذَلِكَ، ولَوْ طَلَّقَ ألْفَ ألْفِ مَرَّةٍ، فَطَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأتَهُ، ثُمَّ راجَعَها قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها. رَجُلٌ اسْتَبْرَأ، فَحِينَ طَلَّقَ شارَفَتِ انْقِضاءَ العِدَّةِ راجَعَها، ثُمَّ طَلَّقَها، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لا أُقَرِّبُكِ إلَيَّ ولا تَخْلِينَ مِنِّي، فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وهو أنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَتِ الآيَةُ قَبْلَها الطَّلاقَ الرَّجْعِيَّ، وكانُوا يُطَلِّقُونَ ويُراجِعُونَ مِن غَيْرِ حَدٍّ ولا عَدٍّ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مَرَّتانِ، فَحَصَرَ الطَّلاقَ الرَّجْعِيَّ في أنَّهُ مَرَّتانِ، أيْ: يَمْلِكُ المُراجَعَةَ إذا طَلَّقَها، ثُمَّ يَمْلِكُها إذا طَلَّقَ، ثُمَّ إذا طَلَّقَ ثالِثَةً لا يَمْلِكُها. وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَدَدِ الطَّلاقِ الَّذِي يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ مَرَّتانِ، والثّالِثَةُ لا يَمْلِكُ فِيها الرَّجْعَةَ. فَعَلى هَذا الألِفُ واللّامُ في الطَّلاقِ لِلْعَهْدِ، في الطَّلاقِ السّابِقِ، وهو الَّذِي تَثْبُتُ مَعَهُ الرَّجْعَةُ، وبِهِ قالَ عُرْوَةُ، وقَتادَةُ. وقِيلَ: طَلاقُ السُّنَّةِ المَندُوبِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ. وقِيلَ: المَعْنى بِذَلِكَ تَفْرِيقُ الطَّلاقِ إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا، وهو يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ؛ لِأنَّهُ لَوْ طَلَّقَ مَرَّتَيْنِ مَعًا في (p-١٩٢)لَفْظٍ واحِدٍ لَما جازَ أنْ يُقالَ: طَلَّقَها مَرَّتَيْنِ، وكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إلى رَجُلٍ دِرْهَمَيْنِ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: أعْطاهُ مَرَّتَيْنِ، حَتّى يُفَرِّقَ الدَّفْعَ؛ فَحِينَئِذٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ. هَكَذا بَحَثُوهُ في هَذا المَوْضِعِ، وهو بَحْثٌ صَحِيحٌ. وما زالَ يَخْتَلِجُ في خاطِرِي أنَّهُ لَوْ قالَ: أنْتِ طالِقٌ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا - أنَّهُ لا يَقَعُ إلّا واحِدَةٌ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لِلطَّلاقِ، ويَقْتَضِي العَدَدَ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ الَّذِي هو عامِلٌ فِيهِ يَتَكَرَّرُ وُجُودًا، كَما تَقُولُ: ضَرَبْتُ ضَرْبَتَيْنِ، أوْ ثَلاثَ ضَرَباتٍ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ هو مُبَيِّنٌ لِعَدَدِ الفِعْلِ، فَمَتى لَمْ يَتَكَرَّرْ وُجُودًا اسْتَحالَ أنْ يُكَرِّرَ مَصْدَرَهُ وأنْ يُبَيِّنَ رُتَبَ العَدَدِ، فَإذا قالَ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، فَهَذِهِ لَفْظٌ واحِدٌ، ومَدْلُولُهُ واحِدٌ، والواحِدُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ثَلاثًا أوِ اثْنَيْنِ، ونَظِيرُ هَذا أنْ يُنْشِئَ الإنْسانُ بَيْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ في شَيْءٍ، ثُمَّ يَقُولُ عِنْدَ التَّخاطُبِ: بِعْتُكَ هَذا ثَلاثًا، فَقَوْلُهُ ”ثَلاثًا“ لَغْوٌ وغَيْرُ مُطابِقٍ لِما قَبْلَهُ، والإنْشاءاتُ أيْضًا يَسْتَحِيلُ التَّكْرارُ فِيها حَتّى يَصِيرَ المُجْمَلُ قابِلًا لِذَلِكَ الإنْشاءِ، وهَذا يَعْسُرُ إدْراكُهُ عَلى مَنِ اعْتادَ أنَّهُ يَفْهَمُ مِن قَوْلِ مَن قالَ: طَلَّقْتُكِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا؛ أنَّهُ يَقَعُ الطَّلاقُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا عَلى ما نَذْكُرُهُ. قالُوا: وتَشْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أحْكامٍ، مِنها أنَّ مَسْنُونَ الطَّلاقِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أعْدادِ الثَّلاثِ إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ ثَلاثًا، وأنَّ مَن طَلَّقَ ثَلاثًا أوِ اثْنَتَيْنِ في دُفْعَةٍ واحِدَةٍ كانَ مُطَلِّقًا لِغَيْرِ السُّنَّةِ. ومِنها أنَّ ما دُونَ الثَّلاثِ ثَبَتَ مَعَ الرَّجْعَةِ، وأنَّهُ إذا طَلَّقَ ثِنْتَيْنِ في الحَيْضِ وقَعَتا، وإنْ نُسِخَ الزِّيادَةُ عَلى الثَّلاثِ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِلْوَقْتِ المَسْنُونِ فِيهِ إيقاعُ الطَّلاقِ، وسَنَتَكَلَّمُ عَلى ذَلِكَ في مَكانِ ذِكْرِهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَسَّمُوا هَذا الطَّلاقَ إلى: واجِبٍ، ومَحْظُورٍ، ومَسْنُونٍ، ومَكْرُوهٍ، ومُباحٍ، وهَذا مِن عِلْمِ الفِقْهِ، فَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ في كُتُبِهِ. وظاهِرُ الآيَةِ العُمُومُ؛ فَيَدْخُلُ في الطَّلاقِ: الحُرُّ والعَبْدُ، فَيَكُونُ حُكْمُهُما سَواءً، ونَقَلَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ اتِّفاقَ السَّلَفِ وفُقَهاءَ الأمْصارِ عَلى أنَّ الزَّوْجَيْنِ المَمْلُوكَيْنِ يَنْفَصِلانِ بِالثِّنْتَيْنِ، ولا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَهُما إلّا بَعْدَ زَوْجٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُخالِفُ شَيْئًا مِن هَذا، وهو أنَّ أمْرَ العَبْدِ في الطَّلاقِ إلى المَوْلى. واخْتَلَفُوا إذا كانَ أحَدُهُما حُرًّا والآخَرُ رَقِيقًا، فَقِيلَ: الطَّلاقُ بِالنِّساءِ؛ فَلَوْ كانَتْ حُرَّةً تَحْتَ عَبْدٍ أوْ حُرٍّ فَطَلاقُها ثَلاثٌ، أوْ أمَةً تَحْتَ حُرٍّ أوْ عَبْدٍ فَطَلاقُهُما ثِنْتانِ، وبِهِ قالَ أبُو عَلِيٍّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ، والثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ. وقِيلَ: الطَّلاقُ بِالرِّجالِ، فَلَوْ كانَتْ أمَةً تَحْتَ حُرٍّ فَطَلاقُها ثَلاثٌ، أوْ حُرَّةً تَحْتَ عَبْدٍ فَطَلاقُها ثِنْتانِ، وبِهِ قالَ عُمَرُ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ. والطَّلاقُ مَصْدَرُ طُلِّقَتِ المَرْأةُ طَلاقًا، ويَكُونُ بِمَعْنى التَّطْلِيقِ، كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو مُبْتَدَأٌ، ومَرَّتانِ خَبَرُهُ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: عَدَدُ الطَّلاقِ المَشْرُوعِ فِيهِ الرَّجْعَةُ، أوِ الطَّلاقُ الشَّرْعِيُّ المَسْنُونُ مَرَّتانِ، واحْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المُضافِ حَتّى يَكُونَ الخَبَرُ هو المُبْتَدَأُ، و﴿مَرَّتانِ﴾ تَثْنِيَةً حَقِيقَةً؛ لِأنَّ الطَّلاقَ الرَّجْعِيَّ أوِ المَسْنُونَ - عَلى اخْتِلافِ القَوْلَيْنِ - عَدَدُهُ هو مَرَّتانِ عَلى التَّفْرِيقِ، وقَدْ بَيَّنّا كَوْنَهُ يَكُونُ عَلى التَّفْرِيقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمْ يُرِدْ بِالمَرَّتَيْنِ التَّثْنِيَةَ (p-١٩٣)والتَّكْرِيرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، أيْ: كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، لا كَرَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ التَّتالِي الَّتِي يُرادُ بِها التَّكْرِيرَةُ، قَوْلُهم: لَبَّيْكَ، وسَعْدَيْكَ، وحَنانَيْكَ، وهَذاذَيْكَ، ودَوالَيْكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو في الظّاهِرِ مُناقِضٌ لِما قالَ قَبْلَ ذَلِكَ، ومُخالِفٌ لِما في نَفْسِ الأمْرِ. أمّا مُناقَضَتُهُ فَإنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ ”الطَّلاقُ مَرَّتانِ“: أيِ: التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَّفْرِيقِ، دُونَ الجَمْعِ والإرْسالِ دُفْعَةً واحِدَةً؛ فَقَوْلُهُ: ”تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ“ مُناقِضٌ في الظّاهِرِ لِقَوْلِ: ”ولَمْ يُرِدْ بِالمَرَّتَيْنِ التَّثْنِيَةَ“؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ ضَرَبْتُكَ ضَرْبَةً بَعْدَ ضَرْبَةٍ، إنَّما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ الِاقْتِصارُ عَلى ضَرْبَتَيْنِ، وهو مُساوٍ في الدَّلالَةِ لِقَوْلِكَ ”ضَرَبْتُكَ ضَرْبَتَيْنِ“؛ ولِأنَّ قَوْلَكَ ”ضَرْبَتَيْنِ“ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُما إلّا ضَرْبَةً بَعْدَ ضَرْبَةٍ. وأمّا مُخالَفَتُهُ لِما في نَفْسِ الأمْرِ، فَلَيْسَ هَذا مِنَ التَّثْنِيَةِ الَّتِي تَكُونُ لِلتَّكْرِيرِ؛ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ الَّتِي يُرادُ بِها التَّكْرِيرُ لا يَقْتَضِي بِتَكْرِيرِها ثِنْتَيْنِ ولا ثَلاثَ، بَلْ يَدُلُّ عَلى التَّكْرِيرِ مِرارًا؛ فَقَوْلُهم: ”لَبَّيْكَ“ مَعْناهُ: إجابَةً بَعْدَ إجابَةٍ فَما زادَ، وكَذَلِكَ أخَواتُها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ”كَرَّتَيْنِ“، مَعْناهُ: ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ مِرارًا كَثِيرَةً، والتَّثْنِيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ إنَّما يُرادُ بِها شَفْعُ الواحِدِ، وهو الأصْلُ في التَّثْنِيَةِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يُرادُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿مَرَّتانِ﴾ ما يَزِيدُ عَلى الثِّنْتَيْنِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ هي الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ ؟ ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أيْ: فَإنْ سَرَّحَها الثّالِثَةَ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا؛ فَلَيْسَ قَوْلُهُ ﴿مَرَّتانِ﴾ دالًّا عَلى التَّكْرارِ الَّذِي لا يَشْفَعُ، بَلْ هو مُرادٌ بِهِ شَفْعُ الواحِدِ، وإنَّما غَرَّ الزَّمَخْشَرِيَّ في ذَلِكَ صَلاحِيَةُ التَّقْدِيرِ بِقَوْلِهِ: الطَّلاقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّثْنِيَةِ الَّتِي لا تَشْفَعُ الواحِدَ، ومُرادٌ بِها التَّكْثِيرُ، إلّا أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّ الأصْلَ شَفْعُ الواحِدِ، وأنَّ التَّثْنِيَةَ الَّتِي لا تَشْفَعُ الواحِدَ ويُرادُ بِها التَّكْرارُ لا يُقْتَصَرُ بِها عَلى الثَّلاثِ في التَّكْرارِ، ولَمّا حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ تَعالى: (مَرَّتَيْنِ) عَلى أنَّهُ مِن بابِ التَّثْنِيَةِ الَّتِي يُرادُ بِها التَّكْرِيرُ؛ احْتاجَ أنْ يَتَأوَّلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ عَلى أنَّهُ تَخْيِيرٌ لَهم، بَعْدَ أنْ عَلَّمَهم كَيْفَ يُطَلِّقُونَ، بَيْنَ أنْ يُمْسِكُوا النِّساءَ بِحُسْنِ العِشْرَةِ والقِيامِ بِواجِبِهِنَّ، وبَيْنَ أنْ يُسَرِّحُوهُنَّ السَّراحَ الجَمِيلَ الَّذِي عَلَّمَهم. وتَحَصَّلَ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ لِلسَّلَفِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيانٌ لِعَدَدِ الطَّلاقِ الَّذِي لِلزَّوْجِ أنْ يَرْتَجِعَ مِنهُ دُونَ تَجْدِيدِ مَهْرٍ ووَلِيٍّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عُرْوَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُ تَعْرِيفُ سُنَّةِ الطَّلاقِ، أيْ: مَن طَلَّقَ اثْنَتَيْنِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ في الثّالِثَةِ، فَإمّا تَرْكُها غَيْرَ مَظْلُومَةٍ شَيْئًا مِن حَقِّها، وإمّا إمْساكُها مُحْسِنًا عِشْرَتَها، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والآيَةُ تَتَضَمَّنُ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، والإمْساكُ بِالمَعْرُوفِ هو الِارْتِجاعُ بَعْدَ الثّانِيَةِ إلى حُسْنِ العِشْرَةِ، والتِزامِ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ. انْتَهى كَلامُهُ. وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ فَقالَ: وقِيلَ مَعْناهُ: الطَّلاقُ الرَّجْعِيُّ مَرَّتانِ؛ لِأنَّهُ لا رَجْعَةَ بَعْدَ الثَّلاثِ، ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، أيْ بِرَجْعَةٍ، أوْ ﴿تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾، أيْ بِأنْ لا يُراجِعَها حَتّى تَبِينَ بِالعِدَّةِ، أوْ بِأنْ لا يُراجِعَها مُراجَعَةً، يُرِيدُ بِها تَطْوِيلَ العِدَّةِ عَلَيْها وضِرارَها، وقِيلَ: بِأنْ يُطَلِّقَها الثّالِثَةَ. ورُوِيَ «أنَّ سائِلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أيْنَ الثّالِثَةُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: (أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ») . انْتَهى كَلامُهُ. وتَفْسِيرُ التَّسْرِيحِ بِإحْسانٍ، أنْ لا يُراجِعَها حَتّى تَبِينَ بِالعِدَّةِ، هو قَوْلُ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ. وقَوْلُهُ: أوْ بِأنْ لا يُراجِعَها مُراجَعَةً يُرِيدُ بِها تَطْوِيلَ العِدَّةِ عَلَيْها وضِرارَها، كَلامٌ لا يَتَّضِحُ تَرْكِيبُهُ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُراجِعَها مُراجَعَةً حَسَنَةً مَقْصُودًا بِها الإحْسانُ والتَّآلُفُ والزَّوْجِيَّةُ؛ فَيَصِيرُ هَذا قَسِيمُ قَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ مُراجَعَةٌ مُراجَعَةً حَسَنَةً. وهَذا كَلامٌ لا يَلْتَئِمُ أنْ يُفَسَّرَ بِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾، ولَوْ فُسِّرَ بِهِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ لَكانَ صَوابًا. وأمّا قَوْلُهُ: وقِيلَ بِأنْ يُطَلِّقَها الثّانِيَةَ، فَهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، (p-١٩٤)وجُمْهُورِ السَّلَفِ، وعُلَماءِ الأمْصارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُقَوِّي هَذا القَوْلَ عِنْدِي مِن ثَلاثَةِ وُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّهُ رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا ذِكْرُ الطَّلْقَتَيْنِ، فَأيْنَ الثّالِثَةُ ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: (هي قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾») . والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ التَّسْرِيحَ مِن ألْفاظِ الطَّلاقِ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ قُرِئَ: ”وإنْ عَزَمُوا السَّراحَ“ ؟ والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ فَعَّلَ تَفْعِيلًا، هَذا التَّضْعِيفُ يُعْطِي أنَّهُ أحْدَثَ فِعْلًا مُكَرَّرًا عَلى الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ، ولَيْسَ في التَّرْكِ إحْداثُ فِعْلٍ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّفْعِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ. والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنَّ ”الطَّلاقَ“: الألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهو الطَّلاقُ الَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهو ما كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرَّتانِ﴾ بَيانٌ لِعَدَدِ هَذا الطَّلاقِ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ بِالفاءِ الَّتِي هي لِلتَّعْقِيبِ بَعْدَ صُدُورِ الطَّلْقَتَيْنِ ووُقُوعِها كِنايَةٌ عَنِ الرَّدِّ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ، وفاءُ التَّعْقِيبِ تَقْتَضِي التَّعْدِيَةَ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ صَرِيحٌ في الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، وما عُطِفَ عَلى المُتَعَقَّبِ بَعْدَ شَيْءٍ لَزِمَ فِيهِ أنْ يَكُونَ مُتَعَقِّبًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ، فَجَعَلَ لَهُ حالَتَيْنِ بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ: إمّا أنْ يُمْسِكَ بِمَعْرُوفٍ، وإمّا أنْ يُطَلِّقَ بِإحْسانٍ. إلّا أنَّ العَطْفَ بِأوْ يَنْبُو عَنْهُ الدَّلالَةُ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، ويَقْوى إذْ ذاكَ أنْ يَكُونَ التَّسْرِيحُ كِنايَةً عَنِ التَّخْلِيَةِ والتَّرْكِ؛ لِأنَّ المَعْنى يَكُونُ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَبَعْدَهُما أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا الإمْساكُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الرَّدِّ، وإمّا التَّسْرِيحُ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ التَّخْلِيَةِ، واسْتِمْرارِ التَّسْرِيحِ لا إنْشاءِ التَّسْرِيحِ، وإمّا أنْ تَدُلَّ عَلى إيقاعِ التَّسْرِيحِ بَعْدَ الإمْساكِ المُعَبَّرِ بِهِ عَنِ الرَّدِّ، فَإنْ قُدِّرَ شَرْطٌ مَحْذُوفٌ وجُعِلَ، فَإمْساكٌ جَوابًا لِذَلِكَ الشَّرْطِ، وجُعِلَ الإمْساكُ كِنايَةً عَنِ اسْتِمْرارِ الزَّوْجِيَّةِ؛ أمْكَنَ أنْ يُرادَ بِالتَّسْرِيحِ إنْشاءُ الطَّلاقِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَإنْ أوْقَعَ التَّطْلِيقَتَيْنِ ورَدَّ الزَّوْجَةَ ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾؛ لِأنَّ الرَّدَّ يَعْتَقِبُهُ أحَدُ هَذَيْنِ: إمّا الِاسْتِمْرارُ عَلى الزَّوْجِيَّةِ؛ فَيَكُونُ بِمَعْرُوفٍ، وإمّا الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ؛ ويَكُونُ بِإحْسانٍ. وقالَ في (المُنْتَخَبِ) ما مُلَخَّصٌ مِنهُ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ، قالَ قَوْمٌ: هو مُبْتَدَأٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، ومَعْناهُ أنَّ التَّطْلِيقَ الشَّرْعِيَّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ تَطْلِيقَةً بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلى التَّفْرِيقِ دُونَ (p-١٩٥)الجَمْعِ دُفْعَةً واحِدَةً، وهَذا تَفْسِيرُ مَن قالَ: الجَمْعُ بَيْنَ الثَّلاثِ حَرامٌ، وهو مَذْهَبُ أُبَيٍّ، وجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. والألِفُ واللّامُ لِلِاسْتِغْراقِ، والتَّقْدِيرُ: كُلُّ الطَّلاقِ مَرَّتانِ، ومَرَّةٌ ثالِثَةٌ، وهَذا يُفِيدُ التَّفَرُّقَ؛ لِأنَّ المَرّاتِ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ تَفَرُّقِ الِاجْتِماعِ، ولَفْظُهُ خَبَرٌ، ومَعْناهُ الأمْرُ، والقائِلُونَ بِهَذا قالُوا: لَوْ طَلَّقَها ثَلاثًا أوِ اثْنَتَيْنِ، اخْتَلَفُوا، فَقالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ البَيْتِ: لا يَقَعُ إلّا الواحِدَةُ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى اشْتِمالِ المَنهِيِّ عَنْهُ عَلى مَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ، والقَوْلُ بِالوُقُوعِ إدْخالٌ لِتِلْكَ المَفْسَدَةِ في الوُجُودِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ ما لَفَظَ بِهِ بِناءً عَلى أنَّ النَّهْيَ لا يَدُلُّ عَلى الفَسادِ. وقالَ قَوْمٌ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: أنَّ الطَّلاقَ الرَّجْعِيَّ مَرَّتانِ، ولا رَجْعَةَ بَعْدَ الثَّلاثِ، وهَذا تَفْسِيرُ مَن جَوَّزَ الجَمْعَ بَيْنَ الثَّلاثِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ قَبْلَها ذَكَرَ فِيها أنَّ حَقَّ المُراجَعَةِ ثابِتٌ لِلزَّوْجِ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ ثابِتٌ دائِمًا أوْ إلى غايَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ فَكانَ ذَلِكَ كالمُجْمَلِ المُفْتَقِرِ إلى المُبَيِّنِ، أوْ كالعامِّ المُفْتَقِرِ إلى المُخَصِّصِ، فَبَيَّنَ ما ثَبَتَ فِيهِ الرَّجْعَةُ وهو أنْ يُوجَدَ طَلْقَتانِ، وأمّا الثّالِثَةُ فَلا تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ؛ فالألِفُ واللّامُ في ”الطَّلاقِ“ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، وهو الطَّلاقُ الَّذِي تَثْبُتُ فِيهِ الرَّجْعَةُ، ورَجَحَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إنْ كانَ عامًّا في كُلِّ الأحْوالِ احْتاجَ إلى مُخَصِّصٍ، أوْ مُجْمَلًا لِعَدَمِ بَيانِ شَرْطٍ تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ عِنْدَهُ افْتَقَرَ إلى البَيانِ، فَجَعْلُها مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها مُحَصِّلٌ لِلْمُخَصِّصِ أوْ لِلْمُبَيِّنِ فَهو أوْلى مِن أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ البَيانَ عَنْ وقْتِ الخِطابِ - وإنْ كانَ جائِزًا تَأْخِيرُهُ - فالأرْجَحُ أنْ لا يَتَأخَّرَ، وبِأنَّ حَمْلَهُ عَلى ذَلِكَ يُدْخِلُ سَبَبَ النُّزُولِ فِيهِ، وحَمْلَهُ عَلى تَنْزِيلِ حُكْمٍ آخَرَ أجْنَبِيٍّ يُخْرِجُهُ عَنْهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّبَبُ خارِجًا عَنِ العُمُومِ. وقالَ في (المُنْتَخَبِ) أيْضًا ما مُلَخَّصٌ مِنهُ: مَعْنى التَّسْرِيحِ قَبْلَ وُقُوعِ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، وقَبْلَ تَرْكِ المُراجَعَةِ حَتّى تَبِينَ بِانْقِضاءِ العِدَّةِ، وهَذا هو الأقْرَبُ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠] تَقْتَضِي وُقُوعَ هَذِهِ الطَّلْقَةِ مُتَأخِّرَةً عَنْ ذَلِكَ التَّسْرِيحِ، فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الثّالِثَةُ لَكانَ ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠] طَلْقَةً رابِعَةً، وإنَّهُ لا يَجُوزُ؛ ولِأنَّ بَعْدَهُ ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾، والمُرادُ بِهِ الخُلْعُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَصِحُّ بَعْدَ الثَّلاثِ، فَإنْ صَحَّ تَفْسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلتَّسْرِيحِ هُنا أنَّها الثّالِثَةُ؛ فَلا مَزِيدَ عَلَيْهِ. انْتَهى ما قُصِدَ تَلْخِيصُهُ مِنَ المُنْتَخَبِ. ولا يَلْزَمُ بِما ذُكِرَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فَإنْ طَلَّقَها رابِعَةً) كَما قالَ؛ لِأنَّهُ فَرَضَ التَّسْرِيحَ واقِعًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ أحَدَ أمْرَيْنِ بَعْدَ أنْ يُطَلِّقَ مَرَّتَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَرُدَّ ويُمْسِكَ بِمَعْرُوفٍ، والآخَرُ: أنْ يُسَرِّحُ بَعْدَ الرَّدِّ بِإحْسانٍ، فالمَعْنى أنَّ الحُكْمَ أحَدُ أمْرَيْنِ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ وقَعَ أحَدُ الأمْرَيْنِ، وهو الطَّلاقُ، فَحُكْمُهُ كَذا، فَلا يَلْزَمُ (p-١٩٦)أنْ يَكُونَ هَذا الواقِعُ مُغايِرًا لِأحَدِ الأمْرَيْنِ السّابِقَيْنِ، كَما تَقُولُ: الرَّأْيُ عِنْدِي أنْ تُقِيمَ أوْ تَرْحَلَ، فَإنْ رَحَلْتَ كانَ كَذا؛ فَلا يَدُلُّ قَوْلُهُ ”فَإنْ رَحَلْتَ“ عَلى أنَّهُ رَحِيلٌ غَيْرُ المُتَرَدَّدِ في حُصُولِهِ، ولا يَدُلُّ التَّرَدُّدُ في الحُكْمِ بَيْنَ الإقامَةِ والرَّحِيلِ عَلى وُقُوعِ الرَّحِيلِ؛ لِأنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ أحَدُ الأمْرَيْنِ، ولا يَلْزَمُ أيْضًا ما ذُكِرَ مِن تَرَتُّبِ الخُلْعِ بَعْدَ الثَّلاثِ، وهو لا يَصِحُّ لِما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ الحُكْمَ هو أحَدُ أمْرَيْنِ، فَلا يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الطَّلاقِ الثّالِثِ، بَلْ ذَكَرَ الخُلْعَ قَبْلَ ذِكْرِ وُقُوعِ الطَّلاقِ الثّالِثِ لِأنَّهُ بَعْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وأيْضًا لَوْ سَلَّمْنا وُقُوعَ الطَّلاقِ الثّالِثِ قَبْلَ وُقُوعِهِ ﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا﴾، لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ الخُلْعُ بَعْدَ الطَّلاقِ الثّالِثِ؛ لِأنَّ الآيَةَ جاءَتْ لِتَبْيِينِ حُكْمِ الخُلْعِ، وإنْشاءِ الكَلامِ فِيهِ. وكَوْنُها سِيقَتْ لِهَذا المَعْنى بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلاقِ الثّالِثِ في التِّلاوَةِ لا يَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ في الوُجُودِ؛ فَلا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ إلّا لَوْ صَرَّحَ بِقَيْدٍ يَقْتَضِي تَأخُّرَ الخُلْعِ في الوُجُودِ عَنْ وُجُودِ الطَّلاقِ الثّالِثِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرَهُ. وارْتِفاعُ قَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ﴾ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مُتَأخِّرًا تَقْدِيرُهُ: أمْثَلُ وأحْسَنُ، وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ مُتَقَدِّمًا، أيْ: فَعَلَيْكم إمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، وجَوَّزَ فِيهِ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ: فالواجِبُ إمْساكٌ، و”بِمَعْرُوفٍ“ و”بِإحْسانٍ“ يَتَعَلَّقُ كُلٌّ مِنهُما بِما يَلِيهِ مِنَ المَصْدَرِ، و”الباءُ“ لِلْإلْصاقِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ صِفَةً لِما قَبْلَهُ؛ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وقالُوا: يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ نَصْبُ إمْساكٍ أوْ تَسْرِيحٌ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَأمْسِكُوهُنَّ إمْساكًا بِمَعْرُوفٍ، أوْ سَرِّحُوهُنَّ تَسْرِيحًا بِإحْسانٍ.
﴿ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ الآيَةَ. سَبَبُ النُّزُولِ «أنَّ جَمِيلَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كانَتْ تَحْتَ ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، وكانَتْ تُبْغِضُهُ وهو يُحِبُّها، فَشَكَتْهُ إلى أبِيها فَلَمْ يَشْكُها، ثُمَّ شَكَتْهُ إلَيْهِ ثانِيَةً وثالِثَةً وبِها أثَرُ ضَرْبٍ فَلَمْ يَشْكُها، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وشَكَتْهُ إلَيْهِ وأرَتْهُ أثَرَ الضَّرْبِ، وقالَتْ: لا أنا ولا ثابِتٌ لا يَجْمَعُ رَأْسِي ورَأْسَهُ شَيْءٌ، واللَّهِ لا أعْتِبُ عَلَيْهِ في دِينٍ ولا خُلُقٍ، لَكِنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ في الإسْلامِ ما أُطِيقُهُ بُغْضًا، إنِّي رَفَعْتُ جانِبَ الخِيامِ فَرَأيْتُهُ أقْبَلَ في عِدَّةٍ وهو أشَدُّهم سَوادًا، وأقْصَرُهم قامَةً، وأقْبَحُهم وجْهًا. فَقالَ ثابِتٌ: ما لِي أحَبُّ إلَيَّ مِنها بَعْدَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، وقَدْ أعْطَيْتُها حَدِيقَةً تَرُدُّها عَلَيَّ، وأنا أُخَلِّي سَبِيلَها، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَخَلّى سَبِيلَها، وكانَ أوَّلَ خُلْعٍ في الإسْلامِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ» . ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى الإمْساكَ بِمَعْرُوفٍ أوِ التَّسْرِيحَ بِإحْسانٍ، اقْتَضى ذَلِكَ أنَّ مِنَ الإحْسانِ أنْ يَأْخُذَ الزَّوْجُ مِنَ امْرَأتِهِ شَيْئًا مِمّا أعْطى، واسْتَثْنى مِن هَذِهِ الحالَةِ قِصَّةَ الخُلْعِ، فَأباحَ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْخُذَ مِنها عَلى ما سَنُبَيِّنُهُ في الآيَةِ، وكَما قالَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] الآيَةَ، والخِطابُ في ”لَكم“ وما بَعْدَهُ ظاهِرُهُ أنَّهُ لِلْأزْواجِ؛ لِأنَّ الأخْذَ والإيتاءَ مِنَ الأزْواجِ حَقِيقَةٌ، فَنُهُوا أنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا؛ لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ بِشُحِّ النَّفْسِ وطَلَبِها ما أعْطَتْ عِنْدَ الشِّقاقِ والفِراقِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْأئِمَّةِ والحُكّامِ؛ لِيَلْتَئِمَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾؛ لِأنَّهُ خِطابٌ لَهم لا لِلْأزْواجِ، ونَسَبَ الأخْذَ والإيتاءَ إلَيْهِمْ عِنْدَ التَّرافُعِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُمْضُونَ ذَلِكَ. ومَن قالَ إنَّهُ لِلْأزْواجِ أجابَ بِأنَّ الخِطابَ قَدْ يَخْتَلِفُ في الجُمْلَتَيْنِ، فَيُفْرَدُ كُلُّ خِطابٍ إلى مَن يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ الحُكْمُ، ولا يُسْتَنْكَرُ مِثْلُ هَذا، ويَكُونُ حَمْلُ الشَّيْءِ عَلى الحَقِيقَةِ إذْ ذاكَ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى المَجازِ، و﴿مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ ظاهِرٌ في عُمُومِ ما آتَوْا عَلى سَبِيلِ الصَّداقِ أوْ غَيْرِهِ مِن هِبَةٍ، وقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالصَّدَقاتِ، واللَّفْظُ عامٌّ، و﴿شَيْئًا﴾ إشارَةٌ إلى خَطَرِ الأخْذِ مِنهُنَّ، قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، و﴿شَيْئًا﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّهْيِ فَتَعُمُّ، و”مِمّا“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿تَأْخُذُوا﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ؛ فَيَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن قَوْلِهِ ﴿شَيْئًا﴾؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ نَعْتًا لَهُ.
﴿إلّا أنْ يَخافا ألّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾، الألِفُ واللّامُ في يَخافا ويُقِيما عائِدٌ عَلى صِنْفَيِ الزَّوْجَيْنِ، وهو مِن بابِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ إذا (p-١٩٧)اجْتَمَعَ مُخاطَبٌ وغائِبٌ، وأُسْنِدَ إلَيْهِما حُكْمٌ كانَ التَّغْلِيبُ لِلْمُخاطَبِ، فَتَقُولُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَخْرُجانِ، ولا يَجُوزُ يَخْرُجانِ، وكَذَلِكَ مَعَ التَّكَلُّمِ نَحْوَ: أنا وزَيْدٌ نَخْرُجُ، ولَمّا كانَ الِاسْتِثْناءُ بَعْدَ مُضِيِّ الجُمْلَةِ لِلْخِطابِ جازَ الِالتِفاتُ، ولَوْ جَرى عَلى النَّسَقِ الأوَّلِ لَكانَ: إلّا أنْ تَخافُوا أنْ لا تُقِيمُوا، ويَكُونُ الضَّمِيرُ إذْ ذاكَ عائِدًا عَلى المُخاطَبِينَ وعَلى أزْواجِهِمْ، والمَعْنى: إلّا أنْ يَخافا - أيْ صِنْفا الزَّوْجَيْنِ - تَرْكَ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ فِيما يَلْزَمُهُما مِن حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، بِما يَحْدُثُ مِن بُغْضِ المَرْأةِ لِزَوْجِها، حَتّى تَكُونَ شِدَّةُ البُغْضِ سَبَبًا لِمُواقَعَةِ الكُفْرِ، كَما في قِصَّةِ جَمِيلَةَ مَعَ زَوْجِها ثابِتٍ، و﴿أنْ يَخافا﴾، قِيلَ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، التَّقْدِيرُ: إلّا خائِفِينَ، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِنَ الأحْوالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا في كُلِّ حالٍ إلّا في حالِ الخَوْفِ أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّ: أنْ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، والمَصْدَرُ في مَوْضِعِ اسْمِ الفاعِلِ، فَهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهَذا في إجازَتِهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ وُقُوعَ المَصْدَرِ حالًا لا يَنْقاسُ، فَأحْرى ما وقَعَ مَوْقِعُهُ، وهو ”أنْ والفِعْلُ“، ويَكْثُرُ المَجازُ؛ فَإنَّ الحالَ إذْ ذاكَ يَكُونُ ”أنْ والفِعْلَ“ الواقِعانِ مَوْقِعَ المَصْدَرِ الواقِعِ مَوْقِعَ اسْمِ الفاعِلِ. وقَدْ مَنَعَ سِيبَوَيْهِ وُقُوعَ ”أنْ والفِعْلِ“ حالًا، نَصَّ عَلى ذَلِكَ في آخِرِ: هَذا بابُ ما يُخْتارُ فِيهِ الرَّفْعُ ويَكُونُ فِيهِ الوَجْهُ في جَمِيعِ اللُّغاتِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَفْعُولِ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، إلّا بِسَبَبِ خَوْفِ عَدَمِ إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ؛ فَذَلِكَ هو المُبِيحُ لَكُمُ الأخْذَ، ويَكُونُ حَرْفُ العِلَّةِ قَدْ حُذِفَ مَعَ ”أنْ“، وهو جائِزٌ فَصِيحًا كَثِيرًا، ولا يَجِيءُ هُنا - خِلافَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ - أنَّهُ إذا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِن ”أنْ“ هَلْ ذَلِكَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ ؟ بَلْ هَذا في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالمَصْدَرِ، والمَصْدَرُ لَوْ صُرِّحَ بِهِ كانَ مَنصُوبًا، واصِلًا إلَيْهِ العامِلُ بِنَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ هَذا المُقَدَّرُ بِهِ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أنَّ ”أنْ والفِعْلَ“ إذا كانا في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ فالمَوْضِعُ نَصْبٌ لا غَيْرَ، مَنصُوصٌ عَلَيْهِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.
ومَعْنى الخَوْفِ هُنا الإيقانُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. أوِ العِلْمُ، أيْ: إلّا أنْ يَعْلَما، قالَهُ ابْنُ سَلَمَةَ، وإيّاهُ أرادَ أبُو مِحْجَنٍ بِقَوْلِهِ:
؎أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها
ولِذَلِكَ رَفَعَ الفِعْلَ بَعْدَ ”أنْ“، أوِ ”الظَّنُّ“، قالَهُ الفَرّاءُ. وكَذَلِكَ قَرَأ أُبَيٌّ: ”إلّا أنْ يَظُنّا“، وأنْشَدَ:
؎أتانِي كَلامُ مَن نُصِيبُ بِقَوْلِهِ ∗∗∗ وما خِفْتُ يا سَلّامَ أنَّكَ عايِبِي
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии